العدد التاسع عشر - شباط 2007

عاشوراء كظاهرة من الظواهر المسرحية عند العرب

سولين دكاش
الخميس 15 شباط (فبراير) 2007.
 

منذ أقدم العصوروجدت الظواهر المسرحية عند الشعوب، لأن الانسان أراد أن يعبر عن نفسه و أن يبحث عن الغموض الذي يلفّ الكون. فراح يبحث في البداية كيف يرضي الآلهة، ثم أصبح يفكر لاحقاً في طرق للتسلية والاحتفال بمناسباته السعيدة. وقد تطورت الظواهر المسرحية خصوصاً عند الاغريق و شكلت بعد تطورها المسرحية اليونانية من تراجيديا و كوميديا وأصبحت في ما بعد شكلاً درامياً عالمياً.

أما الظواهر المسرحية عند العرب فقد تغيرت معالمها من الجاهلية الى الإسلام، ثمّ وقفت عند حدّ، كما في مصر الفرعونية والهند واليابان والصين.

 

وإذا أردنا الكلام عن الظواهر المسرحية عند العرب بعد ظهور الإسلام، والتوسُّع في ظاهرة عشوراء، فلا بد لنا أن نتكلّم عن بعض التجلّيات المسرحيّة قبل ظهورالإسلام أي في الجاهليّة.

 

كان لدى العرب طقوس دينية كسواهم من الامم، يمارسونها عند أصنام آلهتهم التي اختلفت أقدارها ومراتبها، وقد وجد منها في الكعبة وحولها قبل ظهورالاسلام.

و كان في الطقوس رقص وغناء وايقاع ودعاء، يُقدم في إطار حركي له طابعٌ إحتفالي جماهيري عام.

أما الحج في الجاهلية فكان له طقسه الخاص وتقليده في شهر ذو الحجة، وكان يتخلّل الطواف والحج الرقص كجزء من الطقس التعبّدي، فيقومون بالرقص والّدوار وتقديم الاضاحي للآلهة. و قد ورد في الشعر العربي اشارات الى تلك الاصنام:

 

" يا عام لو قدرت عليك رماحنا و الراقصات الى منى فالغبغب"

 

و منى من الاصنام المعروفة في الجاهلية : فمنى كانت تدين بها ثلاث عشرة قبيلة،لايكتمل حجها الاّبحلق رؤوسهاعند الصنم والاقامة عنده.

ورقص العرب الذي يشكل أحد أسس الظاهرة المسرحية عندهم، كثيرٌ ومتنوع ومنه رقصة بني دوس التى كانت تُرقص حول صنم ذي الخلصة، وكانت تعتبر من أشهر رقصات العصر الجاهلي، وقد ورد حديث في الصحاح نصه:

 

"قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:

لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء بني دوس حول ذي الخلصة.وكانت صنما تعبدها دوس في الجاهلية بتبالة."

 

و الذي يهمنا في هذا الحديث هو الإشارة الى ما كانت تؤديه النساء من طقوس تعبدية وهنّ عرايا ترتجّ أعجازهن في الدوار حول صنم ذي الخلصة، وكان الدوار موقعاً و مرافقاً بالغناء او الأداء المرنّم للتلبية، ويذكرنا هذا بشكل من أشكال الجوقة اليونانية، و ما يتعلق بأعياد الإله ديونيزوس.

 

وقد ورد في كتاب السماع عند العرب لمجدي العقيلي:

 

 "و كان سيرهم حول نصبهم تارة مشيا و طورا تمايلا"

 

هذا التنوع في الحركة و ما يرافقه من تطور وتغيير في التشكيل والايقاع، وفي نوعية الانفعال، هو من صلب العمل المسرحي.

 

 لم يكن الرقص في الجاهلية للاحتفال الديني وحسب بل كان أهل مكة والحجاز حين يحتفلون في مناسبة، يحضرون الحبش للرقص والغناء، وفي مناسبات مثل استقبال كبار الوافدين ، يقدمون أصنافاً من اللهو حيث يخرج "المقلسون بالسيوف و الريحان و بالدفوف والغناء".

و تذكّر أنواع الرقص هذه بالرقص الفرعوني الذي أُدخِل في القرائن المؤيدة لوجود مسرح فرعوني.

