العدد الثامن عشر - كانون الثاني 2007

الفنانة محسنة توفيق لا يمكن أن نصف تحركات الناس بالغرائزية والمواطن البسيط هو أكثر الناس ثقافة

أسماء وهبة
الثلاثاء 23 كانون الثاني (يناير) 2007.
 

يكثر الحديث في هذه الأيام عن النخب العربية ودورها في دفع عجلة التغيير والإصلاح، بعدما انتشرت الحركات المعارضة للنظم السياسية الحاكمة، والتي بدأت بالإعلان عن نفسها بشكل جدي من خلال اعتصامات نخبوية أو شعبية بغض النظر عن أنواعها وطبيعة مطالبها. إلا أن هذه الحركات وجدت من التف حولها من عامة الناس، لعلها تكون النافذة التي تحمل لهم نسمات الحرية وصلاح الحال!!

لكن، هل مازال المثقف هو صاحب الذراع الطولى في حركات التغيير والإصلاح، أم انكفىء على كتبه وأوراقه خائبا بعد خمسين عاما من النضال؟ ما هو دور الفرد في المرحلة المقبلة؟ هل سيكون نواة الثورة التي يعول عليها المثقف؟ وما هو دور الفنان إزاء تحولات وطنه؟ وهل يحق له الإعلان عن مواقفه السياسية؟ وما الثمن الذي يمكن أن يتكبده إذا قام بذلك؟

أسئلة كثيرة طرحتها "تحولات" على المناضلة والفنانة المصرية محسنة توفيق أثناء زيارتها إلى مخيم عين الحلوة والجنوب اللبناني بعد العدوان الصهيوني على لبنان.

 

* عندما نتحدث اليوم عن النخب العربية ودوها في التغيير كيف تنظرين إليها؟

بداية، الزمن الذي نعيشه اليوم ليس زمن النخب. لقد تعداها الزمن، بعدما كان لها دور أساسي في مراحل سابقة. أما اليوم فمن المفترض أن تظهر نخب جديدة تخرج من قلب مجموع الناس وليست كالتي كانت تعيش في برج عاجي لا تعي شيئا عما يدور في خارج عالمها الضيق. ولو أردنا أن نجري رصدا لإنجازات النخب في السنوات الماضية سنكتشف ضعف أدائها لأنها كانت تعتمد في عملها على الإدلاء بالآراء والمواقف والخطب الحماسية فقط. أما اليوم فيجب أن تعتمد آلية عملها على البيانات التي تحدد ماذا تريد أن تفعل ومتى وكيف.

 

*يشهد عدد من الدول العربية تحركات شعبية معارضة لما يحدث في بلدانها. فما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه النخبوي؟

عندما نفي الزعيم المصري الكبير سعد زغلول اندلعت ثورة 1919 التي طالب فيها المصريون بعودته من المنفى وتحرير مصر من الإحتلال البريطاني. من هنا نستشف عدم قدرة أي نخبوي مهما قال أن يدفع الشعب برمته للخروج إلى الشارع لتغيير التاريخ. فلقد خرج هذا الشعب الذي لا يتحدث في السياسة أو يفكر فيها أو تخيل نفسه موجودا في الشارع يوما ما كمعارض بعدما أدرك ضرورة تحركه. كذلك هي لحظة تنحي الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بعد هزيمة 1967 فلقد خرج الناس إلى الشارع رافضين هذا القرار مما يدل على إنهم في هكذا لحظات قد وصلوا إلى درجة رفيعة من النضج مما تهيئهم ليكونوا "شعب بحق وحقيقي".

 

* يشعر المثقف اليوم بالخيبة فآثر العودة إلى أوراقه وكتبه وهو جريح. فهل يعني ذلك إعلان هزيمته في معركة النضال ضد الأنظمة العربية الإستبدادية؟

يشعر المثقف اليوم بالحزن. لذلك من المهم أن يلتحم بالناس الذين لا يهتمون بالسياسة أو الثقافة  وبعد ذلك سيخرج من بين هؤلاء ما يسمى ب "المثقف العضوي" الذي يستطيع التفاعل مع الآخر الذي عاش معه ذات التجربة فيتشاركا سويا في تغيير مسار المجتمع.

 

* كيف يمكن الإعتماد على الناس فقط للتغيير خصوصا أن تحركاتهم تتميز في كثير من الأحيان بالعفوية والغرائزية؟

لا يمكن أن نتحدث عن تحركات الناس التي تعيش مآسي الحياة اليومية بالغرائزية لأنهم الأبعد عن التحركات العاطفية وبالتالي تعتبر لحظة خروجهم إلى الشارع أكثر اللحظات عمقا وأهمية لأنها تحرر الفرد من إحساسه بالخوف وشعوره بالنقص وتلافي قيمته كإنسان.

