العدد التاسع عشر - شباط 2007

أولويات الوحدة والنهوض في خطاب الإمام السيد محمد حسين فضل الله

هند عبيدين
الخميس 15 شباط (فبراير) 2007.
 

ليس بين العروبة والإسلام تضاد، بل تكامل ووئام، وقد نزل الإسلام على العرب أولاً وبلسانهم، وانتشر في العالمين بعزمهم، وقد جاءت في العربية آياتٌ محكماتٌ تذكرها بالذات، وتدلل عليها بالاسم، فلا يعقل بعدها أن يكون هذا الكم من الآيات القرآنية بلا مغزى. ولا يعقل أن لا يفكر المرء بمعناها.

ففي سورة الرعد: (وكذلك أنزلناه حكماً عربياً ولئن اتّبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق).

وفي سورة الزمر: (قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتّقون).

وفي سورة فصلت: ( كتابٌ فصّلت آياته قرآناً عربياً لقومٍ يعلمون).

وفي سورة الشعراء: (نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسانٍ عربي مُبين).

وفي سورة الشورى: (وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها...).

وفي سورة الزخرف: (إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون).

وفي سورة الأحقاف: (... وهذا كتابٌ مُصدِّقٌ لساناً عربياً لينذر الذين ظلموا وبُشرى للمحسنين).

وفي سورة طه: (وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرّفنا فيه من الوعيد لعلهم يتّقون أو يُحدِث لهم ذكراً).

من هنا نرى الارتباط الوثيق بين العروبة والإسلام. إذن، لا مبرر على الإطلاق لمعارضة الإسلام بالعروبة أو العروبة بالإسلام، إلا إذا كانت العروبة جاهلية، أو كان فهم الإسلام شعوبياً مشوهاً، والفهم الشعوبي للإسلام يستخدم دوماً للسيطرة على العرب والمسلمين من الخارج ولتخريب علاقتهم ببعضهم البعض. وفي زماننا المعاصر، فإن أي خلاف إن وجد ما بين الوطنيين والإسلاميين لا يجد سنده في القرآن الكريم أو الدين، بل في قضايا السياسة، والأسلم إسلامياً وقومياً أن يتفقوا، لا أن يختلفوا، لمواجهة أعداء الأمة المشتركين.

وبما أنّ القومية العربية هي العروبة في الزمان والمكان والبشر والانتماء، فإن لها نشأتها الخاصة لكونها شكلت في الحياة العربية واحدة من البديهيات التي احتلت مكانها في وعي الإنسان العربي منذ فترات موغلة في قدمها التاريخي. نجد التعبير عنها في الشعر الجاهلي عندما كان الشعراء يتغنون بانتمائهم للعرب، ونجدها في الموقف القومي المبكّر في الهجوم الحبشي على مكة ونجدها في القرآن الكريم وخاصة بتأكيده على أنه جاء بلسان عربي وهو الصوت السماوي الذي أبلغه الرسول العربي إلى العرب في مكة والمدينة، دعوة لدين جديد جاء ليكون رسالة للعرب وعروبة تجابه وتناهض موقف الغساسنة والمناذرة من جهة، وتستنكف عن الإغلاق داخل حدود مكة من جهة ثانية.

فالإسلام في حقيقته الصافية نشأ في قلب العروبة وأفصح عن عبقريتها أحسن إفصاح، لذلك كان الإسلام تجدداً للعروبة وتكاملها. وفهمه للأشياء كان بمنظار العقل العربي والفضائل التي عززها كانت فضائل عربية ظاهرة أو كامنة، والعيوب التي حاربها كانت عيوباً عربية سائرة في طريق الزوال، والمسلم في ذلك الوقت لم يكن سوى العربي. ويمكن القول بأن الإسلام هو وثبة العروبة إلى الوحدة والقوة والرقي. وبأن العروبة قد شكلت الحاضنة الشرعية للإسلام.

