العدد التاسع عشر - شباط 2007

تصور اقتراح لحل المشكلة اللبنانية

سايد كعدو
الجمعة 16 شباط (فبراير) 2007.
 

عندما جاء ارتحششتا من بلاد فارس باتجاه البحر الأبيض، قبل ظهور الاديان التوحيدية، وبعيد اقترابه من السواحل استقبله سكان هذه الجغرافيا وتحّمست صور وقدمت المدائح والاهازيج للقادم الجديد، واستقبلته نكاية بصيدا لأن الخلافات بين مدن الساحل من اوغاريت الى طرابلس وصيدا وصور هي خلافات بنيوية تأتي بالوراثة وتشكل التركيب البيولوجي لسكان هذه الجغرافيا، فقام ارتحششتا بتدمير وحرق صيدا ارضاء لصور.

وتبادلت المدن هذا الدور مع مجيء كل عاشق جديد لجغرافيتنا من الاشوريين والبابليين والفراعنة.. فتقوم مدن الساحل بالترحيب وتقديم الخدمات والنساء ومنها من يرفض فيحرق ويدمر اما الاسكندر الاغريقي وهو شاب احب شواطئنا فقد جاء برغبة السباحة في مياهنا النظيفة لان البحر اسمه ابيض والسمك ارخص ولكن قيل له انه اطيب وعند الإعلان عن رغبته بزيارتنا وعملا بالقانون الطبيعي لسكان هذه الجغرافيا الذي يحدد سلوك السكان القائم على الحسد والغيرة وهي حوافز للسكان للاستمرار بالحياة بحصولهم على الدعم من القادم الجديد بسبب قلة الانتاج، قامت جماهير صيدا واستعدت للترحيب بالقادم الجديد فنظمت فرق الهوارة والزجل وفرق النساء للترويح عن الرجال المتعبين، فأمنت الغذاء للجيوش والمعلومات عن الجارة صور ولم يبق أمام الإسكندر إلا الرضوخ لمطالب صيدا كوسيلة شكر على حسن ضيافتها لذلك رفض اية محاولة صلح او استسلام من قبل صور فقام بحرقها وتدميرها واغتصاب نسائها، وهكذا أضيف إلى ثقافتنا مثل جديد نكرره بابتسامة " من اغتصب امنا اصبح عمنا ".

ومع تكرار الأحداث والممارسات استطاع السكان على وقع الالحان والاغاني بمناسبات التوديع والاستقبال تحويل الاغاني الى أغان ثابتة لا يتغير فيها سوى اسم القادم الجديد او الذاهب مع شتائمنا.

وسميت هذه الالحان بالالحان الشعبية لانها كانت عامة واحيانا" سميت بالزجل والهوارة وهي اهم العوامل المشتركة بين سكان هذه الجغرافيا رغم الخلافات الابدية السرمدية والخلاف كان دائما على شكل عامودي يبدأ من ابسط الناس صعودا" مخترقا" السلطات الزمنية وغير الزمنية ( قبل التوحيد وبعده ) لان الاختلاف هو القانون الاساسي اما الاتفاق فلا ضرورة له وهو غير ممتع وغير مربح.

فالخلاف هو الوسيلة الوحيدة لجلب الاستثمارات وتدويرها ما يخلق الحيوية وينشط العملية الاقتصادية كما يقول خبراء هذه الجغرافيا واساتذتهم من المؤسسات الدولية.

 

مشهد من فيلم قديم

في احدى القرى كان الرجال يتجّهزون للاحتفال بالمولود الجديد للاقطاعي الذين يعيشون ضمن أراضيه، والإقطاعي كان لديه 4 فتيات وهو بحاجة لوريث.

لحظات الانتظار يسودها التوتر والخوف.

كل شيء جاهز وفرق الزجل والهوارة على استعداد ولكنهم بانتظار معرفة جنس المولود لتركيب الاغاني وتقديمها، حول الاقطاعي تحلق الرجال يغمرهم الفرح، الاولاد توقفوا عن اللعب بانتظار الخبر الذي سيفرحهم ايضا.

