العدد الثامن عشر - كانون الثاني 2007

وداعا للعروبة...ولكن

نصري الصايغ
الثلاثاء 23 كانون الثاني (يناير) 2007.
 

العروبة، أمام امتحان وجودي. امتحان البقاء أو الزوال. قبل خمسة عشر عاما، وتحديدا بعد سقوط جدار برلين، كتب مارك كرافييز في صحيفة" ليبيراسيون" الفرنسية، مقالا مستقبليا:" سندخل القرن الواحد والعشرين من دون العرب(اي من دون العروبة). سيدخلون بدولهم وانظمتهم فقط"، أي سيدخلون حتى من دون هوية تجمعهم، أو رابطة توحدهم، أو مؤسسة تنسق بينهم.
كانت نبوءة كرافييز حقيقية، وصعبة جدا على التصديق ، غير ان الزمان الممتد من جدار برلين المنهار، الى انتصاب الجدران العربية بين الدول العربية نفسها، يبرهن ان العرب في مكان ، والعروبة في مكان آخر.

اختلف العرب حول العروبة النظرية. ادخلوها في جدل سياسي، جغرافي،لغوي،وديني. قاتلوا بعضهم البعض باسمها، فتمزقوا فكريا وروحيا، ولم يطبقوا من العروبة" المختارة" ، الا آنيتها ، كوظيفة سياسية. غرقت النظرية في الراهن، فيما هي مشروع للمستقبل.
وعرف العرب من العروبة فنونا كثيرة، اكثرها حضورا، العروبة السياسية، التي تم توظيفها في معارك الانظمة السياسية والاحزاب السياسية. وبالغت التنظيمات في تحزبها وتسيسها حتى باتت القطرية، المناقضة للعروبة، كتاب العرب الجديد.
وإزاء انتكاسات السياسات القطرية، في صراعها مع اسرائيل، وفي قدرتها على بناء نموذج عربي منفتح، وغير مقيد بسلاسل الضرورة السياسية، التي تفيد النظام ، دخلت العروبة الى أسر الانظمة السياسية، كتعويض عن التحرر. وقد شهدت فترة ما بعد هزيمة حزيران، مرحلة النكوص العروبي، الفكرية والسياسية.
أما العروبة الواقعية، فلم تجد لها طريقا لتسلكه. بناء العروبة لا يبدأ من الضرورات السياسية ، بل من المنطلقات النهضوية، وعلى قناعة بناء مؤسسات عروبية. اختصرت العروبة ، في مرحلة ما بعد حزيران، وباتت شعارا نائيا، فيما توجه الجهد العربي لبناء سلطات متينة، بكلفة باهظة، على مستوى المجتمع.

لم تذهب أوروبا الى وحدتها بقرارات سياسية فوقية. فيما حاولت الانظمة العربية بناء وحدات هوائية من فوق ،وفشلت. أوروبا ، بعد حروبها المدمرة وويلاتها الباهظة ، قررت قيادتها بناء أوروبا الموحدة، بين قوميات مختلفة ومتحاربة وفعلت. وخلال نصف قرن من الزمن، تدرجت بصناعة وحدتها، لبنة لبنة، عبر مؤسسات اجتماعية وثقافية وادارية واقتصادية وجمركية ومالية، أفضت بالمشروع السياسي الى بلوغ حالة متقدمة من " الاوربة" الكاملة.
العرب تفوقوا في تدمير المؤسسات العربية المشتركة:
وتفوقوا في ممارسة العجز المطلق لبلوغ التنسيق في حدوده الدنيا،أوروبا تقدمت الى البناء السياسي للوحدة ، من خلال تقدمها في البناء الاجتماعي للمؤسسات. لم تبدأ من فوق ، بدأت من الاساس ، وبثقافة نقدية لكل محاولة، وبمشورة دائمة لقواها الشعبية ، عبر الاستفتاء.
ذهبت أوروبا ، بمجمل قواها الحية الى الوحدة ، فيما التزم العرب اليوم ،طريق القيادات وحدها،للذهاب الى العروبة، فذهبوا وحدهم ولم تذهب العروبة.

