العدد الثامن عشر - كانون الثاني 2007

الاسلام والغرب

ترجمة الدكتورة ماري شهرستان
الثلاثاء 23 كانون الثاني (يناير) 2007.
 

 

لقاء مع الشاعر التونسي عبد الوهاب المؤدب[1]

 

اجرت مجلة فلسفة حواراً مع الشاعر التونسي عبد الوهاب المؤدب، حيث وجّهت له اسئلة تتعلق بالثقافتين الاسلامية والغربية. فهو من وجهة نظره، يعتقد انه ينبغي التفكير بالتفاعل الثقافي كوسيلة وحيدة لانسجام الاسلام الواقع بين عقيدة صعبة التكيّف وبين غرب فائق الحداثة والغطرسة.

 

سؤال مجلة الفلسفة:  بعد هجمات  11 ايلول 2001 على الولايات المتحدة، صرَّحتَ بأنه "لو كان التعصب هو مرض الكاثوليكية، والنازية مرض المانيا، فإن التمامية[2] هي مرض الاسلام".

سؤال المجلة: ألا نشهد تواجه حضارتين مريضتين أكثر منه صدام ثقافات؟

 

عبد الوهاب المؤدب:  الحالة المرَضية ليست بالخطورة نفسها، فمسألة الغرب، او بالأحرى أوروبا، هي مسألة انبهار ولهاث وليست نضوباً. فالانبعاث والتجدد واضح ومحسوس، فالفينيق لم يحترق تماماً. اما في الاسلام فيبدو لي الوضع أكثر خطورة.

فمع محمد، أعلن الاسلام انه "خاتم النبوات" ومؤتمن على الحق والحقيقة النهائية. فمنذ هذا التقابل الفعّال مع الواقع، انغلق الاسلام في رسوخ مقلق، متصوراً ان هذا المعتقد صالح مدى الدهر. غير ان الزمن قاس والواقع في حركة مستمرة، دائمة.

ربما ينبغي ان يكون الانسان مسلماً صوفياً كي يدرك ذلك، لأن الصوفية[3] تعلم بان التغيير هو أبدي، وهي بذلك تكون قريبة من الفلسفات الشرقية مثل "التاوية".

لكن الاسلام بمعظمه ظل مجمداً حول أجوبة مهجورة تجاه واقع ٍ قد تغيّرَ بشكل ٍ جذري. لن اذكر هنا سوى إشارة واحدة تدل على هذا الثبات والجمود: انطلاقاً من القرنين الحادي عشر والثاني عشر، كان هناك نزوع قوي إلى الموسوعية. فبدأ الأدباء المسلمون بإنشاء قواميس لتمامية المعارف، كما لو ان الاختراع لم يعد دور المثقف بل ينحصر دوره في أرشفة ما تم اختراعه سابقاً.

 

سؤال: ما هي الخصوصية الحالية لهذا البطلان الاسلامي؟

 

 انه ذلك التحديد العقائدي الذي حصل في السنين الاخيرة حول التقنية، واستخدام العلم كأداة تحوِّل الكائن والروح إلى أعلى درجة ممكنة كما وصف ذلك هايديغر. فبالنسبة إلى الحضارة الاسلامية، التي لم تمرّ بمراحل وسيطة بين العصور الوسطى التي كانت متوقدة، وبين ما تقدمه تقنية اليوم، أصبح انتقالها إلى الحداثة الفائقة ليس امراً خطراً فحسب، لا بل امراً قاتلاً.  يعتقد الاسلام انه مخلص لماضيه؛ غير انه ليس سوى مقيَّد ضمن حلول مجمَّدة وحتى مؤمركة بتبنيها للتقنية المعولمة، حيث اصبحت الأزمة غير قابلة للحصر.

 

سؤال: لكن عقيدة التسليم بلا تمحيص ليست خصوصية الاسلام وحده...