بعد قليل سمع صوت زلغوطة "صبي صبي صبي"، وعلا الصراخ وبدأت الدبكة تضرب الارض وابتسم الاقطاعي ابتسامة واسعة واطمئن الى استمرارية سلطته بعد الممات.

هجم الرجال وحملوا الزعيم على اكتافهم منشدين: "بالروح والدم بالروح والدم نفديك يا زعيم"

"يا زعيم لا تهتم عندك زلم بتشرب دم".

بدأت الوفود تتقدم لتقديم التهاني.. حاملة الحليب والخضار والفاكهة للزعيم الجديد..

أحد الرجال تقدم باكيا" وانحنى أمام الزعيم وصاح قائلا": اليوم اطمئن قلبي لقد اصبح لدى اولادنا زعيم ثم ركع وقبل يديه وشكر الله على هذه النعمة.

فقام الرجال بحمل الاطفال ورفعهم مرددين: بالروح والدم نفديك يا زعيم، وأخذ الأطفال يرددون مع اهاليهم بالروح والدم نفديك يا زعيم، وهكذا تنتقل الاهازيج والاغاني من الاهل الى الاولاد الى الاحفاد..

وعم الفرح والسرور سكان القرية التي يعيش أهاليها بصعوبة نتيجة الطبيعة الجغرافية للمنطقة..

(انتهى المشهد)

 

قبل التوحيد كان الصراع على مستوى الأرض، لأن القناعة والقبول بالتنوع جعل الناس تؤمن بأن السماء واسعة وهي لكل الناس بغض النظر عن قناعاتهم ولكن مع بروز فكرة التوحيد مع الفراعنة (اخناتون) في محاولة لنوحيد الارض كان عليه توحيد السماء، سيد واحد في الارض يفترض سيد واحد في السماء والعكس صحيح، ومع تبنّيها من قبل الأديان التي دعيت فيما بعد توحيدية أو سماوية، ضاقت السماء، وتم تحديد المقاعد للمختارين. لذلك تمّ تسخيف الحياة الأرضية كونها زائلة مع الموت وبدأ العمل والاهتمام على تأمين مقعد فوق.

وهكذا استضفنا نوعاً جديداً من الخلافات على شواطئنا وجبالنا، وشعر سكان هذه الجغرافيا ان الخلاف يستحق الاهتمام كونه خلافا" أبديا" سرمديا" وينسجم مع تركيبتهم النفسية وهكذا دفع بالنقاش نحو الأعمق والأشمل.

اتفق الجميع على الواحد ولكنهم اختلفوا في كيفية ارضائه والوصول اليه والتمتع بنعمه.

وظهر نوع جديد من الاعمال في ديارنا هو الوكلاء للواحد، واخذوا على انفسهم تسويق هذه الافكار من دون استئذان الواحد، كلّ يسوق أفكاره بالوسائل الترغيبية بما يعد المؤمن من خدمات فوق وبالوسائل الترهيبية للمخالف وبالعقوبات التي تتوفر تحت.

وكما تعرف يا اخي ان تسويق هذه الاتجاهات الإيمانية لا يختلف في الأسلوب عن تسويق شركات السياحة لاماكن السفر حيث الفرق بالخدمات مرتبط بالكلفة التي يدفعها المسافر ومع مرور الزمن واحتدام النقاش بين الاتجاهات المختلفة لدى السكان، تمّ نزع صفة المحبة والرحمة عن الواحد وتم تحويله الى مسؤول يشبه رجال المخابرات، يسجل كل افعالك واقوالك وعندما تقع في كمينه بعد الموت.. يا لطيف... وكما وعدك الوكلاء، ولأنك لم تصدقهم ولم تتبرع لهم تعيش ظروفاً لا توصف وتتمنى لو كنت نزيل السجون العربية أو سجون الديمقراطية الأمريكية.

