العدد الثامن عشر - كانون الثاني 2007

نافذة لعصفور البكاء والمصالحة مع الحياة

محي الدين محمد
الثلاثاء 23 كانون الثاني (يناير) 2007.
 

شاخصاً كالمنارة، يقف على مشارف الإبداع ، وبين أصابعه الخجلى تمضي حكاية الأيام. يرفض كل إيقاعات الخسارة على كعب هذا الزمن ويستهلك عتمة دهره حين تصدح الروح في مخاض الولادة.

نظارته السوداء تبدو وكأنها عقدت تحالفاً مع دورة الفصول دون أن تتعب أو يهرم الموال و إن غاب عن الطريق حاديه.

والضوء الراكد خلف خطاه يترك للآفاق البعيدة مساحة أخرى كي تكسر لوعة الأحزان وتستقبل فراشات الفرح ولو في حصار الأيام ومرارة الهزيمة.

يطل من شباكه المفتوح على البحر والسماء، وينتعل الدرب الطويل في غابات الأرز والسنديان . ويخفي بين عينيه لغزاً غامضاً قلما يرقى إلى تفسيره إلا من عرشت عناقيد كرمه وامتدت حتى آخر الحقول.

يخيط من الريح سكنه المؤقت ولا يستقيل من تعبه حتى تثور من حوله الريح وتقتلع من الأرض كل جذور الخراب.

هكذا يعبر ( غسان مطر ) دنياه في عالم الشعر ليودع ليلة أخرى على نافذة البكاء . ثم يمضي وقد أشعل في ذاكرة الناس نار الحدس والاستبصار وقرع كل أجراس الفرح حتى وصلت إلى ما وراء البحار و المحيطات والجزر النائية.

تسافر القصيدة أمامه وهي تترك إرثها في كل مكان تصل إليه وتحمل براءة الحياة إلى كل السهول والبراري وقد تحجرت الأشياء وتصدعت أنات المراثي وهي تلف على الأعناق.

تقرأ قصيدة غسان مطر فتهتز خلاياك وتلامس أعماقك كل مسارات القلق دون أن تدري فهو يبني عمارته الشعرية على طريقته ويختار لها ما يلائم ذوقه في دراية قلما وصلها شاعر دخل غابة الأسماء والحروف، وتبقى أشياؤه تدل عليه وحده ولا يمكن لأحد أن يشاركه مهده الفطري أو يلبس عباءته المعاصرة حين يقسو البرد أو تشتد الحرارة ويقترب حراس الكروم من كومة العناقيد ، فهو وحيد حين يمعن النظر في هذا العصر الضرير وقد اشتعل الماء والورد من حوله دون سابق إنذار.

لم يدخل غسان مطر خيمة التقليد بل هندس اللفة الشعرية الرقيقة وعزف بها على قيثارة الجرح، وكان فيض الغناء منسجماً مع المفاتيح والدلالات الموسيقية والإشارات التي تشكل معبراً لرؤيته نحو الحياة . وقد اقترب في جزئياته من معادلة العصيان والغضب الذي قطّع به أسلاك الاتصالات التي لا تصلح للتواصل مع الناس . ودخل مصطلح القرن الحادي والعشرين الذي يسميه النقاد والدارسون مصطلح ( ما بعد الحداثة ) و استهواه الوقوف في مدن النوافير و نواعير الماء وفوق بيادر الكلمات النارية المغلفة بالرمز ليشهق المزمار آخر الألحان.

وكان عزاؤه للذين يتخبطون تحت خط الكهولة في عالم الشعر طالباً منهم أن يتركوا الشعر لأهله.

وثمة سؤال يطرح نفسه : من هو الذي يقفز من علِ ؟ الشاعر أم القصيدة ؟ قد لا أستطيع الإجابة على هذا السؤال في هذه العجالة لكن العمارة الشاهقة لا تحتاج إلى إطراء الناظرين أو مدائحهم ، بل تحتاج إلى التأمل و الاستغراق العميق في النفوس وبهذا يمكن القول إن ديوان ( نافذة لعصفور البكاء ) للشاعر غسان مطر هو هذه العمارة الشاهقة التي تدلل على أن صاحبها إنسان عربي يعيش تحت سقف غربته ويبحث عن وطن ولو كان بحجم اليدين ليمارس فيه الحرية.

فهو يقول:

" مثل عشب الصمت

أنسل من الدهشة

في الموقد عصفور

ويجثو عندما تنهض فيّ الرغبات . "

لست أدري كيف تحول صمت الشاعر إلى رغبة في عقد صلح مع الكون والحياة على الرغم من براءة البكاء التي تلازم العصفور وهو يغرد في موقده. ومخيلة الشاعر هنا تخترق الأبعاد وتمتلك القدرة على التجاوز والتخطي وفرز الألوان في محيطه الذي يقترب من الركام.

" لا تنمو ظباء اللون في التيه

ولا يشتعل الماء

ارفعوا هذه التوابيت المدلاة

من القعر

فهذا صدأ الدهر على القلب . "

ويمتد الشعر على جبين الشاعر غسان مطر علامات فارقة ونداءات غرضها الإنساني ينسجم مع التوابيت التي تحمل الناس وهم أحياء وتؤسس لمشروع الفرح بعدما اخترقت الأنات الجنائزية كل الآذان وسطت على المشاريع الأخرى في عالمنا المترامي .

إنه يتلف نصف سجائره السوداء وهو يراقب حركة المتسولين على الأعتاب في أزمنة مفتوحة على كل الاحتمالات .

إن مفردتي ( الصم ، البكم ) التي غلف بها الشاعر حركية هذا الزمن وأناسه العاجزين تدلل على شعرية أنيقة قادرة على الغوص والتأثير .

" تتراكم أزمنة بكماء،

وأزمنة صماء،

ويداك صليب التيه

تقول : تعبنا .. آه. "

إن هذا السلوك اللغوي وهذا العمق الذي يسكب فيه الشاعر أوجاعه يحتاج إلى قارئ قادر على تفكيك حجارة الرمز على الرغم من الشفافية والدلالات التي تحمي ذاك السلوك . وإذا علمنا أن هذه المجموعة التي بين أيدينا قد كتبت قبل ثلاثة عشر عاماً على الأقل وأن مؤلفها قد أشعل بخوره في مواقد سابقة تحمل همومه كما في ديوان ( العشايا ـ عزف على قبر لارا ـ هوامش على دم القصيدة ) .أدركنا مساحة التجربة التي كان فيها الشاعر فارساً لا يعبأ بالخصومات والتجاذبات النقدية التي يلجأ إليها بعضهم لأنها تقلل من هيبة الشعر وتضعف من التوازن النفسي للمبدعين ولا سيما بعد أن تحول النقد في أيامنا إلى سجالات ناعمة ومداعبات ضاحكة على طريقة لاعبي كرة القدم .وبعد : فإن ما قدمته في هذه الدراسة قد لا يكون نقداً بالمعيار الصحيح للكلمة، بل هو شهادة في محكمة الوجدان  في زمن قل فيه المنصفون .