بهذه الأفكار العربية الإسلامية الراقية يتحدث سماحة الإمام السيد محمد حسين فضل الله الذي يرى ومن خلال فكره الحر الثاقب المرتكز على الثوابت الإسلامية وتطورات الزمن بأن العروبة سباقة على الإسلام ولكن الإسلام وبحكم أنه شكّل الحركة العربية الأولى في حياة العرب، أضاف إليها الكثير، وارتقى بها ثم أغناها حتى تصل إلى مستوى الدور الذي سيكلفها به. وحينها يتحول ويصبح روحها ورسالتها الخالدة، وتجربتها التاريخية، لأنها انقادت بآياته وتعاليمه وقيمه.

ومن أجل أن يصل الإسلام إلى غاياته في الحياة العربية جعل من تعاليمه المرشد للتحولات والتغيرات المطلوبة في بنية المجتمع العربي، وكان عليه أن يحدد مهام الجيل العربي المسلم الجديد بعد أن أبان وحدد خصائص ومعالم وأخلاقية حمل الرسالة وتبليغها. وكان الإسلام العقد الاجتماعي الذي ينظم ويرسم العلاقة والمهام والأدوار للفئات الاجتماعية التي يتكون منها الجيل العربي المسلم. فارتقى الإسلام بانتماءات هذه الفئات ونهض بها إلى مستوى أركانه وتعاليمه.

ويتابع سماحة الإمام فضل الله قائلاً: إذاً، هناك حالة عربية جديدة كان فيها العربي هو المسلم، وكان الإسلام عقده الاجتماعي الذي كان يعني من جملة ما يعنيه أن الانتماء للإسلام هو الانتماء للعروبة، لأنها أصله وجذره وعمقه، ولذلك مثل شرعية لهذا الجيل.

إن التواصل والتجاذب المتواصل بين الوطنية والعروبة والإسلام يرفض أي مستوى من تغييب أو انتزاع من أضلاع المثلث العربي: العروبة، الإسلام، الوطنية. لأن التغييب يجعل المشهد العربي على غير صورته الحقيقية.

وفي سبيل تحديد أولويات الوحدة والنهوض يقول سماحته: نحو أمّة تعتزّ بتراثها حيث يلعب الماضي دوراً أساسياً في ذهنية العربي، والمنطلقات الدينية جزء هام من منظوماتنا المعرفية. وكذلك نحن أمّة، للدين ـ مهما كان مفهومه ـ دور وأيّ دور في صياغة حياتها، ولذلك أرى أنّه من الصعب على أي مفكّر أن يتقدّم بنظرية عن الترقّي أو التقدّم أو الحضارة من دون أن يأخذ بعين الاعتبار هذه الحقيقة، نحن العرب والمسلمين الوحيدون الذين يجعلون من ماضيهم عبئاً على حاضرهم، عبئاً ينؤون به بدلاً من أن يجعلوه طاقة ومحرضاً ومحركاً في دوّامة العصر، كثير من الأمم تتمنّى أن تكون لها عراقة، لكننا وحدنا نفخر بتراث لا نفيد منه، نجعله مجدنا التليد ولا نستلهمه، ولا نستعمله بشكل إيجابي ولمصلحة واقعنا الحالي وتطوّرنا المنشود.

علينا أن نرى هذا التراث من خلال خطوطه العامة وحركيّته دون تثبيته أو الخوض في تفاصيله، أن نعيد قراءته وإنتاجه بشكل نقدي أو تحليلي، منطلقين من الواقع وليس منه، والفرق هنا كبير بين قياس الشاهد على الغائب وشدّ الحاضر إلى الماضي، وبين قياس الغائب على الشاهد وشدّ الماضي إلى الحاضر.

علينا أن نأخذ من التراث أطروحاته التي تقترن بالترقّي وبالتقدّم وسماته الإيجابية وهي كثيرة وأن نهمل ما عداها من قيم سلبية لامست عصرها ثم انقضت بزوال أسبابها، نحن عندما نشير إلى الإسلام فإنّما نعني به الإسلام الحضاري الذي يحتضن المدنية ويقترن بها، وهذا المعنى يتضمّن بعدين: بعد التوحيد لا الاختلاف، وبعد القوّة والتقدّم لا بعد الوهن والعجز والتخلّف، وعن طريق هذين نصنع أفق المستقبل.