 

مشهد رقم 2 من فيلم قديم

الاقطاعي يتقدم فلاحيه مسلحين بالعصي والسكاكين باتجاه الاقطاعي الجار لخلاف على سرقة ماعز ودجاج. تقابل الطرفان استعدادا" للمعركة.. وخلف الإقطاعي تقف مجموعة من الفلاحين الجاهزة للاستمرار في خدمة زعيمها حتى الموت وترددّ شعارها التقليدي: "بالروح بالدم نفديك يا.... " ولكن بصوت حزين.

(لكن زعماء واقطاعي المرحلة المنصرمة كان لديهم حد أدنى من الأخلاق والقدرة على تحديد المصلحة).

نظر الاقطاعي الى فلاحيه وهو يعرفهم كلهم فردا" فردا" يعملون في أراضيه ويقدمّون له الأطايب والخدمات والراحة، وقال في نفسه لو دفعتهم الى القتال سيموت اكثرهم وسأبقى بدون رعية وسأفقد أسباب الرفاهية لذلك اتخذ قرارا شجاعا" بدعوة غريمه الى القتال رجل لرجل ومن يربح يتزعم الجميع.

(نهاية المشهد).

 

وتكررّت المشاهد في جغرافيتنا على نفس الوتيرة حتى عام 1516 عندما جاء عثمان معجبا بجغرافيتنا وبالأغاني والزجل والهوارة والدبكات البلدية.

وكانت جغرافيتنا تخضع وتقدم الطاعة والمدائح للمماليك، تصوّر يا أخي حالة السكان الوطنية حيث مخاتير القرى كانوا عبيدا" لعبيد ومماليك وهم مرتزقة مستوردون من البلقان ضمن منطق الخصخصة لغياب الكفاءة المحلية ما جعلنا نستورد تكنوقراط من خارج جغرافيتنا لادارة شؤوننا المحلية رغم ان مخاتير القرى وجباة الضرائب من الفلاحين الفقراء كانوا يسموّن أنفسهم بالأمراء لطموحاتهم الكبيرة (كنّا السباقين بسياسة الخصخصة واستيراد الكفاءات)

في مرج دابق دعا المماليك العبيد عبيدهم الى معركة فاصلة مع عثمان الآتي والمعجب بالثلوج على قمم الجبال لانه أراد أن يمارس التزلج استعداد للمشاركة في البطولات الأوروبية.

قام الأمير المعني على رأس مجموعة من الزجّالة والهوارة لدعم سيده المملوك، ولكنه أثناء المعركة شعر المعني بأن موازين القوى ليست لصالح مملوك وبان عثمان هو القادم الجديد والمنتصر، فحسبها بشطارته وتذكّر القانون الأساسي لسكان هذه الجغرافيا (نودع عاشقاً ونستقبل مشتاقاً) فقام بتغير الخضوع أثناء المعركة من مملوك الى عثمان .

(لا تظن ايها القارئ انه قام بفعل خياني بل عملية نقل بسيطة للبندقية من كتف الى كتف).

وهكذا، وتكريما لشطارته عيّن جابيا" للضرائب من سكان هذه الجغرافيا بلقب أمير. ومنذ تلك الحادثة أصبح للمعني له معنى في حياتنا وقامت فرق الزجل والهوارة تمدح المعني لذكائه ولبراغماتيته وواقعيته السياسية ولأنه يعرف من أين تؤكل الكتف.

وبعد المعني رقم 1 جاء المعني رقم 2 الذي حاول التشاطر على جبهتين الداخل والخارج فتعلم لغة توسكانة وهي إمارة بحرية تشبه اماراتنا وحاول ان يكون وكيلها الخارجي وعميلها الجمركي، كان يجمع الضرائب من السكان ويقدم عربون الطاعة لعثمان ويشكو لتوسكانة بأنه خاضع لهيمنتها، لذلك يطلب المساعدات المالية للتخلص من حكم الوصاية - لكن توسكانه لم تكن تثق بالامير المعني رقم 2 لانه كان يمارس التهريب وتزوير عملة توسكانه خاصة وبسبب تعدد اختصاصاته وشطارته باللعب على الحبال، أصبح رمزا" من رموز الوطنية لسكان هذه الجغرافيا حيث نعلّمه لأطفالنا، نموذجا مثاليا للوطنية وعلينا التمثّل والإقتداء به، وتقليده حتى أننا صممنا له تمثالا" راكبا" على حصان واجلسناه الى جانب طريق الشام موجها" سلاحه نحو الشرق لتأكيد الشعار "العدو من أمامكم والاصدقاء من وراءكم خلف البحار".

