العدد التاسع عشر - شباط 2007

ابن رشد وأثره في الفلسفة الغربية

د. ماري شهرستان
الخميس 15 شباط (فبراير) 2007.
 

يكشف الأخصائي في الفلسفة القروسطية آلان دي ليبيرا النقاب عن الدور الحاكم للمفكرين العرب- المسلمين، الذين نشروا الميراث اليوناني من بغداد الى الأندلس وتوسعوا به، وعن جهود الفيلسوف ابن رشد الفعالة، الرامية الى التمييز بين الايمان والمعرفة.

وفي ما يلي نص الحوار الذي أجرته مجلة الفلسفة الفرنسية Philosofie Magazine مع الفيلسوف الفرنسي دي ليبيرا، والمنشور في العدد 4 تشرين الأول - تشرين الثاني 2006.

ما هو توجه وأهمية ما يسمى في الاندلس بـ"اسلام الغرب" ؟

يعود تاريخ الفلسفة القروسطية جزئياً إلى الدراسة والتداول طويل الأمد للفلسفة اليونانية من قبل المسلمين واليهود ومسيحيي الغرب. لعب الأندلس، حيث كانت تتعايش "ديانات الكتاب" الثلاث، دوراً حاسماً في هذا المجال، حيث لم يلعب فلاسفته دور الوسطاء فقط: بل انتجوا فلسفة خاصة بمجتمعهم وبديانتهم وعصرهم.

 

كيف انتشرت الفلسفة اليونانية في ارض الاسلام وارض المسيحيين في القرون الوسطى؟

 

الفلسفة المسماة "قروسطية" هي فلسفة غريبة ومتنقلة. غريبة لأن اليهود اطلقوا عليها هذه التسمية، واعتبرها المسلمون "علم من الخارج"، غريب عن حياتهم الجماعية. ومن أسباب هجرة الفلسقة وترحالها، إغلاق جوستينيان المدرسة الافلاطونية الحديثة في أثينا عام 529، حيث انطلقت منفية على دروب الهجرة من بيزنطة إلى بغداد، ثم من افريقيا (تونس حالياً) إلى الاندلس ومن طليطلة إلى باريس. إن هجرة الفلسفة من أثينا إلى بغداد جعلت العرب يتمكنون من الثقافة الفلسفية اليونانية حيث تمت أكبر عملية ترجمة شهدها الاسلام الكلاسيكي للأعمال الفلسفية والعلمية. أما الرحلة الثانية الكبيرة للفلسفة فقد قادتها من الشرق الاسلامي إلى الغرب الاسلامي، وكان ذلك عبر ترحال النصوص والمخطوطات. ادى هذا التحوّل إبّان حكم المرابطين والموحدين[1] إلى إنتاج العصر الذهبي للفلسفة الاسلامية في اسبانيا: وهي فلسفة ابن باجا وابن طفيل وابن رشد

 

هل يمكننا القول ان اعمال ارسطو وافلاطون قد تم حفظهم وتم ردّهم إلينا بفضل ترجمة العرب والمسيحيين واليهود القاطنين في العالم العربي- الاسلامي؟

 

آلان دي ليبيرا دون ادنى شك مع فروق دقيقة: بفضل المسيحيين في ارض الاسلام اثناء حركة الترجمة العباسية الكبيرة، ثم بفضل اليهود والمسيحيين في اسبانيا المسيحية في القرن الثاني عشر. ففي طليطلة المستردَّة (1085) تم اكتشاف الفلسفة من قبل المسيحيين، وهنا تم ترجمة اهم فيلسوف مشرقي وهو ابن سينا، ومجموعة كتابات ارسطو او الاريسطوطاليسية المنحولة التي شكلت جزءً من المدونة الفلسفية في جامعة باريس التي تأسست عام 1200 م. فالاندلس هنا لم تلعب أي دور .

 

نميّز بين الإسلام الشرقي والإسلام الغربي. لكن هل يتواجد هذا التمايز الجغرافي في "الأفكار الفلسفية؟"

 

منطقة المتوسط في القرون الوسطى تتألف من ثلاثة أقطاب: الرومنة، أي بقايا الامبراطورية الرومانية القديمة، والمسيحية التي تتطابقت عليها، والاسلام حيث الجزء الغربي منه كان يرى نفسه وريثاً لروما. وهذه الأقطاب مقسَّمة إلى: الرومان البيزنطيين في الشرق ضد "الفرنك" في الغرب، وكاثوليك الغرب ضد اورثوذوكس الشرق، ومسلمو المغرب ضد مسلمو المشرق (الشرق العربي)، والاندلس ضد السوريين والبغداديين.