وعندما يُطرح موضوع الهوية العربية أم الإسلامية أيهما؟!! يقول سماحة الإمام السيد محمد حسين فضل الله: قد نتحدّث عن الهوية والخصوصية ولكن ذلك لا يعني (دمغة) ثابتة نلزم بها أنفسنا وإنّما علينا أن نتصوّر هذه المفهومات ضمن حركيتها المتأثّرة بالسيرورة والهادفة إلى الصيرورة معاً.

ويستدرك سماحته ليتساءل معنا: ألسنا بحاجة إلى أن (نهندس) العقل العربي، وأن ننظّم له خريطة تفكيره في أن يتحرك وفق رؤية موضوعية، تُبعده عن الخرافة والتخلّف.. لأن قضيتنا أن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، ونحن نتحرك في الخارج من خلال طريقتنا في التفكير من الداخل... إن المقولة الصحيحة هي: (غيّر فكرك تغيّر الواقع)، (غيّر نفسك تغيّر التاريخ)، ولكننا ندمن الماضي، وندمن التخلّف، وحتى أننا حوّلنا التخلف إلى مقدّس، والأكثر بشاعة من ذلك أننا نحوّل الحقد إلى مقدس، وأصبحت قضية الحقد والحديث عنها في أدبياتنا حقداً مقدساً، ولا أدري كيف يكون الحقد مقدساً؟ فالحب هو المقدس الذي يجعلك عندما تواجه عدوك، تواجهه لتقتل فيه عداوته، ولتحوّله إلى إنسان آخر لتنطلق إنسانيته صافية من كل العداوة.

وهناك حديث شريف يقول: إن الله يحب العبد ويبغض عمله، والإنسانية عندما نزيل عنها كل هذا الركام من التخلّف وغيره، تصبح ينبوعاً صافياً، وعندما نؤنسن الإنسان كله تصبح الحياة ينبوعاً يتدفق بكل صفاء. تلك هي القضية التي ينبغي أن ننطلق من خلالها لهندسة العقل العربي.

وفي هذا الإطار نحن بحاجة إلى أن (نهندس) إسلامياً أسلوبنا في الخطاب مع الآخر، وفي خطاب بعضنا البعض، فلا ننطلق من حالة معقدة في النفس، بل ننفتح على قلب الآخر، لأننا عندما نهندس الطريق إلى قلبه نصل إلى عقله، لأنه إذا ربحت قلب الإنسان انفتحت لك كل السبل إلى عقله، ولكن مشكلتنا أننا لا نفقه لغة القلوب، لأن لغة القلوب تنطلق من معنى الإنسان الذي يعيش مشاعره وأحاسيسه وتطلعاته وأحلامه وكل المعاني الرقيقة في نفسه..

إننا بحاجة إلى أن نربح القلوب حتى نفتح العقول، ولا أدري كيف يفكّر الذين يحملون الأيديولوجيات والعقائد أن يربحوا عقول الناس وهم يحملون النفي لهم وعدم الاعتراف بهم في نفوسهم.

إنك لا تستطيع أن تربح إنساناً إلا عندما تعيش إنسانيتك في إنسانيته، وإنسانيته في إنسانيتك، وقد حدثنا الله تعالى عن رسوله: (فبما رحمة من الله لِنتَ لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك)، (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم). هذه النبضة الإنسانية نحتاجها في كل هذا الصراع الذي نعيشه في حياتنا، وذلك حتى نتمكن من أن نهندس الطريق إلى قلب الإنسان وعقله.