ولكن حظ سكان هذه الجبال الوعرة وجلهم من رعاة الماعز والفلاحين وأصحاب الملكيات الصغيرة لا تلبي طموحاتهم وسكان الشاطئ صفاتهم كما يحددها علم الاجتماع.

أولاً: الاهتمام بالتجارة يعني شراء وبيع، يعني نقل بضاعة من مكان الى مكان آخر (عتالة).

ثانياً: عدم الانتماء أو عدم الوطنية.

ثالثا: الاهتمام بتوفير الراحة للسائح ( دعارة ).

وكما قلنا فان حظ السكان كان سيئا لان حكم عثمان كان طويلا" من 1516 - 1918 ممّا خلق حالة استرخاء وكسل وضمور عقلي، لأن السكان اعتادوا على التغيير وتنظيم احتفالات الوداع والاستقبال والتنافس بالمدح والذم على انغام الهوارة.

ولم تعد الأغاني تسمع بالربوع لأن عثمان كان يحمل عصا غليظة وطويلة ومسؤولية تمتد الى اوروبا وافريقيا حتى الصين، وليس لديه الوقت لغنج ودلع سكان جغرافيتنا ولا الاهتمام بالقيل والقال بين رعاة الماعز والتجار وسكان القرى المضجرة.

وكان عثمان يتدخل عند الضرورة لتنظيم الرعي بين الماعز والغنم وتنظيم الصراع بين دود القز وشجر التوت وكل ما عدا ذلك 400 سنة من الهدوء، ما دفع بالبعض من أصحاب الطموح إلى تعلم اللغة الفرنسية والانجليزية طمعا" بالحصول على وكالة تجارية. (وكالة أحذية وقماش ومواد غذائية). وكان الأوروبي يضع شروطا" لإعطاء الوكالة للمهتم.

1 - تقديم القليل من المعلومات عن عثمان ( تجسس ).

2 - تغيير الهوية الدينية وهي عملية سهلة عند سكان هذه الجغرافيا طالما أنها جزء من الموروثات.

وعندما تتوفر هذه الشروط يصبح الوكيل او العميل التجاري أنسانا" حضاريا" يقوم بدور ناقل للحضارة من الغرب الى الشرق المتخلّف وهذا تفسير محلي ( للعتالة ).

وهكذا أصبح وكيل الأحذية والقماش والمواد الغذائية ناقلا" للحضارة والثقافة وحضارته تمّر من خلال عمل العتالة..

انتبه عثمان إلى ذلك وخاف على الإنتاج المحلي، وفي محاولة لضبط هذا الاختراق قام بمحاكمة مجموعة من الوكلاء في محكمة شرعية بحضور القناصل والتجار والجواسيس وثمّ الحكم بالإعدام على هؤلاء بتهمة التعامل مع قوى خارجية (تجسّس).

ومرت الأيام وتغيرت الظروف الدولية، وبعد 400 سنة تعب عثمان وجاء الفرنسي والانكليزي بعد الحرب العالمية الاولى لوراثته.

وتصور يا أخي أن عثمان الذي رعانا 400 سنة وحافظ علينا رغم سخافتنا رفض وهو على فراش الموت ان يقبل بيع جزء من جغرافيتنا ( فلسطين ) للأجنبي ولمرتزقة أوروبا وأمريكا مقابل دواء لعلاج إمبراطوريته، ففضل الموت على خيانة الامانة.

تصور يا اخي على الرغم من ذلك، حجم الإهانات والشتائم التي ما زلنا لغاية اليوم نوجهها اليه.

