العدد التاسع عشر - شباط 2007

رحلة الشركس من القفقاس إلى الجولان المحتل

بشار ابراهيم
الخميس 15 شباط (فبراير) 2007.
 
New Page 1

أمشط ذاكرتي... ألتقط صورة المنزل الجولاني في السلمنية... أقف أمام الصورة أتفحصها... تشدني بعض التفاصيل الصغيرة. خنجر معلق على الحائط الطويل في المضافة، مائدة طعام لا تشبه الموائد الطبيعية التي نجلس خلفها عادة. مائدة اختفت إحدى قوائمها الأربعة، وبقيت منتصبة على ثلاثة.

المنزل برمته لم يكن يشبه منازل القرى المجاورة في الجولان المحتل هندسته المعمارية تختلف... النوافذ، الأسطح، توزيع الغرف عموماً، كانت القرية كلها وبضع قرى أخرى كبئر العجم، البريقة، المدارية، الجويزة، المومسية، وإخوتها الخشنية، المنصورة، وعين زيوان، تشكل جزراً صغيرة في المحيط الجولاني العام.

حين كان المزمار والطبلة تصدحان في أعراس القرى الجارة كانت موسيقى الأكورديون تنساب موجهة أقدام الشبان في حلقة الرقص الشركسية وفي المضافات العامة. كنت تميز رجال قريتنا من قبعاتهم الأسطوانية السوداء بين خليط من رجال يعتمرون الحطة والعقال.

كان الرجال مستعدين للتضحية بأرواحهم مقابل أن لا يسقط قلبقهم على الأرض ـ هكذا كانوا يسمون قبعاتهم... القلبق.

في المدرسة كان الأستاذ يميزنا نحن أبناء السلمنية عن باقي التلاميذ. لون البشرة أفتح، الشعر، الأسماء وحين كان خلف وجاسم يتكلمون العربية بطلاقة، كان نارت وجانبولاط يقلبون مخارج الأحرف ويجعلون المؤنث مذكراً، والمذكر مؤنثا،ً وكان الأستاذ والتلاميذ وأبناء الجولان المحتل كلهم يتفهموننا، فجداتنا خارج لغتهن الشركسية كانت الأمور بالنسبة إليهن طلاسم. أي كتاب طبع باللغة العربية كن ينظرن إليه بتقديس، يقبلنه ويضعنه في مكان لا تصل إليه أيدينا الملوثة حسب زعمهن، فهو مكتوب بلغة القرآن الكريم.

الصور التي تتوالى في الحلق غصة، وأنا أقف على الطريق العام المؤدية إلى قرية الرويحينة.

أنظر نحو الأمام مباشرة، حيث كانت قريتي السلمنية أو الصرمان أو العدنانية كما تسميها الخرائط الجغرافية، هناك على بعد عدة أمتار قليلة من السلك الشائك الذي يفصل الجولان المحتل عنا، كانت قريتي تغفو بهدوء وسلام قبل أن يبخرها الإسرائيلي في الهواء، تاركاً علامة واحدة على مكانها تقول:

ـ هنا كانت السلمنية!