تمثل شخصية سماحة الإمام السيد محمد حسين فضل الله مرجعية متكاملة في الدين والسياسة والعلم، وتلقى أفكاره الدينية (التنويرية) إقبالاً واسعاً من الأجيال الصاعدة ومن جمهور المثقفين، كما أنها تأخذ الطابع الوطني بالإضافة إلى طابعها الإسلامي، وقد تميّز سماحة الإمام فضل الله على مدى مسيرته العلمية الطويلة بتمسكه بالثوابت الإسلامية التي جعل منها جسوراً للعلاقة مع الآخرين، فلا مشكلة لديه في الحوار مع العلمانيين والقوميين، حتى مع بعض الإسلاميين الذين قد يرمونه ببعض التهم.. لا خطوط حمراء عنده في الحوار، عاش القلق السياسي وبدأ يفكّر بعمليات التغيير، نشأ إنساناً يعيش كثيراً من قلق الفكر والبحث يفتش ويحاور، يقول سماحته: يصنفنا الغرب كعرب ومسلمين في عالم واحد وحضارة واحدة، ويخوضون الصراع مع الإسلام تحت دعوة صراع الحضارات، ولكننا بين بعضنا البعض لسنا بواحد (كتلة واحدة)، ولكني أتصور أن مسألة الوحدة العربية والإسلامية هي من الممنوعات الدولية من قبل دول الاستكبار العالمي، وكل الوحدات ممنوعة حتى الوحدة الوطنية، لأننا إذا توحدنا وطنياً أو إسلامياً أو قومياً، فلن يستطيع الاستكبار العالمي أن يأخذ حريته، ولا أعتقد أن وضع الساحة الإسلامية معقداً كما يقولون، باعتبار أن هناك إسلامات عدة كإسلام الجزائر أو إسلام السودان أو إسلام إيران. ولا عروبات متنوعة كعروبة مصر والسعودية وسوريا الصمود. ليست القضية كذلك فهذا كلام للاستهلاك السياسي، صحيح أن هناك اختلافاً في الأساليب، وتخلفاً في فهم الإسلام في بعض المواقع، لكن هذا التخلّف لا يمكن ان نسمّيه إسلاماً، والجهل كذلك. وعندما يجلس العلماء والمفكّرون والمثقفون والسياسيون الإسلاميون ويدرسون القضايا فلن يجدوا هناك زوايا مغلقة، والمشكلة أننا حبسنا أنفسنا في كهوف التعصّب وتحوّلت مواقعنا إلى زنزانات يحبس فيها كل إنسان نفسه حتى لا يقترب منه الآخر. وكذلك الانتماءات العربية وتفسيرات القومية.

إن الإسلام يمثّل قاعدة للفكر والعاطفة والحياة، وينطلق من خلال القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية، مما قد تختلف الاجتهادات في تفسيره وتأويله. إنهم يدخلون الإسلام في دائرة الإرهاب، متذرّعين ببعض العناوين المذكورة في الثقافة الإسلامية، كمفهوم الجهاد، أو متذرّعين ببعض الممارسات التي يقوم بها بعض المسلمين. ونحن عندما ندرس المسألة بعقل موضوعي اجتهادي، نلاحظ أن كلمة الجهاد في الإسلام ليست كلمة عدوانية يندفع فيها هذا المفهوم ليكون سيفاً مسلطاً على الناس، حتى يدخلوا في الإسلام بالعنف والقوة، أو ليصادر حياتهم، إن الجهاد في الإسلام ليس بدعاً من ألوان الصراع بين موقع وموقع آخر، فنحن نعرف أن كل الحضارات في العالم، تبرر لشعوبها دفاعاً عن أنفسهم أمام الذين يعادونهم أو يعتدون عليهم أو يقتلونهم، والجهاد في الإسلام شعاره: قاتل من يقاتلك، دافع عن نفسك، دافع عن المستضعفين.

