العدد الثامن عشر - كانون الثاني 2007

دلدار فلمز: عندما أرسم لا يكون لدي أي اعتبار اللاخلاص للعمل ذاته

هيام عبدو الجندي
الثلاثاء 23 كانون الثاني (يناير) 2007.
 

هكذا هو الإنسان أبداً... نصف كائن في الريح ونصف مشدود بآلاف القيود إلى بدائيته وما بين هذا وذاك نقف أمام كل الجهات في تجربة دلدار فلمز.

 

* تعلن لوحاتك ببساطة ووضوح، عن هويتها وانتمائها إلى الأشكال التعبيرية الحديثة في فن التصوير، وهذا يقودني إلى سؤالك عن الصراع القائم بين القديم والجديد، لا بمعنى خلو الفن الحديث من القيم الجمالية، ولكن بمعنى تمرده على الأساليب القديمة، فهل لك أن توضح لنا العلاقة التفاعلية ما بين قديم الفن وجديده؟

** في لوحاتي قدمت رؤيتي التشكيلية مستفيداً من كافة الأشكال والمدارس التشكيلية، التي تمكنت من الإطلاع عليها، وعن تجربتي أقول بأنني لست ميالاً إلى تأطير التجربة بتسميات محددة، لكن هي بشكل موضوعي أقرب إلى التعبيرية الحديثة، ولا تناقض في الفن بين قديمهُ وحديثهُ، لكل مرحلة زمنية وعيها الخاص وطرائقها التعبيرية، ومن ثم قيمها الجمالية المميزة لها، وأعود لأتحدث عن أسلوبي لأؤكد بأني في حالة بحث دائم في محاولة لإيجاد صيغ وأساليب فنية جديدة.

* هل الفن انعكاس للواقع أم موقف من الواقع؟

** الفن بمقدار ما هو انعكاس للواقع هو موقف منه، بمعنى أن الفنان سيتأثر بالواقع وبمجرياته، وبنفس الوقت لا بد أن يكون له موقف من الواقع، ليس بالمعنى الإيديولوجي وإنما بالمعنى الرؤيوي، فالكثير من الفنانين يقدمون أعمالاً فنية كنوع من الاحتجاج والشهادة على ما يحدث واقعياً.

* في المشهد الثقافي السوري تواجهنا مشكلة قراءة اللوحة تحديداً في الصحافة إذ غالباً ما تكون قراءة أدبية بعيدة عن التضاريس الحقيقية للوحة فكيف نميز بين الأحمر هنا والأحمر هناك، المادة المستخدمة، اللغة الخاصة التي نطلق عليها اسم لغة التصوير المتحررة من الإحالات الأدبية لا سيما أن الفنان في قمة التشخيص لا يمثل شيئاً بل يشكل شيئاً، والحالة هذه فما رأيك بحركة النقد التشكيلي؟

** عبر التاريخ كان الفن يسبق النقد وهذا ينطبق على الفن التشكيلي، أما بالنسبة لنا فالفن التشكيلي بمعناه الحديث والمتبلور هو فن وافد، وبشكل عام كانت الحركة التشكيلية لدينا صدى للحركة العالمية، وتحديداً التجربة الأوروبية التي كانت في أوروبا تتويجاً لجملة متغيرات اجتماعية، اقتصادية. نحن لا توجد لدينا نظريات جمالية خاصة وبالتالي نجد غياب للمعيار النقدي فمن الصعوبة أن نقول أن لدينا نقداً بمعناه الدقيق ومن هنا كان هروب البعض ممن يكتبون عن الفن التشكيلي إلى لغة الأدب.

* أين أنت من المتلقي؟

** عندما أرسم لا يكون لدي أي اعتبار إلا اعتبار الإخلاص للعمل ذاته فأكون متحرراً من كل ما عدا ذلك، يغيب الرقيب الداخلي والخارجي.

* تقوم بعض الصحف بنشر تغطية لبعض النشاطات التشكيلية وبنشر بعض القراءات النقدية للفن التشكيلي إلى جانب بعض الدوريات المتعثرة، فهل هذا يكفي لتسليط الضوء على الحياة التشكيلية السورية؟

** بالتأكيد هذا لا يكفي، ونحن نفتقد إلى المنابر المختصة لصالات العرض الخاصة من أجل أبراز الكثير من التجارب الجديدة، وهذه المسؤولية تقع على عاتق وزارة الثقافة بالدرجة الأولى.

