العدد التاسع عشر - شباط 2007

الحركة العولمية البديلة تبحث عن مخارج

د. ماري شهرستان
الاحد 18 شباط (فبراير) 2007.
 
New Page 1

بموازاة الحركات المناهضة للعولمة (1) في مختلف انحاء العالم، تشكلت حركة جديدة أطلق عليها " الحركة العولمية البديلة" ، وأكتسبت عالمية منذ المؤتمر الاجتماعي الاول في بورتو آلليغر(2001). وتتكون هذه الحركة من تقارب مجموع متنافر تنافراً شديداً من الحركات الاجتماعية والجمعيات والمنظمات غير الحكومية ، ومن نقابات مختلفة اختلافا عميقاً مع العولمة.

وتبحث هذه الحركة عن طرق جديدة، أكثر ديموقراطية، وأكثر تضامناً وأكثر اهتماما بالبيئة لتصور " العيش المشترك" العالمي الذي هو شر لا بد منه.

هذا بعض ما جاء في مقال لعالم الاجتماع الفرنسي فرنسوا بوليه (Francois Polet) . ونشر في مجلة " العالم الدبلوماسي" الفرنسية، عدد كانون الاول 2005- كانون الثاني 2006.

ويتساءل بوليه عن مستقبل الحركة العولمية البديلة بعد ستة أعوام على ظهورها ويستنتج الآتي:

        نجحت العولمة البديلة في تحريك الكثير من الناس، لكن نتائجها السياسية ليست على مستوى الآمال.

        حققت العولمة البديلة نصف اهدافها: انتصار نفسي أو ايديولوجي وعدم كفاية فعاليتها السياسية.

        ان حركة مناهضة العولمة لم تثر سوى اعادة تنظيم هامشي لتوجهاتها، وفي اغلب الاحيان ذات طبيعة إنشائية ، وبقيت المنجزات مجرد اجراءات وهمية خادعة.

        كان لخطاب الحركة العولمية البديلة أثر في ال " لا" الفرنسية ضد الدستور الاوروبي،  وسارعت وسائل الاعلام في فرنسا وأوروبا الى إخفاء أبعاد هذه المعارضة الاجتماعية والليبرالية لمحاولة الباسها مظهر رد فعل قديم مهجور ووطني ومتطرف.

        التصور الخادع ل" صدام الحضارات" نبوءة خطيرة، جعلت المشهد أكثر قتامة، والحفاظ على الامن أولوية.

        يدعو البعض الى إجراء تحالف بين الحركة العولمية البديلة مع حزب أو مع برلمانيين لهم برنامج عولمي بديل، وصولاً الى إنشاء جسم قادر أن يحمل صوت العولمة البديلة وتقديمها الى مراكز القرار.

تجتاح الحركة العولمية البديلة اليوم  تساؤلات تتناول مستقبلها بعد مرور ستة أعوام على دخولها المجلجل إلى الساحة السياسية العالمية. لقد انطفأت الغبطة الوقادة ولم يعد النصر أمراً جائزاً. وبرأي العديد من زعماء القضية ومحركيها ومن المراقبين، تبدو ظاهرة الرفض  ناقصة الآفاق والقدرة على التأثير في الأحداث.

ويتقاطع  تشخيص المهتمين بشكل ٍ خاص حول النقطة الأكثر حساسية: لقد نجحت العولمة البديلة  في تحريك الكثير من الناس،  لكن سهولة قروئيتها  تبقى مشكوكاً فيها ونتائجها السياسية الملموسة ليست على مستوى الآمال التي تراءت في البدء.

وتبدو حصيلة العولمة البديلة  بشكل ٍ عام جزئية أي أنها قد حققت نصف أهدافها:

"انتصار نفسي" او "إيديولوجي" لكن مع عدم كفاية الفعالية السياسية.

فمن خلال تداخلاتها العامة ساهمت  في  هدم عقيدة "العولمة السعيدة" وذلك في قلب الآراء، وتبيان الوجه الآخر للزخرف -  (الثمن الانساني والاجتماعي والبيئي المرعب للديناميكيات التجارية والمالية والتي قُدِّمَت حتى الآن من وجهة نظر فعاليتها المفترَضة)  - وإعادة طرح ومناقشة مبدأ الفكر الواحد.   وهذه الأمور لا يُستهان بها  على حد قول  بيير بورديو  Pierre Bourdieu وذلك نظراً لقوة فعل

وسائل الاتصال بالجماهير،  فبرأيه انه "لا يوجد فعل أقوى من فعل  خطاب قوي تصعب محاربته لأنه يمتلك جميع وسائل عالم علاقات القوى الذي يساهم في خلقه" [2].

