العدد الثامن عشر - كانون الثاني 2007

جاز في مرتقى العالم

الثلاثاء 23 كانون الثاني (يناير) 2007.
 

على امتداد شهر تقريباً اقترحت علينا جمعية لقاء ثقافي عبر الحدود الدنماركية بالتعاون مع وزارة الثقافة السورية و المركز الثقافي الدنماركي مجموعة رشيقة وملهمة من الأنشطة الفنية المتميزة. أحد هذه العروض الموسيقية اللافتة كان جاز في مرتقى العالم قدمه على خشبة مكتبة الأسد الوطنية في دمشق ثلاثي الجاز أنكر جريسبيل.

وعن اللقاء والموسيقى كانت لنا هذه الدردشة مع لوت أنكر العازفة الأولى في الفرقة.

* * *

* هل ستنقذ الموسيقى العالم؟

يا لها من بداية!... ولكن لا، إنها طريقة مختلفة للحوار، ليست المحاضرات والندوات والاجتماعات والقرارات هي المؤهلة دائماً لعمل شيء بهذا الخصوص، لن تنقذ الموسيقى العالم، إنما بإمكانها أن تلهم بعض الناس، وبدورهم ـ وبطريقتهم هم ـ سيساعدون آخرين، ثم ... من يدري؟!.

* هل لي أن أسأل لماذا الجاز؟

بالطبع هو سؤالنا أنفسنا نحن أيضاً. أظن أن الجاز يمنحنا فسحة أرحب للتفاعل مع الحياة، مع العالم، نحن مولعون بالارتجال، ومراقبة ردات أفعالنا وردات فعل الآخرين عليها، إلى سلسلة لا تكاد تنتهي، إنك تبني قٌاموس مفرداتك الآن، وتستكشف لغتك في اللحظة نفسها التي تستعملها فيها للتعرف على الآخر.

* أثمة خريطة ما لتجوالكم أم أنكم تتركون أقدامكم لتقودكم كما موسيقاكم؟

شيءٌ من هذا وذاك، قليل من التخطيط قد لا يضر، هو استكشاف لأماكن جديدة، احتمالات أخرى للعالم، طرقات جانبية متروكة، ومنعطفات لمن يرغب، على المرء ألا يخاف أن يضيع بين حين وآخر، قد يساعدك سلوك درب لا تعرفه على الأرض على اكتشاف درب آخر، لم تكن تدري له وجوداً في داخلك.

* كيف للفضاء الجغرافي والثقافي والمتغير وفق تنقلكم أن يؤثر على الموسيقى التي تقدمونها، أو حتى على طريقة عزفكم لها ربما؟

بدون أدنى شك، بمجرد اعتلائك خشبة عرض جديدة تكون هناك لبرهة متلقياً قبل أن تصبح صاحب العرض ومقدمه، والشيء الذي سيلي تلك اللحظات هو بالضبط نفسه ما لن يكون في أي مكان آخر، ثم أنت نفسك في تلك اللحظة ... متهيباً ... تواقاً ... تعباً ... بل جائعاً ربما، إنه بناء تشيده كل مرة بعناصر مختلفة، هو البناء ذاته ... جديداً. ولذلك أن ينسحب على طريقة الأداء نفسها فيغيّر فيها وبلا استئذان في الغالب، دون أن يخلو الأمر أحياناً من طرافة، فنحن مثلاً في النرويج معتادون على العزف الخفيض الهادئ، ما بدا للناس في بلد آخر وكأننا نقوم بعملية إحماء لا تنتهي، بل تذمر آخرون جدياً من أننا لا نقوم بأي عزف على الإطلاق (ضاحكة).