الانقسامات في قلب الاسلام طالت العلاقات بين الحقوق والفلسفة واللاهوت الاسلامي - أي الكلام. فمن الجهة المشرقية، عمقوا الموروث اليوناني (افلاطون وأرسطو) ودمجوه في الثقافة الاسلامية وأحياناً في الصوفية. إن برنامج دراسات مدارس اثينا والاسكندرية كانت تحلل انتاج أرسطو الذي كانوا يسمونه "الأسرار الصغيرة" كمدخل لا بد منه لدراسة الفلسفة الحقيقية ، "الاسرار الكبيرة": "حوارات" افلاطون.

من جهة المفكرين الاندلسيين المسألة التي كانت تطرح على الدوام هي العلاقة بين الفلسفة والدين. ففي كتاب "تدبير المتوحد" "لابن باجة" قال فيه:"الزمن هو ثورة مستمرّة وكل شيء ينتهي بالموت" لكن المؤرخين العرب وصفوه كالتالي:"غير متحيّز للدين ويتهرب من كل ما هو منصوص عليه في القانون الإلهي". اما حي ابن يقظان لابن طفيل فهو منغمس في النظريات الشرقية، ويقول بعضهم ان فيه مذهبا" باطنيا" او صوفي. واما ابن رشد فهو معاد جداً لـ"مزيج الفلسفة والدين" في كتابات المشرقيين. فبالنسبة إليه، لم يأتِ التنوير من المشرق بل اتت الظلمات: فالـ"حكمة الشرقية" المفترضة، التي فيها "اسرار" "ابن سينا" والتي تتحدث عن الانجذاب الذي فيه

"يصبح الكائن الداخلي مرآة جليّة موجَّهة نحو الحقيقة"، لا تأتي من فيلسوف بل من رجل دين. فالضياء والاستضاءة العقلية، هي وسائل نقل للظلامية. ومن هنا يلجأ ابن رشد إلى تمجيد الأريسطوطاليسية النقية والحاسمة، كخطاب العقل.

 

ما هي اهمية قراءة ارسطو بالنسبة إلى هؤلاء المفكرين؟

 

كل فلسفات القرون الوسطى ورثت رؤية افلاطونية مستحدثة للفلسفة: أرسطو للقواعد، وأفلاطون للذروة، العلم (الأريسطوطاليسي) كتهيئة للحكمة (الأفلاطونية).

احتفظ مسيحيّو الغرب بالبنية نفسها واضعين فلسفة (أرسطو) في خدمة اللاهوت (الوحي). فاتخذ لاهوت آباء الكنيسة مكان "الأسرار الكبيرة" التي كانت تُدرَّس سابقاً في مدارس اثينا والاسكندرية.

في الاسلام تمثل أعمال ابن سينا نموذجاً مثالياً لهذه القراءة الأفلاطونية المستحدثة لأرسطو. حيث ادّت به إلى إدخال مواضيع وأفكار شرقية بحتة: نظرية عن النبوّة، وعقيدة الاستضاءة العقلية والاتحاد الصوفي الذي كان يصفه على مراحل ودرجات، التي كانت تحاول تقريب الفيلسوف من النبي.

أتى الاصلاح من الشروح الكبيرة لابن رشد حول ارسطو الذي كان يريد ان يرقى إلى أصالة أرسطو. فابن رشد أراد العودة إلى العلم النقي: الفلسفة "الطبيعية" والعقل البرهاني المقنع،والترابط بين المذهب التجريبي وبين العقل، أي بكلمة واحدة الأرستوتاليسية. إذ ان ابن رشد كان شديد الشغف بأرسطو وبشكل ٍ حقيقي: فقد قال عنه:"أرسطو، قد اخترع واكمل المنطق والفيزياء والماوراء" ومن اجل ذلك يستحق ان يُعتبَر كإله لا ككائن بشري". 