يعيش العرب اليوم ، وكأنهم بلا عروبة: جامعة عربية، مفككة، أنظمة سياسية متنابذة، ثقافة فكرية، أما سلفية وإما مستغربة. بات كل نظام يكتفي بفتات سياساته الداخلية. التنسيق صعب. الاتفاق مستحيل . فلسطين بلا ام أو أب عربيين. متروكة في أحضان دولية تمارس ضدها عقوقا وظلما لا طاقة على احتماله. السوق العربية المشتركة غير سالكة، حتى المجمع العلمي العربي، مات وهو على قيد الحياة. إن العالم اليوم، يعيش حمى ثورة الاتصالات ، فيما العرب يعيشون في حمى ثورة انقطاع التواصل، السياسي والثقافي والقومي.
وإزاء هذا التراجع للعروبة ، ملأت الساحة طفرات الفكر الاقلوي: الطائفية، المذهبية، العرقية، المناطقية. والمخيف ، ان سوريا الطبيعية ، دون سواها من المناطق العربية، حافلة بهذا المزيج الكثير من الاعراق والمذاهب والطوائف. وبزوغ الفكر التعددي ، يهدد البلاد برمتها، ويدخلها في عصر من الفتن الدموية ( العراق نموذجا ولبنان سبق وقدم نموذجه في خلال 15 عاما من الحرب) ومن الصراعات المدمرة. وعوض أن تكون هذه الجماعات مصدر غنى وتقدم ، تتحول الى مصدر زعزعة الدول القطرية ذاتها.
منطق الاقلية ، البحث عن ممارسة شخصيتها التاريخية والثقافية، في ظل انعدام الرابطة القومية، وهي تحتاج لتنفيذ ذلك الى معرفة خارجية، ستجدها حتما في الدول المعادية، صاحبة المصالح الخاصة في امننا.

السياسة تكره الفراغ، وكذلك الفكر. عندما تضاءل الحضور الثقافي العروبي، بعد انعكاسات العروبة المتكررة على ايدي سياسييها. حضرت السلفية الدينية ، لتقدم نموذجها التاريخي السالف ، كبديل لحال الطلاق مع العروبة. وإن كانت تحمل في هيكلها روحا دينية ، فإنها من صلب الحداثة. كونها تعول على الروابط القومية، وليس على الروابط الدينية والمذهبية والقبلية.
النموذج السلفي غير قابل للتكرار مرة اخرى . الماضي لا ينسج ولا يقلد. الماضي مضى. صيغة السلفيين الجدد ، لن تكون عامل وحدة ، بل عامل تفتيت. ذلك أن السلف ليس واحدا . فهو سلف، وفق المذاهب والطوائف . فالسلف السني غير السلف الشيعي. وفي هذا المقام تنتهي السلفية الى تأسيس حالة خلافية . هي المؤمنة بوحدة المؤمنين عقيديا، ستكون اداة تفتيت لتعدد المؤمنين في العقيدة الواحدة.

لا يبقى أمام العرب سوى استخلاص العروبة من واقعهم الراهن. انتهى زمن النقاش البيزنطي في العروبة . العروبة السياسية أفضت الى نقيضها : القطرية. العروبة الحضارية، كما تدعو اليها اطراف لبنانية ، طلاق للعروبة مع قضاياها ، وتزويج لها مع الغرب، بلا انتقائية.
لم يبق الا العروبة النضالية، كبديل لمشروع نهضوي بعيد المدى. على أن تتاسس هذه العروبة في الممارسة النضالية الميدانية.
من مستلزمات هذه العروبة:
1- رفض السياسة الاميركية ، لأنها معادية للحدود الدنيا من الحقوق العربية. السياسة الاميركية إلغائية لكل ما يربط بين دولة عربية واخرى.
2- مقاومة المشروع الصهيوني في فلسطين،وفي امتداداته التطبيعية العربية: سياسيا واقتصاديا وثقافيا.
3- اعادة الاعتبار، للقوى الشعبية وطاقتها على المقاومة ، في الثقافة والاعلام والسياسة والقوة المنظمة ماديا وروحيا، وممارسة نشاطها في مناخ من الحرية.
4- ايجاد الاطر النضالية ، في كل دولة، وفق برنامجها الخاص، وخصوصية كل مجموعة ، لممارسة حقها في مقاومة العدوان.
5- المشاركة الشعبية الديموقراطية، تعتبر حجر الزاوية ، في مهمات العروبة النضالية.