العدد الثامن عشر - كانون الثاني 2007

زينب عساف: لا أكتب لقارئ محدد بل لنفسي ولأسئلتي الكبرى

أسماء وهبة
الثلاثاء 23 كانون الثاني (يناير) 2007.
 

لايملك الخطاب الشعري أدوات التحريض والتغيير

تنطلق شاعرية زينب عساف من عالم اجتماعي خانق دفعها نحو جنة القصيدة، حيث تنفست هواءها النقي. فرتلت قصائدها بسلاسة عالية، وبهدوء مطعم بغضب الثورة على المجتمع المعتم وتقاليده البالية، لتكون صاحبة شعر التحديات رغم صغر سنها الذي جعلها مفعمة بالحرية والجرأة والصدق، والوضوح. إنها اليوم صاحبة صناعة شعرية متماسكة، متمكنة، ومتميزة من حيث اللغة والصور الشعرية والرسائل الدينية والسياسية التي تصيب في الصميم.

أسئلة عدة طرحتها "تحولات" على الشاعرة زينب عساف حول: القصيدة،علاقة الشاعر بالسلطة، ومدى امتلاكه لأدوات التغيير. وهل مازالت الشاعرة تقبع في سجن المجتمع الذكوري أم استطاعت التحررمنه ومن ذاتها؟!

 

ما هو الموقع الذي تحتله القصيدة على الخارطة الأدبية والفنية اليوم؟

- القصيدة موجودة رغم كل ما يقال عن موت الشعر. فثمة الكثير من المواهب الشابة في العالم العربي، لكن الغريب هو تأثّر الشعراء الشبان ببعض النظريات كنظرية الركاكة مثلاً وابتعادهم بالتالي عن القراءة والاطلاع على التراث الشعري والتجارب السابقة، ووقوعهم في سفسطة لغوية لا معنى لها. بشكل عام، يمكننا القول إن الشعر العربي مزدهر، على الرغم من انكفاء المحاولات الأولى هذا العام بعكس الأعوام السابقة. وعلى أي حال تبقى القصيدة في وضع أفضل من الرواية التي ما زالت فناً ناشئاً في العالم العربي.

 

 ما الذي تغير في شكل القصيدة ومضمونها؟

- ليس للقصيدة قالب ثابت نُدخل الكلام فيه، فيخرج شعراً، حيث يتغيّر شكلها باستمرار وهذا جزء من طبيعتها. حتى القصيدة العمودية شهدت تطوّرات عديدة، عندما تخلّى شعراء العصر العباسي مثلاً عن الوقوف على الأطلال حسب الطريقة الجاهلية. في ما بعد تم الانتقال إلى قصيدة التفعيلة، لنصل إلى ذروة الحريّة مع قصيدة النثر. إلا أن الفخّ يكمن في هذه الحرية بالتحديد، لأن التجريب يحدث الآن داخل القصيدة لا خارجها، وهذه مهمّة شاقّة لا يمكن لغير الموهوب التصدّي لها.

 

كيف يمكن للشاعر تجنب السقوط في النمطية والتكرار؟

- أظنّ أن على الشاعر تجنّب تقليد نفسه أكثر مما يتجنّب تقليد الآخرين. بمعنى أن كل عمل جديد يجب أن يتنكّر لما قبله ويدمّره. والطريقة الوحيدة لتجنّب التكرار هي الانفتاح على الآخر وعدم التقوقع في الذاتية، إضافة إلى متابعة التيارات العالمية الجديدة في كتابة الشعر.

 

 يموج العالم العربي اليوم بالإَضطرابات والأزمات. فما هو الهم الكتابي الشعري لزينب عساف؟

- لا أعرف إن كان الحديث عن المثقّف الملتزم اليوم دقيقاً في ظل عدم ثبات القضايا وزئبقيتها. من جهتي، أحمل همّاً شخصياً بالدرجة الأولى يتمثّل في الحرية والمساواة، وبالدرجة الثانية أحمل همّ المجتمع الذي أعيش فيه، والذي يتجه أكثر فأكثر نحو الانغلاق والوقوع في متاهة المرايا العاكسة. أظننا جميعاً، وكلٌ من موقعه، مطالبون بالدفاع عن قضايا أساسية مثل حقوق المرأة والحرية الفكرية ورفع المستوى الاجتماعي والثقافي ونشر مبدأ المحاسبة في مجتمعاتنا.