لكن بالرغم من هذا الخرق في قلب الرأي العام - الذي ينبغي ايضاً تقدير مستواه الصحيح -  يبدو ان الحركة قد وصلت إلى  "سقف" من اهتمام العالم  حالما اصاب الجمود (الروتين)  حضورها وأنماط افعالها،  التي لم تُتَرجَم بتحوّل حقيقي للسياسات الليبيرالية المطبقة على الصعيد القومي والاقليمي والعالمي. 

لا شك ان  حركة مناهضة العولمة  لها تأثيرها على المؤسسات والسياسات،  لكن إلى الآن  لم تُثِر سوى إعادة تنظيم هامشي  لتوجهاتها، وفي اغلب الأحيان ذات طبيعة إنشائية.  وحالما كان نقد النظام الليبيرالي يشهد تصعيداً  ويزداد قوة، بتحريض من التحركات المتتالية، كانت النخب العولمية تضاعف من مفاعيل دعاياتها، متخذة لها رسمياً مطالب واهتمامات التحرك الوطني، كي تكون معه  في الحركة نفسها  بغية الاستفادة  من شرعية  إضافية، وانتزاع مهمة الرفض والمعارضة منه[3].  فسواء أكان الموضوع هو اتفاق حول الوصول إلى الأدوية  النوعية والمتبنى أثناء المؤتمر الوزاري  لمؤسسة التجارة العالمية (OMC)  عام 2003 في كانكون، أم حول القرار G8  لإلغاء كامل ديون 18 من البلدان  الفقيرة  المثقلة  بالديون، فإن هذه المنجزات  "التاريخية" تشكل إجراءات وهمية خادعة، حيث تكون مفاعيلها الحقيقية محدودة بمخطط متشابك من "القيود" والإجراءات القسرية.

 تعمل المنظمات المالية الدولية منذ عدة سنوات على إعادة صياغة سياساتها.

وقد خدمت الحركة العولمية البديلة بشكل فعّال كصندوق رجع الصدى للهياجات الشعبية بسبب الجوع،   وللأزمات المالية التي، في الجنوب وفي الشرق عينّت اتجاه تطبيق هذه البرامج.  لكن الإجماع الجديد المسمى "توافق بوست- واشنطن"

"consensus post- washington" والذي كان في طريقه إلى الظهور لم يثر المسالة الصعبة لبرامج الضبط الأساسية: إزالة الحواجز امام الاستيرادات، الخصخصات، والتقشف في النفقات. اما إدخال مفاهيم مثل "محاربة الفقر"

و"مجتمع مدني" أو "مشاركة"  في الخطاب حول استراتيجيات التطوّر الجديدة لم يكن هدفه دمقرطة العمل العام على الاطلاق: بل ساهم في  إعادة تشكيل مظهر ُيتخذ كاداة  مع انتزاع الصفة السياسية بين الدول والمجتمعات بهدف جعل الاندماج في السوق العالمي "دائماً" و "قابلاً للحكم".  

هذه الصعوبة التي تواجه الحركة العولمية البديلة في التأثير على مجرى العولمة ينبغي أن تُحلَّل على مقياس علاقات القوى الموجودة واقعياً على الصعيد العالمي وفي داخل كل أمّة.  وبالنسبة لأوروبا، فإن  القوى وخطاب الحركة العولمية البديلة، وفي الدرجة الأولى خطاب "آتّاك" Attac،  كان لها أثرها الكبير في الـ"لآ" الفرنسية بالنسبة للتصويت على الدستور الأوروبي.  فإذا شكلت هذه الـ"لآ" ضربة تعنيف أكيدة موجّهة إلى القادة السياسيين وإلى الخبراء الليبيراليين الجدد، فإنّه من المبكِّر  جداً قياس مدى صدمتها الحقيقية على المؤسسات الأوروبية.

كما ان وسائل الاعلام الكبيرة  في فرنسا وفي  باقي انحاء أوروبا سارعت إلى إخفاء أبعادها الاجتماعية والليبيرالية، لمحاولة إلباسها مظهر رد فعل قديم مهجور ووطني متطرِّف، برهان إضافي على انحطاط " فرنسا"  المتمسكة بنموذج اجتماعي متخلف.