ومن أهم إنجازات القادم الجديد (الفرنسي والانكليزي) المشتاق الى جغرافيتنا منذ ما قبل الطوفان انه قام بتقسيم جغرافيتنا ولاول مرة في التاريخ ولأنها كانت كبيرة على معدته لم يستطع هضمها فكان مضطرا لتصغيرها لتناسب طموحاتنا وقدرة معدته على الهضم، ولكي يعطي للجغرافيا الجديدة معنى، كان بحاجة لدماء وشهداء فتذكر وكلاءه وأعاد إليهم الاعتبار فطلب منا اعتبارهم شهداء فاهدانا قسم منهم وسجله علينا وسجل الباقي في القسم الآخر من الجغرافيا.

وهكذا اضيفت سمة جديدة للتركيبة النفسية لسكان هذه الجغرافيا، مفهوم جديد لا يميز بين وطني وعميل، بل هي وجهة نظر وحسب توازن القوى، عميل اليوم شهيد غدا والعكس صحيح. (اكتشفنا مبدأ النسبية قبل ان يكتشفه اينشتاين).

وتشكّلت وفود الهوارة للتهنئة ومباركة القادم الجديد وأضيفت مهنة جديدة الى ثقافتنا وهي مهنة الترجمة، وكل وفد كان يتشكل من رجل يعمل بالسياسة وبالناس، وآخر يعمل بالدين وبالناس، ومترجم إلى اللغة الفرنسية والانكليزية، لتقديم الطاعة وطلب وظيفة او مساعدة اجتماعية أو مستوصف للقرية.

ويمكن الرجوع ايها القارئ الى الصور القديمة لأن في هذه المرحلة دخلت الصورة الى ثقافتنا، وهي إثبات واقعي لا يمكن تكذيبه أننا دخلنا حضارة الصورة.. لكن دون صوت، وباستطاعتك يا أخي القارئ أن تتصور أن الهتافات لم تختلف في هذه المرحلة عن المراحل الماضية وهي بالروح نفديك يا... يا ... لاتهتم عندك زلم بتشرب دم. وتصور يا أخي أيضا صعوبة دور المترجم في هذه المرحلة، وهكذا ولدنا نحن في وطن تخيله ووضع تصميمه الخالق كما تقول الاسطورة وتمّ تنفيذه وتحقيقه على يد مجموعة من القتلة والسارقين ومجرمي الحروب جاؤوا من فرنسا وانكلترا وأصبنا نتيجة هذا التناقض بمرض يدعى الشيزوفرانيا اي ازدواج الشخصية: فكرة إلهية - وسيلة اجرامية. وطن صنعه القتلة والمجرمون وتمّ تسليمه لمجموعة من الوكلاء الحصريين من العائلات التي لا نعرف اصولها حتى اليوم ممثلة بمجموعات بشرية أطلق عليها لقب طوائف لا تخرّج سوى قتلة ومجرمين وقطاع طرق. وللتوضيح يكفي أن تشاهد كل يوم ضيوف وزوار هؤلاء على المحطات التلفزيونية، وهؤلاء الوكلاء يسمّون أنفسهم رجال سياسة.

يتقاتلون، يتصالحون ويعفون عن بعضهم البعض.. عمّموا نظام الرشوة حيث اصبحت صفة من صفات الانسان الشاطر (الوطني) والذي لا يرتشي يطلقون عليه لقب حمار (المواطن). انسان عجيب غريب، تم تصنيعه تاريخيا" منذ ما قبل التاريخ حتى اليوم.

وهكذا حاولنا تشخيص المرض الذي نعيشه لكي نستطيع تحديد الدواء والعمل على توفيره حتى يستطيع ان يتحول الى انسان عادي بسيط يحب الحياة، وسنحاول اقتراح بعض الحلول للخروج من هذا المأزق التاريخي.

التساؤل الأساسي الذي يطرحه الانسان في هذه الجغرافيا هو لماذا تتكرر الأحداث؟.

ضمن هذه الجغرافيا يعيش نوعان من الناس برأينا، الاول مواطن، والثاني وطني.

