العدد الثامن عشر - كانون الثاني 2007

والروح صارت جسدا

بقلم فايز فارس
الثلاثاء 23 كانون الثاني (يناير) 2007.
 

ًالروح هي ينبوع المشاعر والأحاسيس التي تغذي الجسد فتحرّكه. هي تمسك فتنحكّم بشبكة من الأعصاب الناقلة الآمرة للجسد بالأفعال وردات الأفعال فتحدّد له سلوكه وتصرفاته رغبات تبحث دون كلل عن القدرات الكفيلة بتحقيق تلك الرغبات التي من دونها ليس للحياة طعم ولا غاية. إن نجاح الانسان في كل مساعيه ومحاولاته السيطرة على الآخرين مرتبطة من دون أدنى شك بمدى قدرته على التحكم بمشاعره وأحاسيسه.

والمشاعر سبعة هي: الاعجاب والكراهية، الفرح والحزن، الخوف والقلق، والغضب. جبارٌ هو الانسان الذي استطاع التحكّم وبالتالي السيطرة على مشاعره السبعة هذه. بذلك تمكّن من الارتقاء وبلوغ القمم لأنه تمكّن من التحكّم في رغباته فطوّعها وأعطى للذّاته المدى الأوسع والأعمق، واصبح قوياً قادراً على مواجهة كل التحديات وبالتالي تحقيق ما يمكن تسميته الاكتفاء أو الاشباع. لأنه ليس هناك من حدود للاشباع لدى الفقراء بالروح أدباً ومعرفةً.

هكذا يصبح الانسان قادراً على التوفيق بين ثلاثة دوافع تتنازعه:

- رغباته الشخصية وكيفية تحقيقها كاملة.

- قدراته الذاتية وكيفية تنميتها إلى أقصى حد.

- واجباته تجاه الآخر وكيفية أدائها على أفضل وجه.

بدايةً، يُولد الانسان وينمو طفلاً مشدوداً إلى تحقيق رغباته قبل أي شيء آخر من دون الاكتراث بمعرفة حدود قدراته وامكانياته مع قليل من الاهتمام بالآخر. ثم نراه يافعاً تتجاذبه وتعصف به من جهة رياح الرغبات ومن جهة أخرى ادراكه لمحدودية قدراته إضافة إلى اضطراره ولو في بعض الأحيان إلاء الآخر الاهتمام المطلوب. ثم يكبر ويصبح ناضجاً مدركاً، يعي عندها حتمية التوفيق بين هذه المكوّنات الثلاث إذا ما رغب أن يكون انساناً مجتمعياً.

هنا يتوزع الناس على فئات: منهم من لم يستطع السيطرة على أنانياته، ومنهم من جاهد من أجل تنمية وتطوير قدراته التي ستمكّنه من التفوّق على غيره، ومنهم من أهمل كل اهتمام بالآخر.. كما أن هناك من استطاع لجم جماح أنانياته، ومنهم من أدرك حدود إنماء القدرات لديه، ومنهم من وضع نصب عينيه وفكره إيلاء الآخر الاهتمام ذاته الذي يتمنّاه لنفسه.

هو صراع لا بل نزاع داخلي نعاني منه ومعه طيلة حياتنا قصيرة كانت أم مديدة. (يتبع)