سوف تبيّن التحركات القادمة في القارّة الأوروبية  ما إذا كانت الحركة الاجتماعية الأوروبية قوية إلى الحد الكافي لفرض مخرج اجتماعي وديمقراطي على الأزمة الحالية للمشروع الأوروبّي.

لا يوجد أي مكتسب بعد، والمثال الليبيرالي قد اهتزَّ بدون ادنى شك، لكنه لم يتردد. والانفصالات الرئيسية بين البلاد طالت على الأغلب طرق تفعيل التحرير ودور السلطات المتعددة في تنظيم المبادلات.  إن فشل مفاوضات مؤتمرات منظمة التجارة العالمية OMC  في سياتل وفي كانكون، ينبغي ان يُتَرجَم  بشكل ٍ صحيح: عقدت البلاد الجنوبية - الصين والبرازيل او  بلاد غرب أفريقيا من منتجي القطن -  تحالفات ليس بغية معارضة حقيقية لانفتاح اقتصادياتهم على السوق العالمي ، إنما  لتحويلها بشكل ٍ افضل إلى عملة مقابل انفتاح الأسواق الأمريكية الشمالية والأوروبية على صناعاتهم الغذائية المعدة للتصدير. 

إن تتابع الهجمات الإرهابية، والتصوّر الخادع    " لصدمة الحضارات"،  نبوءة خطيرة ذاتية التحقيق،  جعلت المشهد اكثر قتامة.  جعلوا من الحفاظ على الامن الشامل هدفهم الجديد وله الأولوية في المجتمع الدولي، وهم أبعد ما يكون عن لفت الانتباه إلى الجذور الحقيقية لـ"سوء الأحوال" العالمي.  هذا الهدف يتلاءم تماماً مع تطوّر العولمة النيوليبيرالية: يجب  السيطرة على الهيئات، وبالمقابل، ينبغي على تدفق رؤوس الأموال والبضائع  أن يزداد كثافة لأن ذلك يساهم في دمج الأقاليم والشعوب في النظام العالمي. 

 على المستوى القومي، تتنازع القوى الأصولية والقومية، بشراسة، المغانم السياسية من تصاعد عدم الاستقرار و ازدياد المخاوف الناجمة عن العولمة، بينما تحتفظ الحكومات في الجنوب كما في الشمال بـ"ورقة الطريق" النيوليبيرالية (تكييف سوق العمل، خصخصات، تفكيك الحمايات الاجتماعية)حيث يطبقونها بشدّة نوعاً ما  وفق ارتفاع حدة المقاومة الاجتماعية؛   والتي هي في كثير من البلدان - مثل مراكش، ومصر، واندونيسيا او روسيا- "الحرب على الإرهاب" التي تشكِّل ذريعة منشودة لإعادة ضبط الحريات العامة  الخجولة  التي تم اكتسابها حديثاً.

السياق الحديث معاد بشكل ٍ واضح ٍ وصريح  لحركات المواطنين التي تناهض السياسات النيوليبيرالية. فقد وقعت مجالات تعبيرهم بين فكي كلابة، فمن جهة هناك تأصيل المنطقيات القامعة من قِبَل الدول التي جعلت من "دخولها إلى العولمة"  عقيدتها الرسمية،  ومن جهة أخرى، تصاعد الحركات المحافظة من قومية ودينية.

لكن هذا النقص - النسبي- في الفعالية السياسية يعود إلى  خصائص الديناميكية العولمية البديلة. فهذه الحركة البديلة هي قبل كل شيء  مكوّنة من تقارب مجموع متنافر تنافراً شديداً من الحركات الاجتماعية والجمعيات والمنظمات غيرالحكومية

(ONG) ومن نقابات مختلفة  اختلافات عميقة  مع الادارة النيوليبيرالية لآلية العولمة، وتبحث عن طرق جديدة - اكثر ديمقراطية؛ واكثر تضامناً؛ وأكثر اهتماماً بالبيئة -  لتصوّر "العيش المشترك"  العالمي الذي هو شر لا بدّ من. 

ويتم هذا التقارب حول أسلوب التوافق والشبكة المزمع تأليفها، حيث يسمح ذلك بتجميع أكبر عدد ممكن من الناس حول المطلب نفسه (مثال التظاهرات ضد الحرب) أو إطار مشترك في حدّه الأدنى  (مثال ميثاق مبادىء المؤتمر الاجتماعي العالمي)، لكن مع ترك حد أقصى من الحرية لكل من المشاركين ليتقدم بمطالبه وتنظيم نشاطاته الخاصّة.

