العدد الثامن عشر - كانون الثاني 2007

بدنـا نعيش ...

علوان أمين الدين
الثلاثاء 23 كانون الثاني (يناير) 2007.
 

 

"بدنـا نعيش"، "أنا بحب الحياة" وغيرها من الشعارات وبعدَّة لغات تملأ السيارات ولوحات الإعلانات والطرقات. شعارات نحتاجها اليوم أكثر من ذي قبل أو من أي وقت مضى. قليل منَّـا من يعرف شخصاً يحب الموت حتى ولو كان في أسوأ الأحوال والظروف مع أن الموت في حالات عديدة يكون رحمة من رب العالمين. حتى المريض الذي يعرف أن حالته ميؤوس منها يتعلَّق بالحياة ولو عبَّر عن رغبته في الموت، ولكن ضمنياً هو متعلقٌ بها إلى أقصى درجة. والعجوز الهرم الذي أمضى حياةً طويلة ومرت عليه سنوات طوال عاشها "بالطول والعرض" يريد أن يعيش أكثر من ذي قبل، فلا يوجد أحد لا يحب أن يعيش أو لا يحب الحياة.

ولكن هنا توجد بعض الملاحظات التي يجب التوقُّف عندها. إن مُطلق هذه الشعارات لا شك أنه في غاية الذكاء لأنه قد لمس الوتر الحسَّاس في داخلية كل لبناني، ولكن قد فاته أمر ربمالم ينتبه إليه أو أغفله عن قصد أو غير قصد وهو أن قيم العيش تختلف تماماً عن قيم الحياة.

قيم العيش تكمن في أن يعيش الإنسان في أي ظرف من الظروف شريطة أن يأكل ويشرب وينام دونما إكتراث بما يحدث من حوله. لقد عاش اللبنانيون في ظل الحكم العثماني وعاشوا تحت الإنتداب الفرنسي وعاشوا في ظل الوصاية السورية، وليس هناك ما يمنع من أن يعيشوا تحت الوصاية الأميركية -أو غيرها- أو أن يعيشوا تحت نير الإحتلال من قبل العدو "الإسرائيلي". ولكن في هذه الحالات التي سبق وذكرناها، تصبح مخلوقات الله الباقية -غير الإنسان- أفضل بكثير إذ أن تكوينها من قِبل الباري عز وجل هو تكوين مفيد حيث لا تعيش دون هدف ما بل توجد حكمة إلهية من وجودها.

أما قيم العيش فهي أن يقوم الإنسان بواجبه كمخلوق عاقل أعطاه الله العقل الذي هو الشرع الأعلى فيه وأعطاه حرمة شخصية وكرامة وعنفوان وكبرياء وحكمة في تدبير الأمور خصوصاً إذا كان في موقع المسؤولية، وهناك مثل شهير يقول: "من نعم الله عليكم حاجة الناس إليكم". قيم الحياة تكون في أن يصنع الإنسان مستقبلاً لأولاده ولمجتمعه يليق به وبهم كأشرف المخلوقات، فيعدل بدل أن يظلم ويبني بدل أن يدمر ويحب بدل أن يكره ويقاوم بدل أن يخنع.

وبما أن المجتمع يعتبر خزان القيم وهو المرآة التي تعكس الصورة الصحيحة لشرائح المجتمع كافة، نستشفها من خلال الأمثال الشعبية البسيطة التي يرددها الناس، فمنها ما يعبِّر عن قيم العيش ومنها ما يعبَّر عن قيم الحياة. أمَّا الأمثال الشعبية التي تعبَّر عن قيم العيش:

"الإيد إلي ما فيك تعضَّا بوسا ودعي عليها بالكسر"، "إذا عزت الكلب قلُّوا صباح الخير يا سيدي"، الهرب ثلثين المرجلة"، "عند إختلاف الدول إحفظ رأسك".

 

أما الأمثال التي تعبَّر عن قيم الحياة:

"إذا كان من الموت بدُّ فمن العار أن تموت جبانا"، "من يخشى صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر"، "سواء فهمونا أم أساؤوا فهمنا إننا نعمل للحياة ولن نتخلى عنها"، "وللحرية الحمراء باب بكل يد مدرَّجة يُدق".

وما يختلط في ذهن البسطاء من الناس -والذي قد يساهم في تغذيته بعض المسؤولين- عبارتان، الأولى "ثقافة الموت"، والثانية "ثقافة المقاومة". ليست ثقافة الموت في الواقع إلا إنتحاراً ليس أكثر من خلال اليأس الذي يعيشه المنتحر سواء من خلال الواقع الذي يعيش فيه أو من قِبل تعبئة خاطئة تُشحن بها نفسيته أو عقليته فيظن أن ما يقوم هو عمل سيكافأ عليه لاحقاً. أما ثقافة المقاومة فتكمن في رفض الظلم والإحتلال والإستعباد، ومخطئ من يظن أن المقاومة هي مقاومة بالسلاح فقط إذ أن كثيرين قد دفعوا حياتهم نتيجة موقف مقاوم. حتى المقامون بالسلاح يحبون العيش والحياة، وهم وإن ذهبوا -ومن كل الطوائف- إلى الجبهات لكي يقاوموا ليس لكي يموتوا بل ليبنوا وطناً حراً ومستقلاً يعرف أبناؤه معنى التضحية والوفاء والكرامة والحرية. أما إذا إستشهدوا دفاعاً عن الوطن فيكونوا بذلك قد خطوا بدمائهم شهادة حياة معمَّدة بالدم وهي أقدس ما يمكن أن يقدَّم. بدنا نعيش بكرامة ... بدنا نعيش أحرار ... بدنا بعيش مرفوعي الرؤوس.

ويستوقفنا هنا سؤال مهم: ماذا لو لم نقاوم "إسرائيل" منذ العام 1948 حتى يومنا هذا؟ الجواب معروف وهو أننا نعيش ولا نحيا.