* الفن لا يجب أن ينظر له على اعتباره شيئاً يظهر في الفراغ، الفن إنتاج يظهر في مجتمع معين، وينتمي لثقافة بالذات، وهذا يتضح في لوحاتك على الأقل في اللون البني، والألوان الصارخة في بعض تشكيلاتك، فكيف تتجلى العلاقة بين المحلي والعالمي برأيك؟!

** باعتقادي أن كل فنان عالمي وصلنا انتاجه هو يعكس البيئة التي يعيش فيها، على سبيل المثال، شاغال، عكس الريف الروسي، هنا يكون دور الفنان بكيفية تحويله بيئته الخاصة إلى العالمية وعندما يكون الفنان يمتلك إنسانية عميقة فهو لا شك يعرف كيف يلتقط ما هو جوهري في بيئته ويتقاطع مع كل ما هو إنساني وعميق وبتجربتي الأخيرة رسمت ما هو مشترك ما بين البيئة واللون، رسمت البيئة بلون بني وتدريجاته وهذا انعكاس لرؤيتي لصحراء المنطقة التي أعيش فيها، والألوان الحارة مستوحاة من ثياب الناس في تلك المنطقة أيضاً.

* ألا ترى معي أن هناك حاجة إلى الكتابة عن الاتجاهات الفنية الجديدة والمجهولة والمغمورة.

** هذا مهم لأي تجربة أو موهبة إن لم يسمح لها بالتعبير عن نفسها تختنق و... تموت وهنا لا بد من أن أنوه أن لصالات العرض الخاصة في المشهد التشكيلي السوري دوراً هاماً في أبراز تلك الحالات ففي المعارض السنوية أحياناً يتم إقصاء بعض الأسماء لا لسبب فقط إرضاءً لاعتبارات شكلية وشخصية، دون النظر إلى القيمة الإبداعية للأعمال المعروضة.

* هل لنا أن نتعرف من وجهة نظرك على المشهد التشكيلي السوري من حيث اتجاهاته؟

** الفن التشكيلي السوري يعيش في حالة تكلس في العديد من تجاربه باستثناء أسماء قليلة، غالبيتهم لا يملكون الجرأة للإقدام على مغامرة جديدة خوفاً من أن هذه المغامرة قد تهدد حضوره أمام جمهوره من متذوقين وتجار، وبشكل عام الاتجاهات الموجودة تتأرجح ما بين ما هو تقليد للغرب والواقعية أعني الغرب بكل طفراته الفنية، نحن ليس لدينا تيارات لدينا أفراد أو في أفضل الحالات مجموعات.

* هل الفن مضطهد من الدين والسياسة، بمعنى هل يشكل الدين والسياسة عائقاً أمام الفن؟

** لا ، الفن التشكيلي تحديداً قادر على تمرير أشياء كثيرة من خلال اللوحة. في الأدب تم التطرق إلى بعض الممنوعات الاجتماعية (كالجنس)، أما الفن التشكيلي فبقي معنياً برسم دمشق القديمة، وقلعة حلب ومعلولا. أنا شخصياً لست مع "الفنان المؤدلج" الذي يتحول إلى خطيب.

* ختاماً حدثنا عن تجربتك الأخيرة وعن المقولة الأساسية لأعمالك المعروضة في صالة (فاتح المدرس).

** رسمت ما هو مشترك ما بين الإنسان والحيوان غريزياً، بما يحتويه هذا المشترك من الرغبة في التدمير والألغاء الذي يبلغ حد القتل. رسمت الرجل في حالات تسلط والمرأة المسلوبة الإرادة حتى الحيوان في حالات كثيرة يسبقه الإنسان في تعبيراته العنيفة وهذه الحالة لدى الإنسان ليست حالة طارئة بل حالة متأصلة وعبرت عن تأصل هذه الحالة من خلال اللون البني الذي يسيطر على خلفية لوحاتي ومن خلال اللون البني أردت أن أرمز إلى قدم علاقة الإنسان بجانبه الحيواني على اعتبار أن اللون البني لون (عتيق).