ويُلاحَظ ضمن التنوّع الملازم للحركة العولمية البديلة،أنه،  إذا توصَّل محور مشترك لإبراز فكرة أولوية حقوق المواطنين (الاجتماعية والسياسية، والثقافية، والبيئية) وانها ينبغي أن تكون فوق حق الأعمال،   وإذا كانت تعددية  الفاعلين  هي مصدر غنى متبادل يتيح بجمع ووصل اشكاليات عولجت منفردة لمدة طويلة من الزمن،  فإنها تثير أيضاً سلسلة من الضغوط، وحتى من المتناقضات، التي تعيق فعلياً تطورها وتشوِّش على قروئيتها من الخارج. تظهر هذه الضغوط بشكل ٍ خاص عندما يحصل تقدم ملموس في وصف اكثر دقة لـ"عالم آخر معقول"، ويتم  تحديد الأهداف السياسية والاستراتيجيات لبلوغه. وهي تتم على عدة أصعدة.

النموذج الأول لهذه الضغوط يعود إلى الاختلافات الأساسية، أي اختلافات في الرؤية وفي المواقف السياسية حول الرهانات الهامة. وتتضاعف هذه التضاربات وتزداد حدتها حالما تستقبل الحركة البديلة مجموعات جديدة تتناول مواضيع وأفكار جديدة. 

فهي تتناول مسائل مثل اساليب  ترقية التطّور - وما إذا كان ينبغي عليها ان تتبع نمو الانتاج الاقتصادي ام لا؟ -   ودرجة وطبيعة تنظيم المبادلات الاقتصادية الهادفة إلى تأمين المصلحة العامّة،  وتقاسم الأدوار بين الدول- الأمم وبين المنظمات الدولية  في دمقرطة النظام العالمي وفي إجراء التوازن  في العلاقة المفصلية  بين الاعتراف بالحقوق الثقافية والمبادىء العالمية أي - الحقوق الانسانية، والديمقراطية، والعلمَنة - داخل المجتمعات، إلخ.

ينبغي ألا نقلل من اهمية هذه التباينات لأنها تتعلق بالتقاليد القومية النوعية كما  بتنوّع النماذج السياسية الكامنة خلف الحركة العولمية البديلة: من جمهورية، واشتراكية، وبيئية، ونسوية، عولمية او انتمائية محلية.

 

كما ان الضغوط بين الحساسيات العولمية البديلة تحصل ايضاً على مستوى اكثر استراتيجية، خصوصاً في العلاقة مع السلطة المؤسساتية: دول، برلمانات واحزاب.

وإذا كان قسم من الحركة الذي هو  من أنصار الحرية المطلقة، يعتقد انه ينبغي "تغيير العالم دون الاستيلاء على الحكم"، فإن مسألة الترجمة السياسية لأفكار العولمة البديلة هي موضوع مبرم عند أغلبية المناضلين.  فبالنسبة إلى بعضهم ينبغي إجراء تحالف للحركة مع حزب أو مع برلمانيين لهم برنامج عولمي بديل  وواضح، وصولاً إلى إنشاء جسم قادر أن يحمل صوت العولمة البديلة وتقديمها إلى مراكز اخذ القرار. تنقسم هذه المجموعة بعد ذلك حول موضوع الحزب او المرشح الذي ينبغي دعمه.  لكن القسم الأعظم من المجموعات العولمية البديلة ترى الخطر المضاعف من الانفجار الذي ينتظر كل مغامرة حزبية، سواء أكانت "ثورية" أم "اجتماعية- ديمقراطية". فبالنسبة إليهم، الطريق الوحيد الديمقراطي الفعّال يكون في تحريض  الجزء الأكبر من الشعب ودفعه للانتماء إلى الأفكار العولمية البديلة بغية الضغط على القرارات السياسية.

المستوى الثالث من الضغوط مرتبط مباشرة بالديناميكية الداخلية للعولمة البديلة،   وبتنوع وجهات النظر المبينة اعلاه، المترافقة غالباً مع تنوع الهويات والثقافات المناضلة (المعتمدة على المشاركة او التمثيل) وطرق الشرعية (بالوزن التنظيمي، والثابت الاجتماعي او الخبرة) التي تجعل آليات التشاور شاقة تماماً.