والعروبة حالة إنسانية وإطار إنساني ينطلق من اللغة والتقاليد والعادات وإلى غير ذلك مما يتحدث به القوميون من عناصر القومية، والعروبة ليست فكراً ولا قانوناً ولا عقيدة بل حالة إنسانية بشرية تضم فريقاً من الناس يتفقون في بعض الخصائص، أما الإسلام فهو دين، وقيم وفكر وقانون ومنهج فأي مشكلة بين أن تكون عربياً ومسلماً؟! العروبة هي الإطار الذي يبحث عن الصورة، والإسلام هو هذه الصورة ـ هذا على الأقل ما يقوله المسلمون ـ وليس هناك تناف بين الإطار والصورة. عندما انطلق الإسلام حكماً عربياً وقرآناً عربياً ونبياً عربياً عاش العرب تجربة الإسلام بشكل عفوي بعد أن آمنوا به وأعطوه من جهدهم وأعطاهم الإسلام من قيمه وحضارته، ولم يعيشوا عقدة الجدل بين العروبة والإسلام وكذلك الفرس والأكراد. ولكن السؤال متى بدأ افتعال التناقض بين العروبة والإسلام؟ والجواب هو عندما انطلقت العروبة في الثلاثينات والأربعينات على الطريقة النازية في ظل شعار العرب فوق الجميع، وعندما برزت الشعوبية باعتبارها حركة تختزن في ذاتها العداء للإسلام، وتستهدف خلخلة الواقع الإسلامي. لقد انطلقت المشكلة حديثاً حين جرى إعطاء العروبة مضموناً غير إسلامي من خلال (أدلجة) العروبة، فمثلاً عندما تبنى (بعض) العروبيين في الخمسينات الماركسية، كان لابد أن تختلف هذه القومية العربية الماركسية مع الإسلام ليس لأن العروبة اختلفت مع الإسلام، ولكن لأن هؤلاء احتضنوا الماركسية، فإذاً، لا مشكلة بين العروبة أو الوطنية وبين الإسلام .أني أقول أنا جنوبي لبناني عربي مسلم شرق أوسطي. والله لم يلغ للإنسان خصوصيته بل أكد هذه الخصوصية وأعطاها الأفق الذي تتحرك فيه (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)، فالتعارف هو أن ألتقي بك من خلال حاجتي عندك في خصوصياتك وتلتقي بي، تعرفني وأعرفك من خلال طبيعة الحاجات الموجودة لدى كل واحد منا ويحتاج إليها الآخر.

اليوم نرى أن من له مصلحة في بث التفرقة بين المذاهب والطوائف وإشعال فتيل الفتنة المذهبية هو نفسه من يعمل على التفريق بين الإسلام والعروبة وبصدد تعليقه على الاتهامات التي رمت الطائفة الشيعية بعدم ولائها للأمة العربية يقول سماحته: أنا أتصوّر أن هناك من يحاول أن يوقد ناراً من خلال بعض التعقيدات التي يتوهّمونها ويحرّكونها، انطلاقاً من بعض المشاكل التي قد تتحرك في شكل العقدة المذهبية أو العقدة السياسية.

إننا عندما ندرس تاريخ الشيعة، في الأفق الذي تحركت فيه العروبة كخط سياسي، في عملية استقلال هذا البلد أو ذاك البلد، أو في مواجهة الاحتلال هنا والاحتلال هناك، نجد أن الشيعة كانوا من أشد الناس إخلاصاً لعروبتهم. ففي القرن الماضي، في سنة 1920، انطلق الشيعة من موقع النجف الأشرف بقيادة علمائهم لمواجهة الاستعمار البريطاني، في الوقت الذي كانت الخلافة العثمانية هي التي تحكم العراق، وسقط منهم الكثير من الشهداء في مواجهة الاستعمار البريطاني، وتحرّكوا بعد زوال الاحتلال العثماني ليتعاونوا مع كل العراقيين بعيداً عن كل إحساس طائفي. ولذلك، لم تحدث في العراق أي مشكلة طائفية بين السنّة والشيعة، على الرغم من أن الحكم كان للسنّة، وكان الشيعة خارج نطاق الواقع السياسي. ثم إذا درسنا المسألة في لبنان، فإننا نجد أن المسلمين الشيعة في المقاومة الإسلامية وفي حركة أمل، هم الذين واجهوا الاحتلال الإسرائيلي، وما زالوا يواجهونه، وهم الذين استطاعوا أن يحرروا لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، في الوقت الذي لم تستطع أي دولة عربية أن تحرر بلدها من دون قيد أو شرط. نعم بين إيران الثقافية التي تتحرك فيها المرجعيات الدينية، وبين الشيعة، علاقات فتوى وعلاقات فكر، ولكن نحن نعرف أن مرجعية إيران بالنسبة إلى الشيعة في العالم، ليست مرجعية شاملة، فالكثير من شيعة العالم يرجعون إلى النجف الأشرف في انتمائهم الفتوائي. أما بالنسبة إلى إيران السياسية، فإننا نعرف أن الكثير من الشيعة في العراق وفي لبنان وفي مناطق أخرى، يملكون خطاً سياسياً يختلف عن الخط السياسي الذي تلتزم إيران، الشيعة عرب أقحاح وليسوا فرساً أو أتراكاً وما إلى ذلك. لا أحد من الشيعة العرب يتنكّر لعروبته، أما الشيعة الذين سكنوا العراق أو غيرها من الدول العربية مدة، وهم من جنسيات أخرى، فقد تعرّبوا، وإن كانوا لا يزالون متمسكين بقوميتهم، وذلك ليس بدعاً من الحال، لأنّ هذه المسألة ليست محصورة بالشيعة فقط، فالسنّة الإيرانيون مثلاً لا يزالون يتحركون من خلال قوميتهم.