 

ما هي اهم إشكاليات فلاسفة اسلام الغرب؟

 

إنها جزئياً إشكاليات الفلاسفة القدامى: علم المنطق، الفيزياء والماوراء، وعلم الفلك والتنجيم، واحياناً الطب. لكن، وفق "فوكو" هناك خصوصية لاسلام الغرب: الأهمية المولاة لـ"لاهتمام بالذات" أي الترابط بين معرفة الذات و"هداية الذات" ضمن قيم لا تتحول إلى إطاعة القانون. ففي "تدبير المتوحِّد" وفي "حي ابن يقظان" تحتل مسألة ضبط النفس موضعاً مركزياً. فكل الفلسفة تتمحور حول هذه المسألة:

 

"كيف نعيش بشكل ٍ جيد في مجتمع ٍ لا يزال ناقصاً، وكيف نحكم انفسنا في بلدة محكومة بشكل ٍ سيئ؟؟

ففي الواقع تبدو هذه المسألة رواقية - كيف نعيش اخلاقياً بشكل ٍ عادل، ضمن مجتمع غير عادل سياسياً؟ حيث يتم طرح هذه المسألة في سياق ٍ ديني جديد يتيح الأمل في تحقيق مجتمع ٍ كامل ٍ.

أعطى المفكرون الاندلسيّون بعداً سياسياً ودينياً لـ"موضوع المواطن" في ارض الاسلام، ملحقين به مسالة جوهرية وهي النشاط الفلسفي في مجتمع ٍ اسلامي. فقد طرحوا وحلّوا ضمن تشاؤم ٍ متناقص: فابن باجة باسلوب تنسكي حضري، وابن طفيل بحياة تنحصر في توحد اثنين، بينما ينادي ابن رشد القوى العامة لإسكات اللاهوتيين. لكن هذا النداء لا علاقة له مع تمجيد التسامح ولا مع مديح دور "الفيلسوف المربّي". فابن رشد ليس رجل انوار انما هو مفكر مسلم يحاول ان يحمي الشعب والنخب من ديكتاتورية "المذاهب التي مزَّقت الاسلام". هدفه هو تحييد اللاهوتيين. لكن نهجه ليس ديمقراطياً: ففي نظره ينبغي ان تكون الفلسفة غير مرئية واللاهوت صامتا".

 

هل قارب فلاسفة الاندلس معاصريهم من الاوروبيين اللاتين؟

 

كلا، فهم لم يعرفوهم ولم يقرؤهم. ربما "بيير آبيلار" استطاع ان يعلم شيئاً عن ابن باجة، كما نستدل من مقاطع عديدة عنده، في الحوار بين فيلسوف ويهودي ومسيحي، مما يجعلنا نفترض ذلك. لكن بالمقابل لم يسمع فلاسفة الاندلس عنه شيئاً يُروى.

 

كيف تفسر غياب الفلسفة بعد الاندلس وانغلاق الاسلام على نفسه؟ لقد سبق وكتبتَ:"لقد توقف العالم الاسلامي عن ترجمة القدامى، ولم يظهر له محدثون أبداً".

 

الاسلام الغربي لم يكن غربياً سوى بمعارضته للاسلام الشرقي. فالسلطات الاندلسية لم تتبنّ سياسة الترجمة ولم تتابع في الغرب الديناميكية البغدادية. كان ابن رشد  معاصراً لارسطو اكثر من علماء المنطق الباريزيين في نهاية القرن الثاني عشر. فعندما توقف العالم الاسلامي عن الترجمة، انكفأ على تاريخ فلسفته الخاصة. ولغياب عوامل التطوّر، تحجرت اريسطوطاليسيته.

 

ماذا بقي من وجود الاسلام الفلسفي في الغرب؟

 

من اعوام 1200 إلى 1600، في المرحلة التي كان فيها التعبير:

"فيلسوف عربي" هو بمثابة "لغو"، قرأ اللاتين ابن رشد وتعلموا التفلسف. فالمفكر المسلم الاندلسي إذاً هو الذي جسّد، مع ارسطو، العقلانية الفلسفية في الغرب المسيحي خلال اربعة قرون. ومن هنا انطلق نجاحه الادبي حيث تبع ذلك الطباعة في البندقية اعتباراً من عام 1477؛ حيث منها اتى مزيج الاستيهامات والجدليات التي تركزت حوله. فكان موقع ابن رشد، الفيلسوف والعربي، في العالم المسيحي،  ملتبساً كالتباس الفلسفة تماماً حيث هو في آن ٍ معاً أداة ضرورية لكن صعبة المراس.