تنضمّ المنظمات  إلى الحركة العولمية البديلة انطلاقاً من مبادرة خاصة بها، وكثير منها يأخذ بعين الاعتبار امكنة اللقاءات  قبل كل شيء- خصوصاً المؤتمرات الاجتماعية- لتكون صدى لحملاتها. فعندما يغلب هذا المناخ التنافسي على منطقيات التعاون ُتعرِّض الحركة نفسها لانتقادات الذين لا يرون فيها سوى تجميع حزبيات مناضلة.

إذا كانت هذه الضغوط من سمات كل حركة اجتماعية او سياسية كبيرة - لنتذكر تاريخ الحركة العمّالية - فهي حادة في حالة الحركة العولمية البديلة.

اما بالنسبة لإمكانية إحياء ديناميكيتها، قد يكون من المجحف السعي لإخفائها او  حسمها باي ثمن.  بل على العكس من ذلك ينبغي لهذا التركيب المعقّد أن يُعترَف به، وان توضَّح كل وجهات النظر في قضاياه،   وان تُناقَش بشكل ٍ منهجي قدر الإمكان وان يتم تجربة أساليب تشاور  وتعاون  جديدة،   ليس من اجل البحث عن إجماع حول مجمل المسائل المطروحة للمناقشة،  بل من اجل التقدّم قدر الإمكان في تحديد الآفاق المشترَكة[5] والتحالفات  المتينة الثابتة في العديد من الإشكاليات الهامة: الثروات العامة العالمية، إصلاح المنظمات الدولية، السيادة الغذائية، وتجارة عالمية عادلة، وإعادة توزيع الرسوم العالمية، إلخ.

 ودون ان نسهب في الإرادوية ، فإنه من المؤكد ان إعادة  تنشيط التقارب هو رهن النضج السياسي للحركات والمنظمات العولمية البديلة، ورهن مقدرتها على التراجع عن اولوياتها وممارساتها الخاصة النوعية، والارتفاع إلى العمومية لتتمكن من تصوّر سيناريوهات تستجيب لتنوّع المقاربات والاهتمامات.

هذا المجهود في التماسك والترابط ينبغي أن يساهم في بناء "قطب" واضح قابل للتصديق،  ومفهوم يقبله العقل متجاوزاً حلقة الخبراء. وبالأخص في  الشرائح الشعبية المضطربة وغير المستقرة والتي يبقى انتماؤها إلى الحركة العولمية البديلة هو بحد ذاته إشكالية. مع أنه في هذه الشرائح الشعبية التي هي اكثر عرضة للأضرار الناجمة عن العولمة الليبيرالية، ينبغي على العولمة البديلة أن تعمل ما بوسعها لتقديم آفاق مقنعة لنمو اجتماعي مشارك، وللتصدي للمزج بين رفض العولمة والانكفاء على المحيط القومي والثقافة الخاصة والدين والتي تنميها القوى المحافظة بنجاح ٍ،  وكسب الاتساع والشرعية التي تنقصها لتطوير رؤاها على الصعيد الدولي.

  فرانسوا بولييه

ترجمة دز ماري شهرستان

 


[1]   العولمة mondialisme  عقيدة تسعى لتوحيد جميع بلدان العالم في متحد سياسي واحد.

[2]   بيير بورديو، "جوهر الليبيرالية الحديثة"، العالم الدبلوماسي 1998.

[3]   الالتباس بين خطاب عولمي بديل وخطاب حاكم، وصل  بكل تأكيد  إلى ذروته  مع "أهداف الألفية من اجل التطوّر" وذلك في الأمم المتحدة، والتي  تمّ  إخراجها  كتحدّي بامتياز   "للمجتمع الدولي" - من منظمات مالية، وحكومات، ومجتمعات مدنية قد اسقط في يدها - حيث يجب عليه امامها  ان يُسكِتَ   اختلافاته وتطلعاته  ليتحد بشكل ٍ افضل في المعركة نفسها.

[4]   تكون هذه الضغوط اقوى كلما كانت الحركات مرتبطة باحزاب ٍ  في السلطة  او في المعارضة، مثل حركات الجمهور في الهند، والعاطلين عن العمل في الأرجنتين، والمقاومة الشاملة في بريطانيا او النقابات في العديد من البلدان الأوروبية.

[5]   هذا البحث عن الآفاق والأعمال المشترَكة قد توضَّح في وثيقة بعنوان: "إعلان بورتو آلليغر" موقَّع من عدة شخصيات خلال المؤتمر الاجتماعي العالمي الخامس الذي عُقِد في بورتو آلليغر في كانون الثاني 2005.