 

* تعولين دائما على الفرد لدفع عجلة التغيير. فأين دور المثقف من ذلك؟

إن أكثر الناس ثقافة هو المواطن البسيط الذي لديه إدراك كامل لجوانب المشكلة التي يعيشها يوميا ولكن تكمن أزمته في الإجابة على الأسئلة التالية: ماذا يفعل؟ كيف يفعل؟ مع من يفعل؟! وهنا يبرز دور المثقف العضوي في الإجابة على هذه الإسئلة عبر نقاشات مطولة مع هؤلاء الأفراد.

 

* هل بات المثقف القومي الذي يناضل في سبيل القضايا الإنسانية العادلة غير مطلوب اليوم؟

بعد الخيبات العربية المتتالية تبنت طبقة من المثقفين موقف عدم المواجهة تحت شعار عدم قدرتها على ذلك واكتفت بمسيرة الحياة اليومية التي تحقق لها الحد الأدنى من الإكتفاء لذلك هم من وضعوا أنفسهم في خانة التهميش بدلا من أن تكون مواقفهم وليدة إحتياجهم النفسي الحقيقي لصياغة سلوك يؤسس لأفكار جديدة تساعد في اكتشاف الخطأ والصواب. من هنا أرفض الإحباط الذي أصاب هؤلاء المثقفين لأنهم ضمير المجتمع. أما من يقول بعدم قدرته على المواجهة فهو من ضعاف النفوس الذين خلقتهم الأنظمة العربية الذكية التي خنقت المثقفين في لحظات التحول الكبرى بعد أن فصلتهم عن عامة الناس كما أسست جدارا فاصلا من الخوف يبعدهم عن بعضهم البعض مما أفقدهم القدرة على التواصل.

 

* ماذا عن دور الفنانين في الحراك السياسي-الإجتماعي الحادث اليوم؟

من المفترض أن يكون لهم دور فعال من خلال استثمار الشهرة التي يتمتعون بها وهذا ما فعلته في اعتصام القضاة المصريين مؤخرا ولم يستطع النظام منعي من النزول إلى الشارع مثلما فعل مع باقي الناس الذين أرادوا المشاركة في الإعتصام.

 

* لكن يتخوف معظم الفنانين من اتخاذ مواقف مناوئة للنظام!

مبدئيا الفنان هو صاحب رسالة ويجب أن يكون مهموما بقضايا الناس وإلا لماذا يقدم أدوارا على الشاشة؟! هل هو وسيلة "تنفيسية" للنظام حتى يبدو ديموقراطيا يقبل بالرأي والرأي بالآخر. من هنا يجب أن يكون جزءاً من النسيج الإجتماعي وأن يتجدد في داخله الإحساس ب "وجع" الوطن والناس بعد تنامي العدوان على العالم العربي دون أن يفصل همومه عن همومهم أو أن يصيغ مواقف مغايرة لمطالبهم حتى لا يشرد عن السرب الإجتماعي.

 

* هل منعت من التمثيل بسبب مواقفك السياسية؟

لقد عشت فترة من العزل الفني بسبب مواقفي المعارضة للنظام وكان أمامي الإختيار بين التضحية بهموم الناس التي أناضل من أجلها أو التضحية المؤقتة بالفن.

 

* لقد اتخذت الفنانة جوليا بطرس موقفا واضحا بتأييد المقاومة اللبنانية فهل من حق الفنان أن يعلن مواقفه السياسية؟

يتمتع لبنان بخصوصية مختلفة عن باقي الدول العربية، كما أن الفن في لبنان لا يخضع لمؤسسة السلطة مثل مصر وسوريا بل يوجد فيه عدد من المؤسسات الخاصة تمثلها الرحابنة،جوليا بطرس،ماجدة الرومي وغيرهم. كما أن الوضع المؤسساتي والثقافي للبلاد العربية الأخرى تجعل الفنان يدفع مستقبله الفني ثمنا لمواقفه السياسية لذلك بات معظهم اليوم يتخوف من اتخاذ مواقف مناوئة للنظام السياسي وبالطبع يجب أن نقدر هذا الخوف لأنهم في النهاية ليسوا قديسيين أو ملائكة!

 

* منذ إنشاء حركة" كفاية" تطالبين بضرورة تشكيل لجان شعبية تسهل التواصل بين مختلف شرائح المجتمع المصري أينما كان فكيف يمكن أن نطالب بإنشاء جمعيات المجتمع المدني والأحزاب في مجتمع تصل نسبة الأمية فيه إلى سبعين في المئة؟!