* هل يفهم السياسيون الموسيقى؟

لا ... لا أعتقد ذلك ... لا أعرف حقيقة، ولكن في الغالب آسفة .. لا، أنا أحترم ملكاتهم الخطابية، هم بارعون في مكان آخر، لكن الشيء المؤكد هو أنهم لا يفوتون فرصة لالتقاط الصور معنا، أو مع آلات موسيقية قد تعني وقد لا تعني لهم شيئاً، اللهم عدا كونها جزءاً من الديكور الإعلامي والترويجي لأشخاصهم، قد يبدو لي السيد كلينتون على سبيل المثال أكثر حساسية ورهافة عندما يكون الساكسافون في يده، عاكفاً على مقطوعة جاز، ذلك سيجعله أقرب إلى الطبقات الدنيا المحرومة في المجتمع الأميركي حيث ولد الجاز وترعرع، ولكنني لا أعرف إن كنت أستطيع أن أرى لذلك انعكاساً واضحاً على سياسته عموماً، من جهة أخرى فإن رئيس الوزراء البريطاني السيد توني بلير حاول جاهداً أن يسوق نفسه متأبطاً غيتاراً ما في صور قديمة له، ناهيك عن دعوته لموسيقيين إلى مقر إقامته، وكل ما جناه من ذلك هو تمضية وقت إضافي في تنظيف حمامه الشخصي من بقايا ومخلفات حقن المخدرات!

 

* ولكن ألا يجد الفن أحياناً نفسه مضطراً لأن يلعب دور رجل المطافئ لتدارك عثرات السياسة؟

محور ما نقوم به هو التواصل، إننا نسعى بعملنا إلى بناء الجسور، قد يساعدنا السياسيون أحياناً، ويفسدون علينا باقي الوقت، إذا أسعفنا الحظ وكنا في عين المكان حيث أساء غيرنا فسنعمل ما بوسعنا وبما نجيده أنفسنا، ونترك للآخرين تقدير نجاعة ما قمنا به إنما لدي تحفظ في الواقع على تعبيرك رجل الإطفاء، إذ أنه من صميم عمل الموسيقى أحياناً إشعال النار لا إخمادها، لكنها تلك النار الضرورية التي لا يجب أن تخبو جذوتها يوماً، هناك أمثلة أكثر من أن تحصى عن تظاهرات وتحركات شعبية و تحولات اجتماعية كانت الموسيقى من أهم محركاتها وروافعها ـ لنتذكر هنا الروك آند رول ـ وقد تنقضي الحركات وتكسد أفكارها، ويستقر روادها في المتاحف، لكن ألحانها وموسيقاها تبقى في ذاكرة الناس، المعادلة يا صديقي ليست مجرد الماء مقابل النار.

* ما الذي تحاولون أن تقترحوه بموسيقاكم على الثقافات المختلفة التي تحطون رحالكم على أرضها وماذا تنتظرون بالمقابل؟

أدافع بقوة رغم أي شيء عن أننا نقترح نفسه، ودائماً هناك شيء ما يحصل، معرفياً كان أم تقنياً، وتبادل روحي بالتأكيد، نشعر به ونقدره، نحب أن نترك أنفسنا على سجيتها وأن ننتظر.

* هل أنتم على دراية بـ(الجاز أورينتال) كما يحلو للبعض تسمية تجربة الجاز في هذه المنطقة من العالم؟ وهل هناك أي آفاق بينكم وبين عازفين محليين في الأماكن التي تزورونها؟.

نعترف بأن معلوماتنا ضئيلة ومحدودة للغاية حول هذا الأمر، ربما أطلعنا على تجربة أحد الموسيقيين الإيرانيين، وتوصلنا كذلك في فترة ما إلى الاستماع إلى بعض أعمال الموسيقي ظافر يوسف الصوفية، لكن إلمامنا بالموضوع يظل فقيراً وتعوزه المثابرة بيد أننا نعد بأننا سنعمل على تدارك ذلك في المستقبل. أما لجهة مشاركتنا عازفين محليين في حفلاتنا فهو أمر موضع ترحيب من قبلنا ولا شك، غير أننا لا نتوصل إلى ذلك للأسف معظم الأحيان، بسبب من الجهات الممولة أو المشرفة على جولاتنا والتي تلزمنا أحياناً ببرامج عرض مكثفة وجدول زمني ضاغط، على أية حال سنحاول استغلال فرصة وجودنا في هذا البلد وترتيب مشاركة أحد عازفي العود معنا في إحدى حفلاتنا، ونتمنى لذلك أن يكون مثمراً.