 

عبد الوهاب المؤدب:

 

عقيدة "خاتم النبوات" أتت من المانوية[4] الفارسية، كما يشهد على ذلك حضورها في الجدل السياسي في بغداد إبّان الحكم العباسي في القرن التاسع. لقد نقض "الجاحظ"[5] هذه العقدية، وهو احد الكتاب ذو المواضيع الغنية المتعددة في التراث العربي، كان فكره قريباً من فكر المعتزلة[6] الذين وصلوا إلى فكرة ورؤية لله قريبة من فكرة "سبينوزا" حيث تم عزلها في المجاز. اما الذي قوَّض المانويين، هو انهم اتخذوا الحدس على انه حقيقة. فيتساءل الجاحظ: كيف يمكن لمثل تلك الجماعة المحذلقة ان تؤمن بالأساطير والخرافات بهذا الشكل؟

كيف يمكن اليوم حصر الله داخل الكتب؟

هذه الانتقادات التي تم توجيهها منذ اثني عشرة قرناً، يمكن توجيهها إلى اسلام اليوم؟

إن فكرة "ختم النبوات" عرفت نجاحاً باهراً وتعزيزاً تاريخياً ونقلت الحضارة إلى مرحلة أساسية. لكن بعد ذلك قادت أوروبا الحضارة إلى مرحلة أخرى لم يعرفها الإسلام: عصر النهضة (الأنوار) الذي تجاوز التقاليد الدينية الاوروبية، وحتى انه انقلب ضدها.

 

سؤال: لماذا لم يكن للاسلام نهضته الخاصة به ولماذا لم يتمكن من فصل الشؤون اللاهوتية عن الشؤون السياسية كما فعل الفيلسوف "سبينوزا" ذلك ؟

 

هناك مقولة لـ"فاليري" نستطيع قراءتها على واجهة الـ"تروكاديرو" في باريس، يمكن ان تُطبَّق على الإسلام، وهي:"نحن، الحضارات، نعرف أننا إلى فناء".

انا اعتقد بشكل ٍ أدّق ان الحضارة يتم حفظها بفعل الحضارات الأخرى.

ما أردتُ قوله، هو انه كان هناك قطار حضاري أوصله الإسلام إلى غايته في حقبة كانت له، وشعر انه لا يمكن له ان يتجاوز ذلك فوقع ضحية عدم رؤيته الصحيحة للغيرية، حيث أضحى ذلك حالة مَرَضية ثابتة، لكنني لا أحدّه بها، ولا انتقص منه.

 

سؤال: ما هي الهوية الثقافية لهذه الحضارة الإسلامية؟

 

عبد الوهاب المؤدب:

 

لقد كانت مؤلفة وجامعة وحافزة للحضارات الغربية من فارسية وبيزنطية وحتى صينيّة وهندية. لقد كان موقع الإسلام في وسط منطقة جغرافية لها علاقات مع حضارات لم تلتق ِ مع بعضها حتى ذلك الحين. ففي بوتقته، تفاعلت هذه الحضارات مع بعضها بعضاً وأخصبت فتولَّد عنها فكراً علمياً وأدبياً، وفلسفياً، وروحياً جديداً، وصل إلى ذروته في القرن الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر.

 

سؤال: ألا يقوّي موقف الولايات المتحدة السياسي من العراق ولبنان من "مرض الإسلام" هذا؟

 

عبد الوهاب المؤدب:

 

في عام 1919، في مؤتمر فيرساي،حيث اجتمعت فيه الامم بعد مجزرة الحرب العالمية الاولى وجَّه الاسلام للغرب إنذاراً ينصحه الاهتمام بالاسلام، قائلاً: "انتم لا تعلقون أيه أهمية على الاسلام، الذي هو في هذه الأثناء، ضعيف، فإذا لن تحسبوا له أي حساب، سيقوم بعودة تاريخية متفجرة، لأنكم لن تستطيعوا إنهاء الاسلام بالانكار والاستعمار. إنه متألم مجروح بجسده وكبريائه".