لقد فطر الإنسان على الحرية أما النضال من أجلها فهي لا تحتاج إلى تعلم القراءة والكتابة. وهنا  يبرز دور المثقف الذي يملك القدرة على مؤازرة الناس دون أن يتخذ خطوات في تحريكهم وأعتقد أن هذه اللحظات تساوي عمرا بأكمله. أما عن حركة "كفاية" فلقد قامت على فكرة أساسية وهي توحيد صفوف عامة المصريين لخلق معارضة قوية مناهضة للتوريث وهذا ما دفع الناس للإلتفاف حولها بالرغم من أن كوادر "كفاية" من الوجوه السياسية المعروفة. إذن فلقد أعطت تحركات جموع الأفراد التي تشكل النخبة الحقيقية زخما كبيرا لهذه الحركة الناشئة وليس لأن هذا المثقف أو ذاك من أعضائها.

 

* يؤخذ على المثقف المصري تقوقعه في قضايا وطنه المحلية دون أن يهتم بالقضايا العربية الشاملة مثل فلسطين،العراق أو لبنان. فهل الفشل السياسي في هذه البلاد دفعه إلى ذلك ؟

ليس هناك من تقوقع مصري ولكن لا تلح على المثقفين عموما قضية معينة وبالنظر إلى المثقف المصري فهو يعيش منذ خمسة وعشرين عاما قهرا هائلا وبالتالي إما تحول بعضهم إلى مثقفي سلطة  أو ناضلوا من أجل البقاء على مواقفهم الثورية أو اكتشفوا أهمية أن يعبروا عن مشاكل المجتمع ليصبحوا "مثقفي الناس".

 

* يرجع البعض فشل الحركات المعارضة في العالم العربي إلى فشل المثقفين أنفسهم في التغيير فهل هذا صحيح؟

لا نستطيع أن نربط فشل أو نجاح أي معارضة بالمثقف لأنه لا حول له ولا قوة ولكن يرجع فشل هذه المعارضات إلى خوف الناس أنفسهم كما أنها تفتقر إلى أجندة واضحة تحدد برنامجها السياسي المعارض للنظام المركزي الحاكم. لذلك بات ملحا على هذه الحركات أن تخلق جبهة موحدة ضد النظام السياسي القائم يواكبها شبكة من الإتصالات تصل المناطق ببعضها البعض من الشمال إلى الجنوب وبين القرى والمدن ليس في مصر فقط ولكن ربما في مراحل لاحقة بين مصر وعدد من معارضات الدول العربية.

 

* من خلال زيارتك الأخيرة إلى لبنان بعد العدوان الإسرائيلي هل استطعت أن تفهمي كيف يفكر  اللبنانيون؟

أتيت إلى لبنان حاملة العديد من التساؤلات أهمها: لماذا يعارض بعض اللبنانيون طرح المقاومة وسلاحها؟ وهل تتحمل المقاومة مسؤولية ذلك؟! لماذا يردد الكثير من اللبنانيون بعد العدوان الصهيوني نغمة "بدنا نعيش" التي كانت سائدة في مصر بعد حرب 1973 ؟ لماذا يتذمرون من دخول لبنان في معادلة الصراع العربي-الإسرائيلي على أساس أن لبنان الصغير الطائفي لا قبل له على ذلك! وأعتقد أن هذه الطروحات تشكل تحولا خطيرا في التفكير اللبناني شهدناه في مصر منذ خمسة وعشرون عاما وها نحن اليوم نجني ثماره المريرة.

 

* هل تعتقدين أن التحركات الشعبية في لبنان قدمت صورة نموذجية للعالم العربي في رفض القهر والظلم؟

مما لا شك فيه أن لبنان نموذج يحتذى في هذا المجال ولعل نزول كل شرائح الشعب اللبناني إلى الشارع بهذه الأعداد الكبيرة سواء في تظاهرة 14 آذار أو تحركات المعارضة اليوم ليست نتيجة دعوة سماحة السيد حسن نصر الله مثلا ولكن لأنهم ضاقوا ذرعا مما يحصل في بلدهم وأعتقد أن السيد نصر الله لو ظن أنهم نزلوا إلى الساحات تلبية لدعوته فستكون كارثة كبيرة. فهذه اللحظة التي يعيشها لبنان منذ عامين تقريبا ليست لحظة قادة وجماهير ولكنها لحظة شعب والتعبير عنه الشيء الذي لا يقلل من هذا الزعيم أو ذاك بل هي لحظة اكتشاف أن الأرض التي يقفون عليها أكبر بكثير من أن تكون جزءا من لبنان أو شارعاً من شوارعه.

* ما هو مشروعك النضالي في هذه المرحلة ؟

النقطة الأساسية هي صياغة أجندة لإنشاء لجان شعبية تضم أكبر عدد من الشعب المصري من الإسكندرية إلى أسوان لتأطيرهم في جبهة واحدة ضد النظام الحاكم الذي يبشرنا بالتوريث!!