لكن هناك نقطة لابد من أن نبحثها بالنسبة إلى القومية العربية، فالعروبة تمثل حالة إنسانية، وهي وجهٌ من وجوه التنوّع الإنساني، فهناك عرب، وهناك فرس وهناك أتراك إلى آخر المسألة: (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) (الحجرات/13). لذلك أعتقد أن الشيعة العرب، وحتى المسلمين السنّة العرب، خصوصاً الذين يلتزمون الخط الإسلامي، لم يبتعدوا عن عروبتهم، لأنّهم لا يرون مشكلة بين عروبتهم وبين إسلامهم، كما أنّنا نلاحظ أن الإسلام عندما انطلق في رسالة النبي محمد (ص)، لم يشعر العرب الذين نزل الإسلام عليهم، بأن هناك مشكلةً بين عروبتهم وإسلامهم، لأنّ العروبة حالة إنسانية، ولأنّ الإسلام هو حالة ثقافية فكرية تنفتح على كلّ القيم، لكن المشكلة أن القومية العربية تأدلجت، فدخلت فيها الاشتراكية والماركسية والوجودية. لذلك، إذا كان المسلمون ـ سواء كانوا شيعة أو سنة ـ يختلفون مع الماركسية، أو مع الاشتراكية، أو مع الوجودية، فليس معنى ذلك أنهم يختلفون مع العروبة.

نحن بحاجة إلى نوع من الحوار والتواصل الشفّاف والصريح بين أنفسنا وبين الأديان، وخصوصاً بين الإسلام والمسيحية واليهودية حتى نحقّق القاعدة الرسالية المشتركة، وحتى لا تتحوّل الأديان إلى حالات عصبية يختنق فيها أتباع الرسالات وتختنق فيها المذاهب ويموت فيها الدين على مذبح التعصّب والانغلاق. إن ما يجري في فلسطين المحتلة هو الدليل الحاسم على سقوط مشروع حقوق الإنسان العربي والمسلم لحساب مشروع الوهم الإسرائيلي واليهودي حول حقوق مزعومة لهم في فلسطين والمنطقة، ولعل ما يبعث على الأسى يتمثّل في غياب أي مشروع عربي حقيقي لحماية إنساننا في فلسطين والعراق وغياب أي مشروع إسلامي متكامل لمواجهة ما ينفذ من مخطط تفتيتي في الأمة لحساب إسرائيل.

