العدد الثامن عشر - كانون الثاني 2007

خلف كل كاتبة كائن يلقن

هيام عبدو الجندي
الثلاثاء 23 كانون الثاني (يناير) 2007.
 

هكذا أصبحنا نتساءل لدى سماعنا عن اسم أنثوي جديد في عالم الكتابة وكأن كلمة (شاعرة، روائية، قاصة، صحيفة) كلمة ليست ساحرة فحسب بل موضة تتسابق النساء على اكتسابها وخصوصاً تلك النسوة الباحثات عن هوية جديدة بعد فشل ما.

المشكلة الحقيقية ليست هنا، أي في اكتساب الهوية أو الفشل لأن التجارب الإنسانية من فشل ونجاح تزيد الخبرة الإنسانية، والإنسان يعمل ويتبلور ويبدع في خضم الحياة، هذا في حال توفر الموهبة، أو الاجتهاد بالحد الأدنى ويبقى الحكم على النتائج في نهاية المطاف ولا خلاف على أن العملية الإبداعية عملية صعبة ومعقدة، يتداخل فيها العامل الذاتي والعامل الموضوعي، يختص بها حفنة قليلة من الأفراد في مجتمع معين، فيقوم المجتمع أيضاً بدوره تجاههم يتجلى ذلك بتعامله معهم بخصوصية و احترام اعترافاً منه بتميزهم.

فمن مناّ لا يعرف أن العرب كانوا يحتفلون بولادة شاعر جديد في القبيلة، كما أن القصائد الهامة من منظورهم الجمالي، كانت تعلق على الجدار الأكثر قداسة في حياتهم الروحية وهو (جدار الكعبة)، شعراء اليونان والرومان صاغوا ملاحم شعبهم شعراً، ولكن هذا لا يعني إطلاقاً عدم وجود تفاوت بين شاعر وآخر، سواء من حيث الأسلوبية (أي شكل المعالجة) أم من حيث الموضوع، ولا يعني أيضاً عدم وجود أدب رديء يعيش على هامش الأدب المهم والحقيقي.

ولكن ما تشهدهُ الحياة الثقافية في سورية والأدبية منها بشكل خاص لم يشهد مثله تاريخ الأدب حتى في أشد عصور الانحطاط. وهو تلك الظاهرة المنتشرة المتمثلة بأن تأتي امرأة (متأدبة) تحمل في جعبتها خواطر وأشلاء لغوية وفكرية فيقوم أديب معروف وله باع في الصحف والمجلات والمنافذ الثقافية، فيعيد لها صياغة مادتها الأولية، لتقدم كعمل أدبي يحمل اسم تلك (المتأدبة) التي تتبنى الصياغة الجديدة، وكأنها هي الكاتبة الفعلية ولكن حين يطفح الكيل، ويعلن المسكوت عنه عن حضوره فيكون دائماً لهذا الحضور لا طعم الكشف بل طعم الفضيحة.

ويقتصر تناول هذه الظاهرة ضمن الجلسات الخاصة فقط وتحديداً بين الأدباء الذكور أنفسهم، ولكن ورغم كشفهم لهذه (المتأدبة) أو تلك إلا أن حضورها الأنثوي يبقى أقوى من النقد..!

وأرجو أن يخرج نقد هذه الظاهرة من دائرة النقد الشفوي الذي يقترب أحياناً من النميمة إلى معالجتها كظاهرة سلبية تنخر الثقافة الأدبية السورية برمتها بما تحتويه من احتيال وغش وبما تنطوي عليه من مقايضة رديئة ورخيصة بين الملقن والملقن لنقف أمام معادلة مخجلة الأول فيها مات لديه الضمير المهني والوجدان والثاني مريض بأسباب الشهرة السطحية والسخيفة وبالتأكيد أدرك تماماً ما أقول، فلا أقصد حالات الاستلهام أو التناص أو التأثر لإيماني العميق بكلية المعرفة البشرية وأن الإبداع لا يمكن أن يأتي من الفراغ وأن السماء جفت فلا وحي يوحى، ولكن هكذا وبلا رادع من ضمير تتم عملية المقايضة أو السرقة أحياناً ليصبح لدينا عدد من النساء المتطفلات على الحياة الأدبية الحقيقية وذلك لأسباب شخصية صرفة يتم الدفع بهن إلى واجهة الحياة الثقافية. وفعلاً أرى أن هذا يدعو إلى الدهشة والغرابة، فلا أدري لماذا هذا الإصرار العجيب منهن على اكتساب صفة (أدبية ؟..! ألا يمكنهن العيش كسيدات أو آنسات سويات دون اللجوء إلى هذه الحيلة، فلعل هذا الدرب ببعض جوانبه يزيدهن تشوهاً)؟

