في حضرة الزعيم

العدد 3 - أيلول 2005 :كمال عبد الله حمودي
الاثنين 5 أيلول (سبتمبر) 2005.
 
كثر هم الذين يطلق عليهم صفة الزعيم وقلة هم الذين يستحقونها إذ هي ليست صفة اعتيادية لأناس عاديون؟ ولا مديحاً عابراً؟ لأناس عابرون؟ ولا صفة براقة لأناس براقون؟؟ للزعامة مسلمات؛ أنا لستُ أهلاً لتفصليها؟

ولكن على الأقل لدي قراءتي المبسطة للأمر؟ إذ أن أعلم السياسة؛ قد أطلق هذه الصفة على كل من هب ودب؟؟! على صغير القوم وكبيرهم؟!! لغاية هي في نفس العلم غاية وهدف في الوقت ذاته؟؟! وهي الزعامة في المحصلة صفة يطلقها الناس على اختلاف مستوياتهم؟؟! على من يرون أنه أهلا لها، دون أن يكون حتى للاعتبارات السياسية محل في ذاكرتهم ومن هذا المنطلق أقول نعم للزعامة مسلمات؛ بدايتها ونهايتها قناعة الناس غاية بكل مستوياتهم الثقافية والفكرية والأخلاقية بحامل هذه الصفة؟ والتي هي ليست غاية على كل حال؛ لأن هؤلاء الناس هم في المحصلة من يطلق هذه الصفة وهم من يتبناها ويعتقدها حتى ولو كانت بالنهاية صفة لا أكثر ولا أقل، يمنحها حاملها ذاك الثقل والاحترام من عدمه وينسحب بعد ذلك على الزعيم عبء تحمل ملحقات هذه الزعامة بغض النظر عن مضمونها؟ يقال فلان ـ زعيم ـ عصابة، شلة، حلقة، مذهب، طائفة، الخ.. وما نقصده في عجالة هذه الأسطر هو المضمون الإنساني والأخلاقي الإيجابي للفكرة؟! ومن سخرية القدر، وعبثية الحياة؟! أن يحمل الكثير من عامة الناس هذه الصفة؟! وهي في النهاية ليست ـ إرثا ـ ولا مكرمة أو منحة ولا ـ عطاء ـ هي وكل بساطة وعلى ـ أبهة ـ هذا المصطلح إذا صح التعبير سلوك نسعى نحن ـ عامَة ـ الناس جاهدين أن نحظى بشظية من شظاياه ـ الجميلة ـ ؟!!

أنطون سعادة، ذلك الفتى السوري النبيل، هو من القلة ـ القليلة ـ ممن يستحقون هذا اللقب الرجل لم يسع لهذا الأمر بل أنجبته الطبيعة وكرسته له وما قاله الفيلسوف قسطنطين زريق و أمين الريحاني و كميل شمعون و كمال جنبلاط و أدونيس و محمد الماغوط وغيرهم من أئمة الأدب والفكر بحق الزعيم أنطون سعادة خير دليل؛ لقد محا هذا المفكر الكبير، الحد الفاصل بين النظرية والتطبيق؟ بين القول والفعل وذهب إلى آخر حدود النبل والصدق مع الذات، وصولا إلى تقديم جسده على مذبح الحق الذي رآه واضحا؟؟ والواجب الذي تبناه بالنيابة عنا جميعا؟؟ والنظام الذي كان يسع لرسمه لمجتمع كان يرى فيه ويريد له كل الحق والخير والجمال واستعادة للقوة التي كان يرى لو فعلت لغيرت وجه التاريخ مرددا عند ـ خشبة الخلاص ـ الإعدام: (أنا أموت أما حزبي فباق، إن موتي شرط لإنتصار قضيتي، إن شهداؤنا هم طليعة انتصاراتنا الكبرى) وقد سمعه من كان يشد العصابة على عينيه عند تنفيذ قرار الإعدام الذي اتخذته سلطات الأمن اللبنانية، الظل لسلطات الانتداب الفرنسي وبالتعاون مع الملك فاروق في مصر والملك عبد الله الأردن وعبد العزيز السعودية وأيضا وبالتعاون مع حسني الزعيم في دمشق... الخ, وحسبنا أن نردد هذه الأسماء على مسامعنا، كي نعرف لماذا عمل هذا الجمع على إنهاء حياة سعادة بالطريقة التي انتهت إليها، في الوقت الذي كان يراه البعض ـ مسيحاً ـ آخر أرسله القدر لخلاصنا جميعا من قذارة يهود الداخل والخارج؟؟! دون أن يسمح له حتى بتوكيل محام

أربع وعشرين ساعة بين الاعتقال والتنفيذ؟!!!

عزيزي القارئ، حسبي أن أذكر لك قصة حبكت في نفس الزمن الذي حصل فيه ما ذكرناه آنفا، في أربعينات القرن الماضي كان سلمان بطل قصتنا قاطع طريق محترف، وفي ذمة الرجل كما يذكر التاريخ عشرات القتلى والجرحى والمفقودين وعندما فاحت رائحتة كثيرا ألقي القبض عليه؟؟ وخلاصة ما ذكر بعد ذلك: أن تنطح عشرات المحامين ـ بينهم فرنسيون ـ ؟!! للدفاع عنه، في الوقت الذي حرم سعادة هذا الحق بحجة أنه وبحسب قرار الانتداب الفرنسي قد ـ خرق وحدة البلاد ـ ؟!! البلاد التي مزقوها باتفاقية ـ سايكس بيكو؟!!

لقد مشى سعادة إلى خشبه الإعدام في الرملة البيضاء الحمراء الثالثة والثلث فجر الثامن من تموز، في الوقت الذي كان ـ عامة ـ الناس نياما أ بين باك وشاك وساهر يرقب الفجر الدموي الرهيب؟ وحسبي في عجالة هذا التشظي؟ وهذا التمزق والألم، أن أعود إلى خمسينيات القرن الماضي ـ وبمناسبة ذكرى استشهاد الفادي سعادة العظيم لأنتخب من أدبيات سعيد فريحة ومجلة الصياد التي كان يحررها ومن العدد 267 الصفحات 30ـ31 الصادر بتاريخ 14/7/1949بعد أسبوع واحد من إعدام سعادة، مع أن فريحة كان من خصوم سعادة العقائديين، حديث دون فريحة في العدد المذكور قصة المحاكمة ـ المسرحية ـ التي كان سعادة ضحيتها، ما نصه حرفيا: ولم يفقد أنطون سعادة هدوءه ورباطة جأشه، لا عند الاعتقال، ولا أثناء التحقيق والمحاكمة، حتى ولا بعد صدوره الحكم عليه بالموت، وعند تنفيذ الحكم، لقد ظل هادئا رابط الجأش من البداية إلى النهاية، ووقف زهاء ثماني ساعات متواصلة في قفص المحكمة، لم تنثن له خلالها ركبة ولم ينحني له ظهر، وارتجل دفاعا استغرق ساعة ونصف الساعة دون أن يتلعثم لسانه أو يعثر بكلمة نابية، وتلقى حكم الموت وكأنه تلقى دعوة إلى غداء؟!

إنه الزعيم قولا وفعلا، وهو القائل: إن الحياة وقفة عز فقط.