العدد الثامن عشر - كانون الثاني 2007

منديلك الابيض

لين هاشم
الثلاثاء 23 كانون الثاني (يناير) 2007.
 

لستُ أول من يكتشف قيمة الأشخاص بعد فقدانهم، ولن أكون الأخيرة. لطالما اعتقدت أن روعة الحب تكمن في الانتظار والحرمان، لكن الحقيقة هي أننا عندما نشعر باقتراب النهاية، تجتاحنا الرغبة في العودة الى البداية والامساك بها كي لا تفلت منا مجددا".

بعد رحيلك يبدو أن هناك الكثير من الأماكن التي لن أجرؤ على زيارتها احتراما" للماضي وهربا" من شبحك الحاضر فيها بكل تفاصيلك الصغيرة. وهناك الكثير من الأغنيات التي لن أستمع لها كي لا أترك المجال لأية ذكرى أن تتسلل وتغرقني في حنين مفاجئ. يقولون أن النسيان مسألة وقت، لكنه في حالتي مسألة حياة، فحياتي كلها مصبوغة بك وبذكراك، وكل ما أمتلك يحمل أثرا" لك، كتبي ودفاتري وخواتمي وأساوري ومذكراتي وعقود الغاردينيا اليابسة والورود الحمراء شبه السوداء وصوري وعطوري وهاتفي وأشرطة أغنياتي وشوارعي وأحلامي وقلبي. لو أنني عرفت كيف ستكون نهايتنا لما تركتك تحتلني بهذا القدر الرهيب، فحتى شرايين يدي اليسرى أصبحت تتخذ شكل حرف اسمك! لست أعرف ان كنت قد ولدت هكذا أم حدث ذلك بعد أن عرفتك.

الطقس يبعث على الحزن، وفي الجو ذبذبات كآبة قريبة. نتعانق بشدة كمن يشعر بقدوم المرة الأخيرة، ثم نجلس بهدوء بابتسامتين مصطنعتين. أنت تنتظر قراري وأنا لا أعرف كيف أبدأ. أسألك عن عملك وتسألني عن امتحاناتي وينتهي الكلام بسرعة. تعود عيناك لمطاردتي من مسافة قريبة "ماذا قررت؟". ليس من مهرب، فلكل سؤال اجابة. أشرح لك بكثير من الصراحة والكلمات المنتقاة بعناية ودقة والعبارات المكررة، أنني متعبة من محاولات اعادة الحياة الى علاقة أصابها الملل وتنازعتها المشاعر المتناقضة واعتراها الغموض حول مستقبلها وحقيقة وجودها وكثر فيها اعطاء الفرص،فالفرص في العلاقات هي موت مؤجل. أعترف لك أنني انسانة ضائعة ومترددة ومتقلبة وأنك تستحق من هي أفضل مني. أدرك بخجل وحرج أن حججي تقليدية ومستعملة وبالية، لكن ليس بيدي حيلة، فلطالما كانت حقائقي بالية.أشبّه علاقتنا بامرأة واثقة من جمالها وجاذبيتها حد الغرور، لكنها حين تعود الى غرفتها وتخلع ملابسها وتزيل مساحيق التجميل عن وجهها تغدو بشعة وضعيفة وتكتشف كم كانت كاذبة وخادعة للناظرين.

لأول مرة أكلمك دون أن أنظر في عينيك، لأننا دائما" حين نتكلم بصراحة نجرح أقرب الناس الينا. تحدق فيّ بنظرات منكرة ومتعبة تخترقني بألم وتشعرني بصغري وأنانيتي وضياعي. أقترح باصرار أن نبقى صديقين لأنني لا أحتمل فكرة خروجك من حياتي كليا" فترفض. ترفض لأنك لست قطعة شطرنج أحركها من موقع الى موقع آخر، ولأنك تؤمن بأن احدى أكبر الأكاذيب هي أن يتحول الحب الى صداقة، فهناك دائما" طرف ما يحتفظ بمشاعر الحب ويحيا على أمل استرداد الطرف الآخر مجددا". أتمنى عليك لأول مرة أن تضع كبرياءك جانبا"، ولأول مرة لا تحقق لي أمنيتي. شعور مرير بالخسارة يعتريني. يسود صمت طويل. تخلع السوار الفضي الذي كنت قد أهديتك اياه وتعيده الي لأنه يحمل اسمينا معا" وهذا ما لن يحصل بعد الآن. أرفضه وأصر أن تحتفظ به احتراما" لحب كان وغيّر كثيرا" في حياتنا، كما سأحتفظ أنا بكل هداياك. يبدو أن بي ميول سادية ومازوشية قوية.