1 - المواطن انسان عادي يريد العيش بكرامة يؤمن بالآخر يحب الحوار المسالم يجهد لتحسين أحواله بواسطة المعرفة والعلم، يؤمن بأن الوطن بحاجة الى شعار الكفاءة المناسبة في المكان المناسب.

2 - الوطني الذي يؤمن بأن كل شيء يحلّ بالعنف والقوة، لا يقبل الآخر ولا يحاوره ويلغيه لأنه يؤمن بأن المبدأ الأساسي هو الانتماء إلى رابطة الدم يعني الانتماء الى الغرائز والارتباطات البدائية للبشر، شعاره الرجل المناسب في المكان المناسب، انتماء ديني مناطقي قبلي عائلي يقوم على تقديس إنتاج الأعضاء الجنسية.

بينما المواطن يقوم على تقديس العقل والكفاءة، أمام المواطن خيار السفر او الذل، بينما الوطني أمامه الوطن والوظائف والفرص للعيش برفاهية وهذا ما يعرفه كل انسان يعيش في هذه الجغرافيا.

وعندما يتحمّس الوطني يقتل جاره أو أخاه أو أبن قريبه وليس عليه الذهاب بعيدا".

ومن هنا نكتشف القانون الاساسي الذي يتحكم بهؤلاء السكان.

في علم الاجتماع هناك قانون ثابت هو ان المجتمع عندما يتعرض لهجوم من الخارج يتوحد الداخل للدفاع عن ذاته فينسى خلافاته ويجمدها، بينما سكان هذه الجغرافيا وهم من تركيبة عجيبة غريبة منذ ما قبل التاريخ، وأمام أي زائر من الخارج وعكس القانون الذي تعيشه المجتمعات الطبيعية ينقسم على نفسه ويمارس الحرب الاهلية وهذا القانون مازال ساري المفعول حتى اليوم، وهو يعبر عنه عمليا بقانون التدمير الذاتي.

لذلك نخلص الى النتيجة التالية:

ان سكان هذه الجغرافيا لايتوحدون تحت راية واحدة إلاّ نتيجة وجود موجّه من الخارج يوحّدهم وينظمهم ويسود الهدوء طالما يستعمل القوة، وعندما يضعف الموجه الخارجي يعود سكان هذه الجغرافيا الى الصراعات العبثية والمضجرة، أي ما يسمى بالحروب الاهلية وتستمر حتى يأتي المنظم الخارجي من جديد. ويا عزيزي القارئ لست بحاجة لبرهان لان لديك كل التاريخ والمستقبل للتأكد من هذه النظرية.

باعتقادنا، أن الحل المناسب لهذا المرض الذي يعيشه انسان هذه الجغرافيا هو الحل الذي اعتمد قديما لحل كل المشاكل بين الناس ويقوم على توفير الفرصة لاثبات الحق بالحصول على مبارزة مع الخصم ومن يربح يحكم.

والحل يقوم على ثلاثة مستويات

 

مشهد من فيلم مستقبلي

المستوى الاول: المستوى الجماهيري

في لبنان مجموعة من الناس خلقوا بشكل سيىء ومازالوا يرددون بالروح بالدم .. عندك زلم بتشرب دم.

هذه الفئة هي من المرضى والموتورين لا يمكن إصلاحها بالحوار أو الإرشاد، جماهير خلقت هكذا ولكي لا يتكرر ضرر هؤلاء الوطنيين على المواطنين كما حدث لغاية اليوم، نقترح توفير فرصة لهؤلاء لإشباع رغباتهم العدوانية بتنظيم حفلات مصارعة على الطريقة الرومانية القديمة في ملاعبنا الرياضية وعلى وجبات متكررة بالسلاح الابيض لاشباع رغباتهم بتحقيق شعاراتهم.. يا .. عندك زلم بتشرب دم وهكذا تتوفر الفرصة للمواطنيين متعة المشاهدة لصراع الوطنيين بدل ان يكونوا ضحية عنف ووحشية الوطني.