وإذا كانت المرحلة الحالية هي مرحلة العدوان المتواصل على الأمة والضغط على ما يعتقدونه البطن الرخو في فلسطين والعراق ولبنان، فإننا نتصوّر أن المرحلة المقبلة هي مرحلة التهويل الإعلامي والسياسي لاستثمار المخططات التفتيتية في إطار إعادة اللحمة للمشروع الأمريكي الذي بدأ يتداعى على مستوى المنطقة، ولا يجد الأمريكيون من متنفّس له إلا عبر الفتن الطائفية والمذهبية التي يعملون على إيقاد نيرانها في العراق ويريدون لها أن تمتد إلى حيث يطمح المشروع أن يتمدّد بعد الكدمات التي أصابته وتصيبه في أكثر من موقع. إننا ندعو كل من هم في موقع المسؤولية على مستوى الأمة والوطن أن يتحمّلوا مسؤولياتهم في الدفاع عن حقوق الإنسان العربي والمسلم عندنا وحفظ كرامته وصون حريّته، لأن ذلك هو السبيل الأجدى لمواجهة مشاريع الهيمنة الخارجية، لأننا إذا عجزنا عن بناء أجيال حرة وعقول واعية منفتحة على المستقبل لا يمكننا أن نواجه مشاريع الفتن ومخطوطات الهيمنة التي ترسم خطوطها على مستوى العالم وتنفّذ تجاربها في أرضنا.

ويقول سماحته في انتماء الأمة إلى الإسلام والعروبة: أنا لا أتصوّر أن معنى بأن تكون إسلامياً هو أن تنكر صفوف أمتك.. فلك أرض أنت مسؤول عنها ولك شعبك الذين هم جزء من مجتمعك ولك مستقبلك الذي يرتبط بأكثر من جانب ولعلنا نستوحي ذلك من قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا). فالإسلام اعترف بخصوصية شعب عن شعب وقبيلة، لم يلغ الخصوصيات أو ما إلى ذلك ولكنه لم يرد لها أن تكون دائرة مغلقة في مواجهة منفتحة تعيش خصوصيتها لتنفتح من خلال إيجابيات هذه الخصوصية على الدوائر الأخرى، ولذلك فأنا أعتقد أن ارتباط أي حركة بالمركز إذا كان هناك مركز لا يعني إلغاء خصوصياتها في مواقعها التي تعيش بها تماماً كما أن المركز يعيش خصوصيته في ما له من خصوصية إقليمية أو خصوصية دولية وما إلى ذلك.

إنني لا أتصوّر أن معنى أن تكون إسلامياً حركياً هي أن تفقد هويتك الوطنية والقومية ولكن أن لا تحوّل الوطنية والقومية إلى صنم بل أن تحوّلها إلى موقع من مواقع حركتك لابد لك من أجل سلامة حركتك أن تجعله سليماً وأن تتفتح على كل الذين يشاركونك هذا الوطن أو يشاركونك هذه القضية ولذلك نعتقد أن سياسة الإسلام هي سياسة الانفتاح على الآخر ولعل ما يمثل ذلك قوله تعالى: (قُل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) وكم بين أهل الكتاب من النصارى واليهود وبين الإسلام من فواصل فكرية وعقائدية وواقعية وأعتقد أن الكلمة السواء تتمثل بكل الآخر الذي قد تختلف معه سياسياً أو ثقافياً ولكنك تلتقي معه في أكثر من واقع.

ومن قلب الحدث ومن خافق معذب متألم لما وصلت إليه الحال العربية والإسلامية من الشرذمة والتفتت يقول سماحة الإمام فضل الله: وسط هذا العبث والتلاعب الأمريكي بحاضر ومستقبل دولنا، ووسط ما تشهده بعض الساحات والمجتمعات العربية من تحرك وحراك سياسي من قبل القوى السياسية والوطنية والقوى الحية في المجتمع من أجل المطالبة بالحرية والإصلاح الديمقراطي الحقيقي نرى تداخل الخطوط، ودخول أمريكا على الخط لخلط الأوراق وإرباك الموقف بهجومها الذي يحمل هذه المرة عناوين الإصلاح والديمقراطية مستخدمة أساليب التضليل والكذب، وكل أدوات الدعاية والإعلام، لاجتياح عقول وقلوب شعوب المنطقة المتعطشة للحرية وللديمقراطية، وخاصة بعد أن جربت أمريكا (الكابوس) العراقي الثقيل وعرفت حجم تكاليف عدوانها ونزعاتها المتغطرسة المتمثلة في آلاف من القتلى والجرحى والمعوقين والمشوهين من جنودها. والمليارات من الدولارات التي تنفقها على الحرب هناك، وتصاعد خسائرها البشرية والمادية بفعل تزايد المقاومة واستمرارها.