مئذنة جامع القرية الأثر الباقي، والشاهد الوحيد على ذكرياتي لم تكن قريتي الوحيدة التي أراد لها الصهيوني أن لا تكون. لقد كانت شراهة إسرائيل للتدمير لا توصف بالكلمات، فأنقاض 165 قرية جولانية تشهد على بربريتهم. والقنيطرة الشهيدة خير من تدل على حقدهم. تدمع عيني ويتوقف دفق الصور لكن مشهداً أبى إلا أن يفرض    صورته على مساحة الذاكرة كلها وكان غريباً... العصافير التي كانت تملأ الفضاء زقزقة، أخلت المكان لطائرات كانت تنقض وتنفث علينا نحن الأطفال سموماً... رصاصاً وإن حمتنا الحفر من مخالبها المعدنية إلا أن تلك الحفر لم تكن لتجنبنا الرعب والخوف غير المألوف. كان يوماً مشؤوماً... وطاب لوسائل الإعلام أن يسموه "نكسة الخامس من حزيران" في في هذا اليوم من عام 1967 سُرقت طفولتي، أغُتصبت البراءة من عيون كل الأطفال في الجولان. يومها اختطفت جدتي أخي الصغير من مهده وانطلقت به ناسية ارتداء جوربها، لتندس بين جموع النازحين كانت تعيد المشهد ذاته، فأمها حملتها بين ذراعيها وركضت بها بينما بنادق الجنود الروس تطلق عليها النار، ثم هُجرت. أرغمتها الحراب على ترك قريتها القفقاسية، وقطعت درباً طويلاً من المعاناة حتى رماها القدر في السلمنية وها هي الإبنة تتمم درب التهجير وتلتحق بالنازحين حاملة حفيدها. ما أشبه الخامس من حزيران بالواحد والعشرين من أيار عام 1864، اليوم الذي يشعل في شراكسة العالم الشموع حداداً، ولكي لا ننسى.

هكذا يعيد التاريخ نفسه، ويضاف إلى لقب المُهجّر لقب آخر مازال ملتصقاً بنا حتى اليوم. نازح. لكن للأمانة، يختلف المشهدان... ففي حين فتكت الأمراض والأوبئة بمجهري القفقاس، استقبلنا الأخوة في دمشق ودرعا وفي كل الأرض السورية بصدر دافئ وملعقة دواء|. فتحوا البيوت والمدارس، ووجد كل رأس وسادة ينام عليها، ولقمة خبز، وإن لم تُشبعه فقد أبقت على حياته. كان المشهد هنا مشهد وحدة وطنية كاملة، كنا جميعاً أبناء هذا الوطن عرب وأكرادا"... شركسا" وتركمان... مسيحيين ومسلمين، كل يسابق الآخر لمد يد العون وكما احتضن الأنصار في المدينة المهاجرين من مكة، استنفر شراكسة مرج السلطان في ريف دمشق، جندوا أنفسهم وما يملكون، حتى أحاسيسهم ومشاعرهم. تقاسموا لقمة الخبز والسكن، حاولوا جاهدين مع أهلنا شراكسة منبج وخناصر وحمص وقراها أن يعيدوا إلينا براءة الأطفال لكننا كنا قد تجاوزنا أعمارنا وكبرنا. قطعا"، يختلف المشهدان...

السفن التركية الجشعة التي كانت تحمل أضعاف أضعاف حمولتها من مهجري القفقاس، كانت تغرق في البحر الأسود حاملة أجساد المنهكين الهاربين من ويلات الحرب ليجدوا خلاصهم في الموت ومن وصل منهم إلى الشاطئ الآخر ترصدته الكوليرا والمجاعة وفقدان الوطن، ومن وصل إلى بر الأمان مثل جدتي فقد ولد من جديد. عاشت جدتي... وأنا لم أمت. ينعشني نسيم بارد هبّ من جهة جبل الشيخ، التفت إليه لتنتقل الذاكرة إلى حبيبتي نالتشك. كان عشقي لها كنهر جبلي ينحدر صاخباً مدحرجاًٍ الحجارة أمامه غير عابئ بالسدود الصغيرة المقامة عليه. كان عشقي قوياً لاذعاً، ولم أخفه في يوم من الأيام، واكتشفت أن كل من رأى حبيبتي، عشقها هو أيضاً ولم يزعجني الأمر، بل زاد تعلقي بحبيبتي نالتشك. نالتشيك عاصمة جمهورية كبر دينا بلكاريا الشركسية ضفائرها لا تحصى، شلالات مياه وجداول. عيونها بحيرات لا قرار لها، زرقاء صافية كسماء تنام على فراشها الأخضر المنبسط وتلتحف الغابات، والأوشحه مافه، الألبرز، الجبل المهيب ينتصب عالياً كقائد خرج من بين جنوده ليحمي حبيبتي. غرقت في أحضانها طوال فترة دراستي في جامعتها العريقة التي تحمل وسام الصداقة بين الشعوب وهي التي تقاطر إليها الطلاب من سورية والأردن وتركيا وأثيوبيا والباكستان، كثير من الأفغان تخرجوا منها، وأذكر أن مجموعة من الفيتناميين درسوا اللغة الروسية فيها. في القفقاس اكتشف أن للسلمنية أخوات وأخوات في قرية من قرى جمهورية الأديغيي الشركسية، أكاد أقسم أنني رأيت منزلنا هناك، حتى تلك المائدة التي كنت أعتقد أنها عرجاء تقف على ثلاثة قوائم كانت هناك والقامة، الخنجر الشركسي كان معلقاً في صدر المضافة في جمهورية كرشاي ـ تشركيس كانت وجوه الناس مألوفة ومحببة وعلى مسارحها شاهدت أروع الاستعراضات الراقصة المستوحات من التراث الشركسي هناك تعلمت وعرفت عنهم ما لم أكن أعرفه سابقاً.