* ما الذي يمكن أن تقولوه ومن حيث تجلسون الآن لزملائكم الموسيقيين والفنانين في الغرب؟

لسنا في وارد إملاء أي شيء على الآخرين، عليهم أن يروا بأنفسهم، وإن كنا نعتقد أنهم سيشعرون بغيرة كبيرة لأننا تمكنا من الوصول حتى هنا. أنت تعرف أن الصورة التي تروج لها محطات التلفزيون محبطة للغاية، وتظهر هذا الجزء من العالم على أنه مرتع للأزمات والنزاعات الخطيرة التي لا يُعرف متى تهدأ ومتى تندلع، مما يحول بين الكثيرين ومجرد التفكير بزيارة المنطقة، كنت مرة على سبيل المثال في جورجيا ولم تنقطع اتصالات أصدقائي المستفسرة عن أحوالي طوال إقامتي، لا لأنَ لذلك البلد نزاعاً مع جارته روسيا؛ بل بسبب تدهور في الحالة الأمنية وقع حينها في أفغانستان والتي تبعد عملياً آلاف الأميال عن فندقي!!

* هل أصبح الكلام عبئاً على الموسيقى ـ وربما على الحياة ـ فخلت تجربتكم من الغناء، هل هو موقف ما من استشراء الثرثرة من حولنا؟

هذه ملاحظة مثيرة للاهتمام حقاً، أعترف أن ذلك لم يخطر ببالي، ربما هو موضوع نفكر به سوياً في وقت ما، لكن لا أظن أن لدي موقفاً ناجزاً من هذا الأمر، ربما كانت أصواتنا لا تصلح للغناء ـ بعضنا يخجل من صوته ولو حتى لمجرد الترتيل (مازحة) لكننا لا نحرم أنفسنا بحال من الاستمتاع بالأغاني، حتى تلك التي لا نفقه لغاتها، هناك شيء قادر دوماً على العبور إليك من الشخص الواقف أمامك إنما عندما تكون مستعداً حقاً لذلك.

* عندما تُطفئ الأنوار وتُغلقُ على الآلاتِ حقائبُها؛ ماذا يبقى هناك؟

يا إلهي، يمكنك أن تسأل آخر المغادرين من القاعة، أعتقد أنها الطاقة، والمجهود الذي بذل كذلك يبقى هناك على المنصة، موجات الموسيقى نفسها تظل متأرجحة في الأثير وهذه حقيقة علمية كما تعرف .... نحن ربما ... كوعد بمعزوفة إضافية، ما يبقى ـ عندما أفكر بالأمر ـ هو العلامة التالية على السطر من اللحن الذي سيأتي ..... لن توجد أبداً بالنسبة لي تلك اللحظة التي نكون فيها قد قلنا كل شيء.

 

سيرة موجزة

Lotte Anker كوبنهاكن 1958

Soprano - alto and tenor saxophone. Composer

مؤلفة موسيقية وعازفة في عدة من فرق الجاز الدنمركية والإسكندنافية مثل:

Two Bass - Hit, Saxmachine, Jazzgroup 90, Art - Out

وغيرها من أعمالها الحديثة:

Dream Generations / 2005

Quarry / 2004

The Tower of Babel / 2004

Ondskabens Akse / 2003

Bedrock / 2004

Quinns Notebook / 2002

The Stillmans / 2002

Lies. Decrees. 19722002/

 

التقاها وصاغ الحوار

عن الإنكليزية: خالد الاختيار