وأمام تورط بعض القوى والأفراد داخل الدول العربية في هذا الهجوم الأمريكي (الكاذب) و(المخادع) وسقوطها في شبهة التواطؤ مع المشروع الأمريكي عن سبق إصرار وترصد كما يقال بلغة القانونيين وسقوط البعض الآخر جهلاً في بحر الأوهام مدفوعاً (بنزاعات طائفية) و(اصطفافات مذهبية) ملتبسة كامنة في قلب وعقل الكثير من أصحابها. أمام هذا الواقع العربي بكل ما يحمله من تناقض وتضارب يصل إلى حدود الفواجع والمآسي، ومن بين هذا التراكم المضطرب من المشهد السياسي العربي، علينا كشعوب عربية وإسلامية ألا نكون فريسة سهلة لعملية التجهيل الكبرى التي تسعى أمريكا إلى تمريرها في المنطقة سواء من خلال العناوين الإصلاحية والديمقراطية التي ترشها على سطح الأحداث التي غالباً ما تحركها هي أو تستفيد من أخطاء الآخرين لتحريكها وتسلط الضوء عليها، وهي تعمل بوتيرة متصاعدة لاستغلال الكثيرين ممن يشكّلون (طفرة سياسية) في طول المنطقة وعرضها لتقديمهم كمنارات سياسية تتغذى من دعمها السياسي والمالي، إن أمريكا ترمي بكرة النار لتنظر ما هو رد الفعل لتبني على الأمور ما تقتضيه حاجات مشروعها، وترش القلق في جانب آخر لتجتذب صراخاً سياسياً يحمل معطيات مشروعها إلى الواجهة، لذلك نحن نحذر من الوقوع فريسة للخطط الأمريكية في المنطقة ونحذر من أن تكون حركة البعض منهم صدى لما تريده أمريكا سواء كانوا يدركون ذلك أم لا يدركونه، وليدرسوا خطواتهم وخطابهم السياسي بدقة ورصانة ليصب في حسابات وحدتهم وحوارهم الداخلي، ولا يكون عالة على الوطن ومستقبل أجياله.

إن المشكلة التي تواجه الإنسان في انتماءاته الدينية والحزبية والسياسية، هي مشكلة الاستغراق في الغرائز العصبية، وأن ثمة عصبية خطيرة يعيشها مجتمعنا بدأت تأكل الأخضر واليابس سياسياً وحزبياً وحتى طوائفياً ودينياً، نحن في الواقع نسوق هذا القول من منطلق إحساسنا الوطني والقومي، ومن دافع شعورنا بالمسؤولية الوطنية في ضرورة التنبيه إلى مخاطر الانزلاق أو السقوط في (مهاوي) العصبيات مهما كان مصدرها أو نوعها لأنها تضر بالوحدة الوطنية وبوحدة القوى السياسية الوطنية التي تتصدى إلى مهمات وقضايا وطنية وقومية مقدسة فوق كل العصبيات المذهبية والطائفية، بل تشعر أن هذه المسؤولية تتضاعف عندما تكون (المعارضة السياسية) في واجهة الأحداث، إننا لا نريد لدعاة الإصلاح أن يتنازلوا عن شعاراتهم ولكن أن يوازنوا بين ما يمكن تحقيقه في الداخل وما ينبغي مواجهته من هجمة خارجية، لأننا نلمح هجمة تتجاوز كل الشعارات والعناوين المذهبية التي تلقى في ساحة المنطقة ونقول لكل من يتحرك على خط المعارضة في الواقع العربي والإسلامي من خلال مسؤوليته الوطنية الشرعية أن يرصد القضايا الكبرى للأمة لا أن يتطلع فقط إلى الميدان السياسي المحلي لأن حماية المواقع الإستراتيجية للأمة في مواجهة العدو الخارجي تبقى هي الأساس ولأن مصلحة الأمة تتقدم على المصالح الأخرى.

 

هند عبيدين