ذكرهم هيرودوت في معرض حديثه عن المستعمرات اليونانية على الشاطئ الشرقي للبحر الأسود حين تكلم عن حضارتي السند والميؤوت الشركسيتين، ودعاهم سترابون بالجيكس، أما الرومان فقد عرفوهم تحت اسم الجيخ، والشراكسة أطلقوا على أنفسهم اسم الأرديغة، وهي تعني الإنسان الكامل أو الرجل النبيل. أدعّوا أنهم ينتسبون إلى أمة النارت الأسطورية، والتي حملت الذاكرة الشعبية إلينا عنهم إرثاً ثقافياً غنياً ورائعاً تحت اسم ملاحم النارت الشركسية، التي تعود إلى ثلاثة آلاف سنة خلت. قبل أن ينشر الإمبراطور جوستنيان المسيحية بينهم كان الشراكسة يؤمنون بمجمع كامل للآلهة يذكرنا بمجمع الآلهة الأغريقية بل أن تقاطعاً وتداخلاً واضحاً بين المجمعين كان يقود إلى الإستنتاج بأن التواجد الإغريقي على سواحل بحر الميؤوت الشرقية (البحر الأسود) كان من الكثافة بحيث تفاعلت الحضارتان وأثرت كل منهما في الأخرى فبروميثيوس الذي قيّده على الجبال القفقاسية الإله زيوس هو نفسه نسرن الملتحي الشركسي والأسطورتان توأمان، والبقرة التي قدمها قدموس قرباناً للآلهة ما هي إلا بقرة آخين تعرفت على بانثيون الآلهة الشركسية الذي تربع على رأسه شبلة إله البرق... وتلبش إله الحدادة والحديد الذي قام بتعميد البطل الأسطوري ساوسروقة الذي شارك بطل الأوديسة والألياذة آخيل بعض صفاته الملحمية. واحتلت الأم ستناي في الضمير الشركسي مكانة الإلهة عشتار وأطلقوا اسم الإله آخين على البحر الأسود، وكان الشراكسة وإلى وقت قريب يقسمون به. إن الأهمية التي يتمتع بها كل إله اعتمدت على قدرته في إغناء الحياة الاقتصادية وغنى الطقوس والقرابين المقدمة لهذا الإله أو ذاك. كانت تتناسب وقدرة الإله على العطاء انتشار المسيحية. لم يلغ الوثنية ولم يقض على الإيمان بالنظرية الأرواحية أو بقوة تأثير الأرواح الشريرة وقدرتها على الإيذاء التي كانت سائدة بشكل عميق.

