العدد التاسع عشر - شباط 2007

انسحاب سريع ومفاجئ من العراق

غسان يوسف
الخميس 15 شباط (فبراير) 2007.
 

 

يخطئ من يظن أن تقرير بيكر- هاملتون قد استغرق إعداده نحو السنة واستند إلى مشاورات واسعة مع كل القطاعات المعنية بالشأن السياسي والإقتصادي المتصل بالحرب، أو سوف يواجه الإهمال أو يوضع على الرف، إذ أن مجموعة دراسات العراق التي تتضمن نخباً من الحزبين الجمهوري والديموقراطي وضعت المصلحة الأميركية العليا هدفاً لها.

التقرير يوحي بالإعداد لإنسحاب هادئ منظم عن طريق الحوار مع الدول المجاورة للعراق بما فيها سورية وإيران اللتان تشهد علاقة الولايات المتحدة مع كل منهما توتراً شديداً، فمن قطيعة تامة مع إيران إلى وقف إتصالات مع الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية مع سورية.

العضو البارز في اللجنة روبرت غايتس عن الحزب الجمهوري وهو من فريق الرئيس جورج بوش الأب تولى وزارة الدفاع خلفاً لصقر الإدارة دونالد رامسفيلد. لكن ما حصل ورغم وصول غايتس إلى هذا الموقع شهدنا ردة فعل من الإدارة والرئيس بوش شخصياً مختلفة عن ما كان الكثير يتوقعه من استجابة لتوصيات المجموعة.

إن تعزيز القوات الأميركية بزيادة عديدها نحو عشرين ألفاً من أجل تنفيذ خطة أمنية في بغداد يشكل محاولة أخيرة من قبل الإدارة الأميركية لإبتداع حل أو خلق وضع يوفر استقراراً سياسياً أكثر. ففكرة "تنظيف العاصمة" أو تأمينها وترك الأطراف لحالها تبدو بمثابة الخيار العسكري الأخير لتحويل العراق إلى أفغانستان أخرى حيث يقتصر وجود السلطة المركزية على العاصمة كابول فيما يهيمن أمراء الطوائف والجماعات القبلية والإثنية على أطراف البلاد، يهادنون قوات إيساف أو يقاتلونها حسب ما يرونه مناسباً.

وإن كانت الشكوى في أفغانستان توجه إلى باكستان وفشلها في وقف إمدادات الدعم للطالبان ولبقايا تنظيم القاعدة، وتتصاعد هذه الشكوى أحياناً وتصل إلى درجة الإتهام الذي وجهه مراراً الرئيس قرضاي إلى الرئيس الباكستاني مشرف ما اضطر هذا الأخير إلى شن حملات عسكرية في منطقة وزيرستان على الحدود بين البلدين من أجل إظهار صدقيته في محاربة الطالبان وتالياً في دعم حكم قرضاي في أفغانستان.

سوف تستغرق عملية تحويل بغداد إلى كابول وقتاً طويلاً، وهي لن تشهد النجاح فالأخبار ترد يومياً عن إنفجارات وتقاتل طائفي ومذهبي وعمليات ضد القوات الأميركية وقوات التحالف وعمليات ضد الجيش وقوات الشرطة، في الوقت الذي تتحدث الأنباء عن فرز طائفي للأحياء البغدادية وفرار الأقليات إلى الأحياء التي تشكل أكثرية فيها مع بقاء أقسام كبيرة من المدينة محيرة.

هل فرز بغداد أو تقسيمها إذا صح التعبير، يجلب الهدوء والإستقرار كما يظن الأميركيون أو كما يأملون من تنفيذ خطة بغداد، قطعاً لا، فالتقسيم هو دافع إضافي لمزيد من المقاومة للإحتلال الذي يعتقد العراقيون جميعاً بأنه سبب مأساتهم الراهنة.

هل تستطيع التظاهرات العسكرية الأميركية في تهديد جيش المهدي وقصف مدينة الصدر بالطيران إلى إختراع معركة عنيفة ودموية قرب النجف ضد تنظيم شيعي مجهول وكبير في الوقت نفسه.

كيف يكون بهذا الحجم بحيث يقتل منه في معركة واحدة أربعماية شخص ويكون مجهولاً من الساسة العراقيين ومن جميع وسائل الإعلام الكثيرة المنتشرة في أنحاء العراق. هل تظاهرة ضرب الشيعة تؤدي إلى كسب ود السنة حسبما يأمل منظرو خطة بغداد. قطعاً لا، فإن قتل الشيعة لا يؤدي مطلقاً إلى كسب السنة، الذي وبالمنظور الطائفي والمصلحي خسروا الكثير عندما احتلت القوات الأميركية بلدهم لذلك كان قرار الإستمرار في المقاومة واضحاً وأبرز دليل إستمرار العمليات في الأنبار وسقوط قتلى أميركيين بشكل يومي.