وفي كتابي "ضد المواعظ" قمتُ بجهود ٍ جبّارة كي لا أدين الحرب ضد صدّام حسين، كي لا اقع في فخ قبول الديكتاتوريات، فأردتُ ان أعطي فرصة لحق التدخل. لقد كانت حالة خطيرة لأنه من الصعب جداً ان تنجو من علاقة قوي/ ضعيف وحاكم / ومحكوم، حيث فيها ينعدم مبدأ العدالة. لكن إذا دافعنا عن مبادىء وتصرفنا وفقها بسلوكنا المثالي، عندها يمكنني اعتبار ان حرباً عادلة يمكن شنها كي لا نترك الدنيء يزدهر. لكن الطريقة التي تدخلت بها الولايات المتحدة في العراق وفي لبنان قضت على محاولتي الهشّة، النظرية والسياسية، وذلك بتحريضها الدائم على ما هو اسوأ، لأن تدمير لبنان من قبل الجيش الاسرائيلي، يؤدي إلى الوف من ارهابيين جدد، عدا الكره الذي نما تجاه الغرب حتى داخل بلد معتدل كمراكش.

 

 

 

 

 

سؤال: هل المفكرون الهراطقة امثالكّ  هناك من يسمعهم في بلاد الاسلام؟

 

عبد الوهاب المؤدب:

كتابي "ضد المواعظ" موحى من مجموعة برامجي الاذاعية التي تمت إذاعتها من طنجة بواسطة راديو المتوسط الدولي، وسمعها ألوف المستمعون وتفاعلوا مع أفكاري. حتى "ذوي اللحى" يستوقفونني في الشارع كي يناقشوني، ويعترضوا، ويفهموا. هناك نقد ديناميكي يحصل الان بعيد عن المماثلة المعقدّة بين الاسلام والاسلاميين. وإذا ازهر الاسلاميون، هذا يعني أن بذور ذلك يمكن إيجادها في الخطاب الحرفي الاسلامي. لكن هناك جهود متواصلة كي يطرد الاسلام شياطينه الخاصة به. ومن اجل ذلك يبدو المرجع الغربي ذو فائدة نفيسة جداً. لأن هناك على الدوام مشاركة ورهان لهاتين الكينونتين. فالذين هم ضمن منطق الانتماء إلى هوية
-  اسلامية او اوروبية- لا يفهمون ما هو بين هاتين الثقافتين، وهاتين اللغتين، وهاتين القارّتين.

من هنا تم اختلافي التام مع مفكرين امثال "آلان فينكيلكراوت" الذي لا يقيم حساباً سوى للمدفع الغربي.

انا اؤمن بـ"إخلاص الكافر" كما كان يقول "ديريدا"، واؤمن بالجمال عبر الثقافي، والبيني، أي الحيوي، وبالخصوبة، والتلاقح، والحفاظ على الجسم والقيم، وتعزيز التعددية. 

 


[1]  عبد الوهاب المؤدب (مواليد 1946 تونس) استاذ في جامعة إكس نانتير.

[2]  Integrisme : تمامية: مذهب يحاول الاحتفاظ بتمام نظام.

[3]  الصوفية:" حركة دينية ولدت في العراق في القرن الثامن، ضمن مجموعات متقشفة تلبس الصوف كدليل على التواضع وتمارس شعائر الذكر أي تكرار اسم الله مع تلاوة القرآن. تبحث الصوفية عن اتحاد حب مع الله.

[4]  عقيدة دينيّة غنوصيّة تؤمن بالثنائية، اسسها ماني في القرن الثالث، وهو يقدِّم نفسه على انه آخر الموحى إليهم ومكلف برسالة إلهية لإنشاء كنيسة لأبد الدهر تكون مملكة النور.

[5]  اديب عربي (776- 868) كاتب نثر، الف العديد من الكتب منها البخلاء والبيان والتبييّن، وكتاب الحيوان فيه اسقاطات نفسية - اجتماعية.

[6]  المعتزلة: مجموعة من القرن الثامن أنشات اول مدرسة فكرية شرائعية عقلانية، حيث اتخذت شعار:"العقل هو الشرع الأعلى للانسان".