اما انطلاقاً من القرن التاسع عشر اصبح الحضور الفلسفي الاسلامي في الغرب موضوع ممارسة منهجية للنفي والانكار. فقد اكد إيرنست رينان ان الموروث العربي هو موروث فارغ إذ يقول في كتاباته: "ليس للساميين افكاراً خاصة بهم" وفي الفترة الاستعمارية وما بعدها قيل:"ان ما فعله العرب هو مجرد نقل العلم اليوناني إلى اصحابه الشرعيين: أي الاوروبيين". لكن هذا الزمن ولىّ:

 قد تمَّ إدخال فلسفةابن رشد مع الكتاب والمؤلفين في برنامج البكالوريا (الفرنسية).  فما اسميته عام 1989 بـ"الإرث المنسي" اصبح موضوعاً لإعادة اكتشاف جماعي سريع.

 

في مقدمتكَ لابن رشد  تبرز حداثة هذا النص: حتى من وجهة نظر الشريعة الاسلامية. إنه يدافع عن الضرورة الملحة لممارسة العقل.

 

"الخطاب الحاسم" هو نداء إلى الجهد الشخصي، الذي يأخذ سلطته من الطابع العالمي للوحي القرآني، إذ بما أن القرآن يتوجّه إلى كل فرد، فهو ايضاً يتوجّه إلى البشر ذوي "الفكر العميق" ويدعوهم إلى المهمة الصعبة التي هي التفسير العقلاني. فمن  عنده المقدرة، هو مدعو لذلك، حيث تكون الفلسفة فاضلة والزامية ولا مفر منها.

إن نهج ابن رشد في المناقشة مبني على مفاهيم، حتى الأصولي لا يمكن له ان يرفضها، بدءً بـ"الاجماع". فباسم الاجماع يضع رجال الدين العراقيل في وجه المبادرات الفكرية. عندما يبرهن ابن رشد ان الاجماع لا يمكن التوصل إليه فيما يخص بعض المواد، كما انه لم يحصل في الماضي ابداً، يكون قد اطلق فكرة ثورية.

فكل مدع رافض، عليه ان يقدم براهينه. وعليه ان يثبت ان النظرية التي يدينها كانت على الدوام مدانة بشكل ٍ صريح وبالإجماع، من قبل القضاة والعلماء. 

الموضوع هو،  لغياب الشهود المستوعبين، ما من احد يمكنه ان يدعي ضد منافس له بانه "خرق الاجماع". ينبغي التحدث مع المدعي بلغة المدّعي لتحييده. وهذا الامر كان غير ممكن في القرن الثاني عشر إذ لم يكن هناك لا تسامح ولا دراسة حرة، انما كان من الممكن ان يؤدي إلى ذلك. لكن هذه المحاولة كانت بحاجة إلى دعم مؤسساتي دائم كي تصبح دائمة وثابتة، لكنها لم تلقَ سوى دعماً سياسياً مؤقتاً، ولذلك فشلت.

 

كيف ترى العلاقات الحديثة بين الاسلام والفلسفة والغرب الحديث؟ ماذا جلب التراجع التاريخي والفلسفي على هذه المسألة الحسّاسة؟

 

هناك صفاء عظيم وامل في جميع الاحوال. التراث الفلسفي واللاهوتي الاسلامي قد تم الاعتراف به في يومنا الحاضر على انه ميراث الانسانية وذلك من قبل عدد كبير من الفلاسفة ومن معظم المؤرخين. لقد اعيد دمج الفلسفة العربية في تاريخ الفلسفةالعامة، و"الكلام" في الأساسيات الدينية. فتضاعفت برامج البحوث في كل مكان. وتراجعت فجوة النسيان وكره الجانب بخطى مماثلة.

اما بالنسبة إلى الفلسفة فتبقى ما كانت عليه على الدوام: غريبة، رحّالة، هشة، ومهددة.

ترجمة الدكتورة ماري شهرستان

 

 

 


 

[1]  المرابطون والموحدون: شهد التاريخ خلال سبعة قرون للوجود الاسلامي في الاندلس, امبرطوريتين كبيرتين للبربر- الأفارقة, وهم المرابطون (1086-1147) "مجاهدو الاسلام" الذين سادوا في اسبانيا المسلمة قبل ان يطردهم منها الموحدّون وهم مجموعة سياسية - دينية مختلفة.