كان انتشار الإسلام الواسع في القفقاس مع بدايات القرن السادس عشر نتيجة طبيعية لسنوات الهيمنة التتارية والتركية في المنطقة، ويمكن القول بأن المسيحية تراجعت بحدة أمام المد الإسلامي الذي طغى حتى أصبح هو الدين السائد بين الشراكسة في القرن الثامن عشر، باستثناء شراكسة منطقة مزدوك ومجموعات أبخازية بقيت على مسيحيتها.

وتبقى العادات والتقاليد (الأديغه خابزه) هي الحاكمة والناظمة للحياة الشركسية وهي من الصرامة بحيث أن خرقها يعد جريمة أخلاقية بالدرجة الأولى، ويعاقب عليها بازدارء المجتمع العلني احترام الكبير قانون، وعدم الاهتمام بالضيف جريمة، ومن أكبر الدعوات واللعنات التي يمكن أن تنصب على رأس أحدهم أن يقال له: فلتخمد نارك، وأبعد الله الضيوف عن باب دارك. الشجاعة ليست مطلباً لأنها يجب أن تكون متوفرة بشكل فطري لذلك يطرد الجبناء خارج حدود المجتمع ولا يعترف بهم كأعضاء أديغيون وعموماً كان الرجل يقاس بشجاعته. لذلك قالوا ليس بالطول يقاس الرجل وإنما بشجاعته أذكر أن عجوزاًَ أبخازياً تجاوز المئة عام حدثني، وقد اشتهر الشراكسة الأبخاز بطول أعمارهم:

ـ تقول الأسطورة أن الآلهة أحبت الشراكسة فأهدتهم الأرض التي اختصت بها لنفسها أنا لا أعلم إن كان الإله قد أحب الشراكسة، ولكنني واثق بأن الأرض التي نسكنها هي جنته. موقع القفقاس الاستراتيجي بين بحري الخزر والأسود يجعله جسر الوصل بين آسيا وأورويا لذلك تصارع الروس والعثمانيون عليه دون أن يستشيروا أهله. لقد كانوا من الوقاحة بحيث كانوا يتوازعون ثياب غيرهم. كانوا كالصهاينة اليوم، يقتحمون البيوت ويستوطنونها. حدث مرة أن قال الجنرال الروسي للقائد الشركسي:

ـ لقد تخلى الأتراك عن الأرض لنا بموجب اتفاقية مبرمة وموقعة وعليها ختم السلطان والقيصر.

ـ ولكنها لم تكن يوماً أرضاً تركية ليهبها لكم.

ـ على كل حال إنها أرضنا الأن والوثائق تثبت.

ـ أيها الجنرال، أنظر هناك في أعلى الشجرة، ذلك العصفور الحر... إنني أقدمه هدية لك، خذه. لم يفهم الجنرال كلمات القائد الشركسي بل استل غدارته وأطلق النار على العصفور ثم التفت إلى الشعب الشركسي وأطلق نيران مدافعه عليه. كانت الشمس قد بدأت بالغروب، وأنا مازلت أحدق بأطلال السلمنية. توجهت إلى الشرق قليلاً، كانت الآليات العاملة لإعادة بناء قريتنا في الجزء المحرر منها قد توقفت وغادر العمال، وقد آن الأوان لأغادر أنا أيضاً.

غادرت وأنا أشعر بأنني من أغنى الناس فأنا سعيد لأنني ابن هذا الوطن أعبد قريتي التي لم يعد لها وجود، لكنني واثق بأن الوطن لن يتركها يباباً، بل سيعيد بنائها فعجلة البناء التي بدأت لن تتوقف وسوف يأتي اليوم الذي يسمع فيه مؤذن المسجد الجديد صوت "حي على الفلاح" أسماع المستوطنين اليهود وسترن أجراس الكنيسة في القنيطرة. سعيد أنا لأن أحمد ومحمد ونارت وعلي وشيركوه وجورج يعملون معاً في ورشة بناء الوطن وسعيد أكثر لأن جدتي لم تمت.

 

بشار إبراهيم