 

هل يملك الخطاب الشعري اليوم من أدوات التحريض والتغيير على مستوى القراء والنخبة؟

- لا أظنّ إن الخطاب الشعري، وبشكل أوسع الخطاب الثقافي، يملك أدوات التحريض والتغيير. لا يدور النقاش في عالمنا العربي الآن حول الأفكار بل حول الأشخاص، لأن الجماعات الغرائزية ما زالت تصنّف وفق ثنائية الخير والشر من دون مناقشة هذا الزعيم أو ذاك. أما النخبة فهي إما محاصرة أو متعاملة أو مستسلمة، والقلّة القليلة التي ما زالت مؤمنة بالتغيير تلفظ أنفاسها الأخيرة. إلا أن هذا لا يعني أن الأدب لا يغيّر: هو يفعل ذلك، لكن على نطاق ضيّق وعلى المدى الطويل.

ما هو موقف الشاعر المثقف اليوم من السياسة والسلطة؟

- علاقة المثقّف بالسلطة لم تتغيّر كثيراً. لطالما كان هناك شعراء بلاط، لا همّ لهم غير مديح الحكّام وبعضهم موهوب جداً. لا يمكن أن ننسى مثلاً أن أهمّ شعرائنا وهو المتنبي نظم أفضل قصائده في مديح سيف الدولة الحمداني. على المقلب الآخر، لطالما كان هناك شعراء معارضون دفعوا حياتهم ثمناً لمواقفهم السياسية كالشاعر الإسباني فيديريكو غارثيا لوركا.

 

كيف نجحت في التعبير عن داهيلز نفسك الداخلية من خلال المفردات واللغة؟

- لا أعرف إن كنت نجحت في التعبير عما أردت قوله. لقد جرّبت استخدام لغة بسيطة ومكثّفة مبتعدةً قدر الإمكان عن الزخرفة أو التكسير العقيم للغة. من المهم جداً للشاعر أن يجد لغته الخاصة، أي بصمته الواضحة. ومن المعروف أن الشاعر يعمل بأدوات مستعملة، لأنه يستخدم الكلمات المستخدمة من قبل نفسها، لكن فرادة لغته تأتي من المنظومات والعلاقات التي يقيمها بين هذه الكلمات. بهذا المعنى فإن الشاعرهو كيميائي، وآمل أن أصبح كيميائية ناجحة.

 

قلائل هن الشاعرات في العالم العربي.فما التحديات التي تواجههن في التعبير الحقيقي عن حالات العشق، التعاطي مع الجسد، والتأمل في الحب؟

- طبيعي أن يكون عدد الشاعرات العربيات أقل من عدد الشعراء العرب. ولذلك أسباب عديدة، منها: تأخّر التحاق النساء بالمدارس بعدما كنّ محرومات من دخولها في السابق، التعليم الديني الذي حصر تحصيل العلم بالرجل فقط، الضغوط الاجتماعية التي تدفع المرأة إلى غضّ النظر عن الكتابة كي لا تحرج نفسها وتحرج محيطها. أكثر من ذلك، أخبرتني ناقدة مرموقة إن التلميذات في الخمسينات لم يكنّ يدرّسن عمود الشعر بعكس التلاميذ في المؤسسة التعليمية نفسها. اليوم نشهد فورة أدبية نسائية وأجد الأمر صحياً، بل إنني متفائلة إلى درجة الإعلان: أدب الغد نسائي بامتياز.

 

هل مازالت الشاعرة تحاسب على خيالاتها الشعرية ، ورؤيتها للرجل، ونظرتها للحب والجنس من قبل المجتمع؟ وكيف تتعاطين مع هذه العناوين؟

- يختلف الأمر باختلاف المجتمع. لكن بشكل عام ، نعم ما زالت المرأة تُحاسب على أفكارها وتصرّفاتها، فكيف الأمر مع كتاباتها؟! ثمة شاعرات يحاولن مداراة المجتمع فيقعن في التسطيح، وأخريات يتلبّسن الصورة المكرّسة أي صورة المرأة المغوية،إلا أنه من القليل أن نجد المغامرات. وشخصياً لا أكتب لقارئ محدد كي أخاف بل أكتب لنفسي ولأسئلتي الكبرى أولاً. وكما تقول الرائدة زينب فوّاز: "الروح جوهر مجرّد، لا ذكر ولا أنثى".