وبالتأكيد لدينا استثناءات نسائية شابة ومبدعة تستحق التقدير ولكن أقصد تلك الشريحة المعنية بتلك الظاهرة فقط والتي نراهم بعد أن تجف مصادرهن ويتخلى عنهن صناعهن، تظهر عليهن آثار القلق والعصاب ويبدأن بالبحث عن أية بارقة أمل لعلهن يحظين بالبديل وقد تصبح الواحدة منهن مستعدة لبذل أي شيء من كيانها وشخصيتها لتحقيق تلك الغاية وقد تغير اختصاصها حسب الصانع الجديد قد تترك الرواية لتصبح شاعرة أو حتى موسيقية أو رسامه....؟!

ولأن قائمة أسمائهن ليست قصيرة في المشهد الثقافي السوري أرى من غير المجدي تناولهن بالأسماء المقرونة بصناعهن، لأن ذلك يحتاج إلى جرأة واثبات وحتى لايغدو الكلام نوعاً من أنواع الإساءة ولأنني في هذا المقال لا أقصد معاقبتهن بل الإضاءة على هذه الظاهرة فقط.

وحتى لا يبقى الكلام ضمن الإطار النظري والمجرد سأورد باستحياء شديد بعض الأمثلة. إحداهن أصدرت ديواناً شعرياً قوياً العنوان، وجميلة وعندما قدمت لي نسخة كهدية فوجئت بأن الإهداء المتضمن بضع كلمات أغلبها تتضمن أخطاء نحوية وإملائية. وبعد قراءتي لذلك الديوان وجدته يطفح بالنفس الذكوري وفيما بعد تأكدت من أن ورائها شاعر يكتب لها. وثانيةً منهن تحولت إلى الكتابة الروائية بعد بضعة أعمال شعرية (وثالثة صديقة لصاحب مجلة ثقافية لهذا هي في موقع مهم في الجريدة وتفرد لها ولترهاتها الصفحات، وتطول القائمة... وتطول وياللأسف على الصانع والمصنوع وهذه الظاهرة جعلت الأدب النسوي ينتشر بشكل أفقي دون تبلور حالات نوعية إلا فيما ندر وكأن مشهدنا الثقافي وقف عند (غادة السمان، وألفه أدلبي، كوليت خوري).

ورغم كل ما تقدم أقول لو كان لهذا الأدب الناتج عن تلك الظاهرة قيمة معرفية أو جمالية فلا بأس لأنني شخصياً مع تعميم الجمال ونشره وتحت أي صيغة مناسبة. ولكن الحال هنا إنه يأتي ظلال باهتة لا تحمل الهم الحقيقي للأنثى المتواطئة بل يعتبر إهانة لقدرتها وموهبتها. فأرجو من كل واحدة منهن الوقوف أمام ذاتها بكل صدق الروح وأن تعمل على تطوير نفسها وذاتها وتعي الغاية الحقيقية من الأدب وتدرك أن الأدب ليس (برستيج) ولا يصلح لأن يكون أداة لتسويق الذات ولغايات صغيرة وإنه ليس ضرورياً إلا لمن يشعر بضرورته بكل صدق الذات وأن يعملن على استعادة أنفسهن، من هذا الشكل الجديد من الإستلاب وأن يعشن حياتهن بامتلاء حقيقي بعيداً عن الإبتكارات الزائفة والمخادعة لهن وللمتلقي. وتنقية الأجواء الثقافية يحتاج إلى جهود المؤسسات الثقافية وإلى يقظة ضمير لدى القائمين على القرار الثقافي، وأن يتخلى النقد عن المجاملة تحديداً فيما يخص الكتابة النسوية، لندخل بنقد معرفي يؤسس لحالة وعي جديدة، ربما حينها نعثر على أصوات نسائية مميزة وجديدة يكنّ نسيج ذواتهن.