العدد الثامن عشر - كانون الثاني 2007

دور العقل في تفسير الظواهر

الاثنين 22 كانون الثاني (يناير) 2007.
 

نظام مارديني

يحتو ي هذا الكتاب على مقاربات تاريخية لأفكار ابن خلدون الثابتة والفاعلة في حركة العالم بين ماض وحاضر، لاكتساب قدرة أفضل لفهم العالم الجديد " الذي لم يتكيف العرب معه"، على الرغم من أن العقل العربي الراهن والسائد ما زال بأشد الحاجة الى نهجه العملي والواقعي لفهم خصوصيات مجتمعه ، والخروج من النزعة الرومنسية والوهمية السائدة لديه في نظره الى تاريخه الذي لم يكتب كتاريخ بعد.

ولعله من المناسب هنا، معرفة أسباب الدعوة الى بذر الفكر الخلدوني في الوعي الشعبي العربي ، تمهيداً لنهضة ثقافية جديدة ومختلفة والتي تتلخص بالتالي: أولاً، عندما ينظر الراصد الى عطاء ابن خلدون في زمنه الصعب ، يجد في روحه وتجديده ،أقرب الى ابداعات عصر النهضة الاوروبية المنتمية الى شمال ضفة المتوسط. ثانياً، عندما بدأت " النهضة" العربية الاولى مطلع العصر الحديث كانت نهضة احياء أدبي بالدرجة الاولى ، ولم تنشغل أساساً بالفكر الاجتماعي أو التاريخ المنهجي. ثالثاً، ان الاحياء الثقافي العقلي يمكن أن يؤسس لمدرسة تاريخية واجتماعية في جسم الثقافة العربية الجديدة، لكي تكون متوازنة وقادرة على مخاطبة العصر بلغته ومنطقه. رابعا، ان استيعاب العرب عقلياً لحقيقة تاريخهم ، من منطلق النهج الخلدوني ، سيعينهم ذهنياً على فهم حقيقة العالم المعاصر.

لا شك يحتاج العرب الى تغيير نظرتهم للتاريخ، ومنه تاريخهم بطبيعة الحال، ليعرفوا كيف يجب أن يتعاملوا مع واقع العالم الذي هو حاضر التاريخ البشري. ومن اللافت والدافع للتأمل العميق، أن ابن خلدون نفسه ، برؤيته التاريخية الواقعية، استطاع أن يتعامل مع واقع الغزو المغولي لديار الاسلام بلقاء تيمورلنك عند أسوار دمشق، والتحدث معه، بينما نجد بالمقارنة أن شعراء عرباً تلبستهم النظرة الشعرية وحدها- أبرزهم خليل حاوي- قد انتحروا، جسدياً وحرفياً أمام واقع الغزو الاسرائيلي لبيروت.

 

وليس صدفة أن ابن خلدون رأى أن وعي التاريخ، علمياً، مقدمة لفهم العالم المعاصر موضوعياً. ولا يمكن لأي سياسة أو أمة تعيش أوهاماً أو رومانسيات منسوبة للتاريخ أن تواجه العالم وتتمكن من تغييره لصالحها. فالتاريخ والعالم وجهان لحقيقة واحدة، بحسب الانصاري.

إن مجيء ابن خلدون في نهاية المشهد الحضاري الاسلامي ، لم يتح البناء على ثورته الفكرية في حينه، وبالعكس فقد تأثر أكثر المثقفين العرب بالمدارس الفكرية الاوروبية المستمدة من خصوصيات مجتمعاتها في عصرنا الحديث. وفي صورة واضحة يمكن تسجيل عجز المجتمع المديني ( المدني) وافتقار القوى السياسية المدنية الى أسنان سياسية تدافع بها عن نفسها، فقد كتب ابن خلدون في جذور هذه الاشكالية ليلخص الحقيقة القائمة في التاريخ العربي وهي اجتياح الحواضر الى قوى البادية المحاربة للدفاع عنها، وقد دفعت المدن من حرياتها ومستواها المدني التحضري ثمناً باهظاً لذلك، بغياب إرادتها السياسية المقررة لنظامها السياسي.

الى جانب هذه الرؤى الفكرية المتقدمة، قياساً بعصر مفكرنا، فإن قارىء ابن خلدون لفتته قوة المنطق العقلاني لديه في تفسير مختلف الظواهر. وعلى الرغم من أن عصر ابن خلدون كان عصراً معادياً للفلسفة في المجتمع الاسلامي، وهو ما ينعكس في الفصل الذي عنونه في مقدمته الشهيرة: " في إبطال الفلسفة وفساد منتحليها" فإنه ، فيما يماثل فلاسفة النهضة الحديثة بأوروبا، قد حول عمل العقل من الانشغال بالميتافيزيقيا في ما وراء الطبيعة الى أعماله في شؤون المجتمع والتاريخ والعلم ، وهو بذلك أنزل الفلسفة من السماء الى الارض من أجل فهم العالم.