يبدو أن خطة بغداد هي بمثابة نهاية المطاف في الرحلة العسكرية الأميركية إذ أن نمط تنفيذها الحثيث يترافق مع إجراءات معارضة حثيثة في الكونغرس الأميركي لقرار تعزيز الوجود الأميركي في العراق. فمع بداية تنفيذ الخطة لوحظ تصاعد في مواقف الديموقراطيين المعارضة للحرب، كما لوحظ ازدياد معارضة الجمهوريين ولوحظ لأول مرة نزول مظاهرات ضد الحرب في واشنطن ولوس أنجلوس وسان فرانسيسكو وإحداها حملت نعوشاً رمزية لقتلى أميركيين وهو المشهد المثير للرأي العام الأميركي دائماً وخصوصاً عندما حرصت وزارة الدفاع الأميركية على تفادي ظهور هذا المشهد في وسائل الإعلام.

إذا سارت الأمور على هذا النحو فإننا نقترب من مرحلة قريبة تحقق فيها القوات الأميركية وضعاً ما في بغداد، لن يكون وضعاً مستقراً ولا ثابتاً وتحقق في هذه المرحلة معارضة الحرب في الولايات المتحدة إنجازات سياسية تتصل بقرارات تمويل الحرب التي يبدو أن الكونغرس مقبل عليها في أول خلاف من نوعه بين السلطتين في هذه الديموقراطية العريقة.

عبثاً يحاول بوش وأركانه لاقناع الشعب الأميركي باستمرار الحرب رغم طرح معقول لا يجوز أن نهزم، هذا المنطق لم يربح مع المواطن الأميركي ولم يربح في الكونغرس وهو لا يربح في العالم أجمع.

عبثاً يحاول بوش وقادته العسكريون تحويل بغداد إلى كابول ولو سلمنا جدلاً أنه حقق مقداراً ما فاين الأطراف ؟ والكل يدرك تواصل الأطراف السياسي والإجتماعي والإقتصادي والطائفي والإتني المركز في بغداد بخلاف التباعد الواضح في أفغانستان حيث تمارس السلطة القبلية في الأطراف دونما حاجة إلى المركز.

هل نشهد في نهاية هذه المرحلة إنسحاباً سريعاً ومفاجئاً للقوات الأميركية يترافق مع تحميل المسؤولية لإيران وللحرس الثوري (يتكاثر الحديث عن وجود الحرس الثوري الإيراني في العراق) وحثّ السعودية على التدخل لحماية السنة وتتحق أحلام المحافظين الجدد في نشوب حرب عرقية عربية إيرانية تحمل بين طياتها حرباً طائفية سنية شيعية تتسع ساحتها إلى كل الدول التي تضم مسلمين شيعة بين سكانها تؤدي هذه الحرب إلى الإنتقام من حزب الله جراء مقاومته الناجحة في حرب تموز وإغراق المنطقة بأكملها في أتون نزاعات طويلة الأمد لا يسود فيها إلا إسرائيل التي يبحث قادتها ومفكروها في مؤتمر هرتزليا عن مراضاة السنة العرب لمواجهة الخطر الإيراني.

إن تجارب تاريخ المنطقة غنية بالسوابق فقد ظن الصليبيون كثيراً أنه بإمكانهم التفريق بين المسلمين العرب ونجحوا في نسج تحالفات لكنها في النهاية آلت إلى الزوال وحانت ساعة الحقيقة وغادر الصليبيون بلادنا إلى غير رجعة.

ألا يتعلم أحد من الماضي. إن ما يعقب الإنسحاب المفاجئ هو خطيراً (تذكروا الإنسحابات الإسرائيلية المفاجئة من لبنان والتي جاءت مخالفة لما جرى الإتفاق عليه مع الأميركيين والسلطة اللبنانية في حينه من تنظيم للإنسحاب والمحافظة على الأمن)، وسوف يكون أخطر من الدخول الأميركي، سوف يكون مريحاً للأميركيين الذين لن يعنيهم أي تدهور في أوضاع العراق طالما أن قواتهم ليست هناك.

يبقى سؤال جوهري، أين المصالح الأميركية في هذا الإنسحاب وأين النفط تحديداً، والجواب أنه يمكن الإستغناء عن النفط العراقي الذي جرى سابقاً ولفترة طويلة الإستغناء عنه، كما يمكن الإستغناء عن النفط الإيراني والذي جرى سابقاً الإستغناء عن قسم منه، لكن حماية الساحل الغربي للخليج تبقى مهمة أساسية وحيوية على القوات الأميركية تنفيذها.

 

غسان يوسف