 

المرحلة الثانية

تنظيم مباريات مصارعة لكافة الزعماء السياسيين تحت شعار رجل لرجل، وذلك بالطلب من هؤلاء التضحية بأنفسهم بدل التضحية بالناس، وتتواصل المباريات بين الزعماء حتى لا يبقى الا واحدا" نعينه مسؤولا علينا.

 

المرحلة الثالثة بين ممثلي الطوائف الدينية

لأن أي عاقل عندما يعرف أن في لبنان 18 وكالة دينية فإن أول سؤال يطرحه:

اذا كان الله اعطى 18 وكالة حصرية دفعة واحدة فهذا غير طبيعي وغير مفهوم، لأنه من المفترض ان يكون هناك وكيل " واحد" لذلك لتأكيد مصداقية الوكيل وحسم الخلاف تعتمد الطريقة القديمة في اثبات الحقيقة بالمبارزة بين رؤساء الطوائف ومن يربح في النهاية نتبع طريقته في الايمان ونفرضها على المواطنين كما حدث في الماضي.. لاننا جميعا" مؤمنون بالوراثة، ولأنه جرّبنا على مدى تاريخنا كل الاساليب والحلول ورغم ذلك نكرر المأساة، قد يكون هذا الحل مفيدا" لسكان هذه الجغرافيا...

ربما هذه الطريقة تساعد على الأقل بالتخلص من مسببي بعض الكوارث في جغرافيتنا.

 

 

مشهد من فيلم واقعي خيالي

رجل يدخن الاركيلة وينفخ الدخان في وجه زوجته المنزعجة، في محاولة لمغازلتها.

الزوجة: لا احب هذه الرائحة.(تجاوبه بهدوء وهي ليست المرة الأولى)

ولكن الزوج الذي يلبس ثياباً رياضية يضحك ضحكة شهوانية وهو ينظر الى زوجته التي تحاول عدم اغضابه، حاول مغازلتها مكررا" بعض الجمل الانشائية التي يحب رجال هذه الجغرافيا تكرارها:

الرجل : احب ان تكوني حبيبتي (يأخذ نفس أركيلة ) وصديقتي (نفس اركيلة) وأمي وعشيقتي وأختي ويستطرد مكررا نفس السيمفونية يقطعها صوت الاركيلة للتعبير عن شهوانيته. يكرر كل ما قاله الشعراء والرجال في سبيل اغتصاب المرأة القابلة والجاهزة للاغتصاب منذ ما قبل التاريخ. وعندما انتهى من سيمفونيته السخيفة والسمجة أبتسم ونظر إليها محاولا" اغتصابها بعينيه.

حاولت الزوجة أن تجيبه ولكنها لم تكن تريد إغضابه، لأن الرجل كما تعلمت هو رأسها ووكيلها وسيدها ولكنها جمعت شجاعتها وسألته.

الزوجة: اذا كنت سأقوم بكل هذه الأدوار فماذا ستقدم أنت بالمقابل ؟

أبتسم ولم يفهم، وحاول الإجابة لكن الكلمات خانته، لان الشعراء قبله لم يخبروه بالجواب في مثل هذه المناسبة فاحتار بما يقوله فاستشاط غيظا" وهو لا يدري ما يقول.

الزوج: ابتدأنا بالفلسفة ؟ يا عيني شو مهضومة ! حضري نفسك للقيام بالواجبات الزوجية.

بهدوء وقفت الزوجة، دخلت حزينة لأنها لم تستطع أن تأخذ التزاما" من الرجل الذي تسكن معه نتيجة العادات والتقاليد التي تعطيه قوة القرار، ولكنها دخلت واخذت تجمع التقاليد والعادات المرمية في الخزائن وفي المطبخ بين الأواني وفي غرفة النوم تحت السرير وبين الأحذية البالية. جمعت كل هذه التقاليد والعادات المتوارثة ووضعتها في الغسالة في محاولة لغسلها للمرة ألألف وهي تعرف جيدا" أنها لن تصبح نظيفة وفكرت طويلا" بالوضع واتخذت قرارا وهو انه في المرة القادمة ستعمل على حرقها ورميها.

انتهى المشهد