 

ونكتفي بالكلام عن الرقص في الجاهليّة دون التطرق الى طقوس الإستسقاء والمنافرة، لننتقل الى الكلام عن إحدى التجلّيات المسرحية في صدر الإسلام وهي إحياء ذكرى عاشوراء، ونكتفي بذكر الظواهر الأخرى وهي:

 

الحكاية- النياحة- القصص والمرويات التراثية(مثل كليلة ودمنة)- المقامة- الإسراء والمعراج- حلقات الذكر الصّوفية- إحتفالات جماهيرية متنوّعة ومنها: عاشوراء، إحتفالات المولد النبوي- الحكواتي أو القصاص الشعبي.

 

 

   هناك مظاهر واحتفالات شعبية عامة تتميز عن سواها بأنها ذات طابع جماهيري في المشاركة بالإداء، وهذا ما يقربها بأنواعها من المسرح الشعبي، بمفهومه الذي ينادي به بعض الاوروبيين ومنهم الفرنسي جان فيلار، حيث تتم مشاركة الجماهير كلها في الإداء على نمط من أنماط العودة الى احتفالات مسرحية شعبية دينية في مصر الفرعونية في ايزيس واوزيريس، وعلى نمط قريب من أنماط المسرح الديني في القرون الوسطى وخاصة مسرحيات الأسرار(المسيحية).

ومثل هذه الاحتفالات تغني اشكال الظاهرة المسرحية عند العرب.

 

لا يوجد خلاف بين الباحثين في بدايات المسرح العربي والاسلامي حول الإمكانات المسرحية الكبيرة التي تتوافر في إحياء الجماهير لمناسبة العاشوراء في معظم البلدان الاسلامية، والتي تُعاد فيها وبأشكال مختلفة إحياء ذكرى آلام الحسين واستشهاده. وتعتبر الأيام العشرة التي تُحيا في كربلاء كل عام، من أكثر الإحتفالات الدينية الاسلامية قرباً من المسرح الجماهيري العام سواء بأساليب تقديمها او بتأثيرها على الناس .

 ويختلف شكل الاحتفال من بلد الى بلد. وقد كتب جون غلوب، في كتابه أمبراطورية العرب، ما شاهده في كربلاء وقدمه على أنه اشبه بالعرض المسرحي:

" يبدأ في اليوم الأول من شهر محرم من كل عام ، وهو تاريخ وصول قافلة الحسين الصغيرة الى كربلاء ، حيث أقامت خيامها محرومة من الماء، عشرة أيام من الصيام والعويل والبكاء، وتتلى قصة الفاجعة المؤلمة على جماهير النائحين والباكين في كل يوم، وفي كل بلدة وقرية ومضرب من مضارب القبائل.وظل الرجال طيلة ثلاثة عشر قرناً يطوفون الشوارع في كل ليلة من الليالي العشر ، وقد نزعوا ملابسهم حتى الخصر يسوطون أنفسهم بالسياط ويعولون ويبكون الحسين.ويعاد تمثيل المعركة في كل عام في العاشر من محرم، وتمثل جماعة من الرجال في مخيم صغير صورة جماعة الحسين، بينما يمثل فريق كبير جيش الامويين، ويؤدي أحد الرجال دور المخزي الذي مثله شمر.

وبعد انتهاء التمثيل يسير الموكب الى البلدة وقد حمل رأس الحسين ، كما سار فيه موكب من الاطفال الصغار، وقد ألقوا بثيابهم على رؤوسهم ليخفوها، يمثلون دور الجثث ، وتصوَر الرؤوس المقطوعة بشكل رؤوس من الخشب وقد طليت باللون الاصفر الشاحب لتبرز صورة الموت.وتكتظ ساحة البلدة بالنساء والاطفال وقد ارتفع البكاء والنحيب من كل مكان، بينما تسير القافلة في طريقها عبر البلدة ، وهذا المنظر العاطفي يثير الشجن والألم ،ولا يستطيع المرء أن يراه دون أن تسيل من عينيه الدموع."

 

 واذا لاحظنا ما أشار إليه غلوب من مظاهر مسرحية في الشخصيات التي تأخذ أدوار شخصيات تاريخية، وفي الملابس والأدوات والمواكب والماكياج الذي يوضع للرؤوس المقطوعة، وفي ذيّ الاطفال الذين يمثلون الجثث، واذا أضفنا الى ذلك كله ما يحتويه النص العام والعرض العام من اعادة تمثيل للقصة التاريخية، التي وقعت في القرن الاول هجري عام 61هـ ، لَوجدنا مقومات المسرح عامة، وإن كان يأخذ الشكل الجماهيري الواسع، حيث يكون الناس أنفسهم مؤدين ومشاركين ومتفرجين، يعيدون إحياء حدث تاريخي مؤثر.

 

 

 سولين دكاش