أميركا والديمقراطية

العدد 3 - أيلول 2005 : المحامي هيثم المالح
الاثنين 5 أيلول (سبتمبر) 2005.
 

إذا خرجنا عن مفهوم الديمقراطية التاريخي في اليونان حيث انبثقت ونمت، فلا نجد لها تطبيقاً واحداً في العالم. إنني أفهم الديمقراطية اسلوباً للحكم يتعاقد الناس فيه على احترام الرأي الآخر والقبول بالأكثرية الانتخابية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

وباعتبار أنني أفهم الديمقراطية اسلوباً للحكم نجح حتى الآن في الكثير من بقاع العالم بتأسيس أنظمة حرية تعتمد الشفافية والحوار السياسي منهجاً للحياة، أفهم كذلك أن الديمقراطية تؤسس لدولة القانون والمساواة وتكافؤ الفرص، وباختصار دولة الكل الاجتماعي .

ولا أعتقد أن البلد الذي تتحكم فيه وتديره شركات عملاقة واحتكارات يمثل حالة ديمقراطية.

في الولايات المتحدة الأمريكية التي زرتها مراراً وتكراراً من شرقها لأقصى غربها خرجت بانطباع بأن هذه الدولة إنما هي دولة شركات عملاقة واحتكارات كبرى، المكان الرئيس فيها للثروة والقوة ولا لشيء آخر، صحيح أن صناديق الاقتراع تلعب دوراً أساسياً في الحياة إلا أن هذه الصناديق محتكرة من قبل حزبين لا يختلفان واحدهما عن الآخر سوى في السياسة الداخلية، أما في السياسة الخارجية فهما سواء، وتتمترس هذه القوى السياسية بإعلام يضرب طوقاً على الدولة فيحاصرها ويترك الشعب جاهلاً وغائباً عما يحاك في الخارج، وحتى في الداخل فكثير من الأمريكيين لا يعرفون خارج الولاية التي يعيشون فيها شيئاً.

الشعب الأمريكي كسائر شعوب العالم فيه السيئ وفيه الجيد وهو بالإجمال طيب وبسيط يقوده بلدوزر المال بلا شفقة ولا رحمة، وكذلك السياسيون الذي يقبضون على مقاليد الأمور من طبقة أرباب الأموال.

يحاول حزب الخضر «رالف نادر» أن يشق طريقه وسط هذه اللجة إلا أنه لم يفلح حتى الآن، وفي آخر زيارة لي للولايات المتحدة طلبت من شبابنا الذين يقيمون هناك الانخراط في هذا الحزب ضمن مقولة أنهم سيصبحون أكثر قوة إذا انضموا إليه كما يبادلونه القوة لشق طريقه بين لجة عمالقة المال.

في عام 1987 زرت الولايات المتحدة واحتجت لمراجعة مشفى عام، وهناك سمعت حديثاً جرى بين موظفتين تخبر الواحدة منهما الأخرى بأنها تملك قيمة وجبة الغداء «لنش» وهي وجبة خفيفة تؤخذ أثناء العمل، إلا أن الغريب في الموضوع أن هذه الموظفة أعلمت زميلتها بأنها إذا تناولت وجبتها سوف لا تتمكن من العودة إلى دارها «بالباص» لأنها لا تملك أجرة العودة، ولذلك استغنت عن تناول وجبتها.

فوجئت بهذا الحديث إذ لو أني سمعته في بلادنا لما استغربته، إلا أنني سمعته من موظفة تعمل في مشفى في أكبر دولة في العالم، وتكررت أمامي مشاهد البؤس والناس الذين لا يجدون منزلاً يؤويهم «homeless» كما يسمونهم ويقدر عددهم بأكثر من ثلاثة ملايين نسمة.

كيف لي أن أسمي هذا البلد ديمقراطياً، لقد أسست الولايات المتحدة على القمع والقتل للسكان الأصليين وعلى التمييز ضد الملونين فأين يمكن لي أن أجد الديمقراطية هناك؟ إنما يساعد الولايات المتحدة الآن هو المؤسسات فهي بلا شك دولة مؤسسات.

دعمت الولايات المتحدة في العالم الأنظمة الاستبدادية وأحياناً خلقتها كما يشرح ذلك «ماريلز كوبلاند» في كتابه لعبة الأمم، وهي ترى أن هذه الأنظمة يمكن أن تحقق لها مصالحها بعيداً عن أي معنى إنساني نبيل وبعيداً عن مصالح الدول التي تحكمها هذه الأنظمة، فهل يمكن لنا أن نصدق بأن الولايات المتحدة بإدارتها الحالية يمكن أن تساعد في التحول الديمقراطي في عالمنا العربي المليء بالثروات؟ ونحن لدينا خير شاهد على كذب هذا التوجه الأمريكي في ليبيا وتونس والباكستان وعدد كبير من الدول العربية والإسلامية.

إن ما تطرحه الولايات المتحدة علينا فيما يتعلق بالتحول الديمقراطي وفي احترام حقوق الإنسان كلمة حق أريد بها باطل، ذلك أن الهدف الأساسي للولايات المتحدة هو السيطرة على عالمنا العربي والإسلامي وتحوليه إلى تابع لها كلياً.

سبق أن اطلعت على مجموعة من تقارير قدمت للكونغرس الأمريكي في عام 1974 عقب أزمة النفط وفيها دراسة كاملة لاحتلال منابع النفط في دول الأوبك بغرض السيطرة على اقتصاد العالم.

لقد ساهمنا مع الأسف الشديد، في إسقاط الاتحاد السوفيتي وخلا الجو للوحش الأمريكي كما يقال في المثل المشهور «خلا لك الجو فبيضي واصفري»، وبدأ باحتلال أفغانستان ليكون في وسط آسيا ثم أعقبه احتلال العراق ومن قبل تم احتلال الخليج فهل سيفرض علينا السيد الأمريكي ديمقراطيته العسكرية على رؤوس الحراب.

لقد أسسنا في الأندلس دولة التعدد والحرية والكل الاجتماعي، ولم نكن نعرف الديمقراطية آنئذ إلا أن دولتنا أفلت بعد الدماء التي سالت في أعقاب القتل على الهوية الذي مارسه الغرب، والذي لا يزال يمارس التصفية الجسدية على الهوية في البوسنة والهرسك، فهل هذه الديمقراطية التي نريد؟.

لا بد لنا من وقفة مع الذات ومراجعة دقيقة لكل خطوة نخطوها حتى نتحاشى أن تدق فيها أعناقنا.