العدد التاسع عشر - شباط 2007

لقطات "بيروتية" من فيلم" الشرق الجديد"

زهير فياض
الخميس 15 شباط (فبراير) 2007.
 
New Page 1

مشهد  "الفوضى الخلاقة" من فيلم "الشرق الأوسط الجديد" هو دراما من "النوع الثقيل"، أو فيلم  "رعب" بامتياز، وكل من شاهد لقطات هذا الفيلم في شوارع بيروت اتضحت له صورة المستقبل الموعود و"غير الواعد" بشيء جميل لأجيال ولدت وأخرى لم تولد، هذه اللقطات "الفظيعة" حملت شيئاً واحداً هو وعد القتل وسفك الدماء و"خراب البصرة" ....

مشاهد هذا الفيلم بلقطاته "البيروتية" أعادت الى "الذاكرة" ذكريات أيام سوداء، اعتقدنا لزمن أنها أصبحت وراءنا، فاذ بهنيهةٍ وتصبح معها واقعاً يقضُ مضاجع أرواحنا...

انه زمن الحشر، خرجت فيها بيروت من بيروت، خرجت بكل ما فيها وما عليها وما بين جنباتها،  بشوارعها وجامعاتها ومكتباتها ودور العلم والمعرفة فيها، بكنائسها وجوامعها، لا بل بناسها و ساكنيها، بمبانيها ومقاهيها وملاهيها وحتى "علب الليل" فيها، خرجت  بيروت حينذاك من الزمن، توقفت فيها عقارب الساعة، ودخلت المدينة زمن "الكهف"، زمن "الجاهلية" ، زمن "السبي"، زمن "الغزوات" الحربية القبلية، زمن "الجهل والتجهيل"، زمن "ما قبل الأديان"، زمن "ما قبل المسيح"، "زمن ما قبل الاسلام"، دخلت بيروت - لهنيهة - أبواب الفتنة المفتوحة على المجهول...

سُرقت بيروت - في غفلةٍ من الزمن - وتاهت في دهاليز الظلام الدامس، ساعات وساعات، الكل يريد أن يقبض عليها، ويحشرها في زاوية "أحلامه" أو قل زاوية  "كوابيسه"... .

في "الخميس الأسود" خُطفت بيروت منَا، واستعدناها مجدداً، ولكن شبح "الخطف" من جديد يلاحق أهدابها...

في "بيروت" اليوم تجري مطارداتٌ من نوعٍ أخر، الكل مطارد، الكل ملاحق، الكل يمشي، لا بل الكل يركض، يلهث، يتطلع الى الوراء، خوفاً من عصا "غليظة" تقع على رأسه، وينظر الى فوق خوفاً من رصاصة "قناص".  الكل يخشى ظلاله على الأرض، الكل يرتجف، الكل خائف، الكل قلق...

والكل حريص أشد الحرص أن يزيل من أغراضه الشخصية كل ما يوحي للأخر بنوع "المذهب"... .

لا" اخراج قيد"، لا "وثيقة وفاة"، لا "وثيقة ولادة"، بل بطاقة "هوية ممغنطة" حيث لا مذهب، وحيث -ربما- الخلاص...   

في بيروت اليوم،  الكل يطارد الكل، الكل يلاحق الكل، الظلام يلاحق النور، والنور يلاحق الظلام ، الغنى يلاحق الفقر، والفقر يلاحق الغنى، العلم يلاحق الجهل، والجهل يلاحق العلم، الايمان يلاحق الكفر، والكفر يطارد الايمان، الخوف يلاحق السكينة، والسكينة تلاحق الخوف، الساحات تطارد الساحات، الأحياء تطارد الأحياء، الأزقة تلاحق الأزقة، والخوف بادٍ  على الوجوه الحائرة التي تحدق في "الآتي" والعيون شاخصة الى "الأعظم"... .

   

في كل ما حصل تبقى هنالك "عبرة"،والعبرة تقول: " الفتنة شرٌ مطلق" لن يسلم من براثنها أحد! الفتنة ليست قدرا ً بل مسارٌ يمكن تفاديه...

حياتنا كلها في هامشٍ لا بأس بمساحته هي من صنعنا نحن.

هنالك مساحة للقدر ، ولكن، هنالك مساحة أيضاً للارادة الانسانية الفاعلة "القادرة"... .

ليس كل ما يحدث لنا قدر، بل في أغلب الأحيان "مسار"...

وهذا المسار ٌ نرسمه نحن لأنفسنا، لعيالنا، لأهلنا، لناسنا، لشعبنا...

مسارٌ نرسمه بعملنا، بجهادنا، بارادتنا، بوعينا، بحسنا، بقدرتنا، بمثابرتنا، بصبرنا،بعلمنا، بفهمنا، بقراءتنا، بتجربتنا، وبحسن نوايانا...

كفانا قدرية ! كفانا اتكالية على الأخر ...

نحن القرار ونحن الفعل ونحن المسار ونحن المصير...

وللتاريخ نقول: "  لن ينقذ بيروت اليوم الا "بيروت" نفسها!"

"ولن ينقذ لبنان اليوم الا لبنان نفسه..."

نحن الخلاص ونحن النجاة ونحن ارادة التغيير ...

ما حدث في بيروت في الأيام الماضية كان ناقوس خطر دق بقوة، ويجب أن لا يصم أحد أذنيه عن سماعه!