أحول نظري الى جدار مقهانا على يساري حيث تركنا مرة" ذكرانا. تستبد بي الدموع فجأة" تحت ناظريك. تحاول أن تتجاهلني لكنك تعجز عن ذلك، فتناولني منديلا" دافئا" من جيبك أمسح به دموعي، ثم أتنبه الى دموعك تتجمد في حدقتيك الداكنتين وتثير لوناً أحمراً فيهما، فتمسحهما بمنديل آخر وتتركه على الطاولة أمامك. تقول بصوت شبه مسموع "تركت لي في قلبي جرحا" عميقا" ظننته سيكون أجمل ما في حياتي". لديك قدرة هائلة على تفجير الشعور القاتل بالذنب لدي وحملي على مزيد من البكاء. تضيف "سأخرج من حياتك للأبد ان كان هذا ما تريدين". مجددا" ترمي بي بقسوة غير معهودة بين الكلمات ولا أعرف بم أجيب. أشعر بنفاد قدرتي على الاحتمال والبقاء فأسألك بنبرة المهزوم "كيف يجب أن أودعك؟". تصمت لبرهة ثم تقول بسخرية حزن "لا أعرف، لم يسبق لي أن ودعت من أحب".من كان ليفكر أننا قد نصل الى موقف كهذا، أنا وأنت والوداع الأخير. للحياة خبرة في اذهال البشر. لم يكن حلمي يوما" أن أتخلى عن الحب بعد أن وجدته، ولا أن أترك خلفي رجلا" مثلك، فاقد الثقة بكل الفتيات والنساء، فريسة لليال من السهر والندم والذكريات. في الواقع لن أتركك خلفي، فعلى الأرجح أنك ستكون معي دائما"، أو حتى أمامي تنتظرني حيثما سأذهب، لكنك ستنتظرني بوجه ملامحه حزينة ودائمة العتاب.

تقف تمهيدا" للرحيل فأنتبه أنك تلبس السواد للمرة الأولى منذ وقت طويل. تتسارع نبضات قلبي أمام نظراتك التي تنتظر شيئا" ما مني. كم أرغب في عناقك ، لن تصدق، لكنني أخشى أن ترفضني فأبقى في مكاني. ترحل.

بعد أن تستقر الرصاصة في الجسد ويبرد الجرح، يبدأ الألم. وبعد أن انتهى اللقاء وعدت الى غرفتي المليئة بك، بدأ الألم. أدركت حجم الخسائر الي حلت وستحل بي، كم سأشتاقك وكم سأندم لاحقا" على ما اقترفت يداي في لحظة ملل وقرار أحمق وطفولي. أعذرني، فلطالما كنت طفلة أمام رجولتك ولطالما أدركت الأمور متأخرة.

كلماتك تتداخل في رأسي ووجهك يتجول بين عينيّ. أشتاقك بشدة وتستبد بي الرغبة في سماع صوتك. أنكث العهد الذي قطعته اليك والى نفسي وأطلب رقمك بلهفة مخيفة دون أن أخطط لم سأقول حين تجيب. يرن هاتفك رنات عديدة وتظهر صورتي على الشاشة وتسمع صوتي "بحبك" ثم تبدأ أغنيتنا المفضلة. أليست تلك الرنة المخصصة لي على هاتفك؟ لا يمكن أن أنسى أي شيء يتعلق بك. كل ذلك ولا تجيب. توقعت الكثير من الكلمات الأولى التي قد تقولها لكنني لم أتوقع ألا تجيب.أي كبرياء هذا الذي لديك، وأي قدرة على التحكم بعواطفك ورغباتك.

لم أرد لنا هذه النهاية أبدا". كالحلم السريع مرت أيامنا معا"، بدأت قصتنا على تلك الطاولة وانتهت عليها. كم من الأماكن والأزقة والأغنيات عرفناها معا" وأصبحت المفضلة لدينا؟ كلها ستغدو بشعة ومحزنة وكئيبة بدونك. لكن منديلا" أبيض سيصبح أهم ما في حياتي، هو المنديل الذي يحمل فوقه، دموعك الأخيرة.