السلفية الدينية والظواهر الاجتماعية والتربوية لنشوئها

العدد 1 - تموز 2005
الثلاثاء 5 تموز (يوليو) 2005.
 
في هذا العصر ـ عصر التقدم التقني المتسارع، والاقتصادي الجارف، والمجحف في المستوى الدولي بانعكاساته السلبية على عالم الجنوب، هل نحن مؤهلون لمواجهة نقد الذات بلا مواربة وبشفافية، تكشف عن أمراض واقعنا المتسمة بالجهل والتخلف المتأصل في وعي مجتمعاتنا العربية.
فالمشكلة المحورية في رأينا، من خلال متابعتنا للدراسات والأبحاث الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، تكمن في التنشئة التربوية لإنساننا، المؤسسة في تشكيل وعيه المجتمعي التراكمي، والمتمركزة في صيغة الأطروحة /الأبوية ـ التلقينية ـ الاستبدادية ـ الاستكبارية المتعالية/، والمصادرة لتطور الوعي العقلي ـ الفكري للفرد ومن ثم المجتمع، ابتداءً من خلية المؤسسة الاجتماعية الأولى مؤسسة ـ الأسرة ـ، وكنتاج لطبائع الاستبداد التاريخية في مجتمعاتنا، المنتجة لمرجعيات متسلطة، لا عقلانية ـ لا حوارية، تعليمياً، ودينياً وسياسياً ـ [دراسات عبد الرحمن الكواكبي ود.هشام شرابي النقدية بهذا الصدد] ـ وفق آلية شمولية للوصاية الاعلوية: /الأب ـ المدرس ـ الشيخ / المطران ـ السياسي/، على العقل في الآخر: /الابن ـ المؤمن ـ المواطن/، ومنعه من التفكير الحواري العقلاني ـ المتنور / الجدلي ـ وهو ما يهيئ التربة المناسبة لمزارع العقول الاجتماعية البليدة المدربة فقط، وفقط على التلقين والحفظ والتكرار، البعيدة عن منهج ثقافة التحليل والمناقشة والاستنباط والمحاكمة الفكرية، ثقافة معرفة أو إنتاج معرفة الإبداع والابتكار ـ الثقافة البحثية والبرهانية، المؤسسة اجتماعياً لثقافة التسامح والاختلاف الحواري في الرأي. وهذه العقول البليدة ليست حكراً على جموع الشعب الأمية، البسيطة السريرة /الطيبة، التي يغلب عليها التعصب لانعدام حظوتها بقسط من التعليم والثقافة، بل تطال شريحة المتعلمين، التي أطلق عليها، المفكر والناقد الأدبي الكبير ـ محمد مندور ـ بظاهرة أميّة المتعلمين. فمن رحم الوصاية على التفكير العقلي في مجتمع ـ مخصي ـ فشلت تجارب التحديث التنموية التقدمية سواء في مستوى بوتقة الصهر الوطنية والقومية وفي مستوى اشتراكياتها الاقتصادية، وهو ما أسس للهزائم العسكرية لاحقاً، كنتيجة موضوعية للهزيمة الاجتماعية المدنيّة، داخلياً. فهذا الأمر هو ما هيَّأ التربة المناسبة، والمبرر الموضوعي، لأطروحات الدولة الدينية، خاصة الإسلامية، وبزوغ فجر الجماعات الدينية المتسلطة التي هجرت وعيها الاجتماعي والوطني والقومي، بسبب من تهميشها الاقتصادي وإفقارها الجائر في ظل عمليات الفساد والإفساد لمجتمعاتها، من طبقة متخمة بممارساتها الاستهلاكية من أموال الفساد المسروقة من حقوق الوطن والمواطن، في علاقة جدلية حادة بمصادرة ـ الاجتماع السياسي للمجتمع ـ وفق شمولية منهج ديني إطلاقي وضعي /دنيوي، نرى أساسه الاجتماعي والتربوي في الأطروحة الأبوية ـ السابقة الذكر. من هذه البيئة الموضوعية لنشوء الجماعات الدينية، انطلقت الفلسفات الدينية المتميزة، بوجدان ديني له خصوصيته الروحية الماورائية الإلهية، وهذا حقه الطبيعي والإنساني، في التدين، ولكنه عاجز عن فهم أليات إنتاج الحضارة والمدنية بسبب ظروفه الموضوعية التي ـ ساقوه إليها ـ فاتجه في دنياه للبحث عن معجزة تخلصه من واقعه الاجتماعي المرير، باحثاً عن ذاته في عالم الأحياء الحضاري والمدني المعاصر، فلم يجد سوى السطو على كل منجز علمي يطاله تفكيره الديني الذي وقف عند حدود زمان ومكان معين ومحدد تاريخياً، تفكير نكرر سببه الانكسارات الحياتية المجتمعية المعاصرة، ونسبه إلى الدين وفق آلية تطويع النصوص الدينية /التاريخية/ المتغيرة ـ للأهداف السياسية، مدخلاً الدين في الدولة والدولة في الدين، فوجَّه ضربة قاصمة للدين في جوهره الإلهي السمح وأخلاقياته المعلمة والمؤكدة لمكارم الأخلاق، وللدولة في وجودها الديمقراطي السياسي والاجتماعي. وبالقياس الحضاري، وبسبب عقلانية التفكير العلماني، خاصة منه /التربوي التاريخي/ بزغت ألمانيا واليابان من حربهما الكونية الثانية ـ عملاقين اقتصاديين ـ حاملين بمنهج تفكيرهما عناصر نهوضهما. إذاً، في مجتمعات، كمجتمعاتنا العربية الحالية، حينما انعدمت أسباب التقدم العمراني ـ الدنيوي /المدني ـ انعداماً يكاد يكون كلياً أصبحت مطالب ما وراء المادة نفسها ـ مطالب مادية ـ وهو ما هيّأ التربة المناسبة والموضوعية للمطالبة بنشوء الدولة الدينية في مجتمعاتنا أو في غيرها حكمتها الظروف الموضوعية عينها. واعتقادنا أن اطراد الاستمرار الحضاري في مجتمعاتنا العربية ـ تاريخياً ـ ابتداءً من ـ سوريا الطبيعية ـ جعل للمسائل الاجتماعية والنفسية، الوجودية الحسية / الدنيوية، النصيب الأوفر في اهتمامات نفسياتنا الحضارية منذ نشوء إمبراطورية سرجون الاكادي ـ الموحد الأول لسوريا الطبيعية ـ إلى الدولة السورية السلوقية ـ وانتهاءً بالحقبة الثالثة لشمسنا الحضارية التي انشأت امبراطوريتنا ـ الإسلامية السورية الأموية ـ من دمشق فيحاء الشام.