العدد التاسع عشر - شباط 2007

"سرلنكيتي.. الفلبينية" رواية إنسانية تواجه وجه لبنان الفائر

موسى ابراهيم
الجمعة 16 شباط (فبراير) 2007.
 

طرق موسى ابراهيم باب الأدب الروائي بثقة وثبات لا محدود،وهو الإعلامي الذي يغوض في بحر السجال السياسي محاورا السياسيين بحرفية واقتدار. لكنه اليوم يطرح روايته الأولى " سرلنكيتي.. الفلبينية" في ظل أجواء سياسية مشحونة متحديا بها أيام الإنقلابات الساخنة التي تلفح لبنان.

تناول موسى فيها حالات إنسانية تعيش في مجتمعنا، نتفاعل معها يوميا دون أن ننظر إليها أو نتوقف عندها، لأنها مجرد آلات تساعدنا في تدبير حياتنا المنزلية. من هنا جاءت روايته لتضع علامة استفهام كبرى حول إنسانية الخادمات في لبنان وكذلك قدرة اللبناني على الحفاظ على آدمية هؤلاء؟!

 

* يتسم دخولك إلى عالم الكتابة بالغرابة حيث تتعلق روايتك الأولى " سرلنكيتي .. الفلبينية" بالخدم ومعاناتهن في لبنان. فإلى أي مدى ترى ذلك صحيحا؟

كانت تلح علي فكرة الرواية منذ سنتين، ورسمت الخطوط العريضة للأحداث والشخصيات، لكن ما عصف بلبنان من أحداث سياسية أخرت إصدارها. هذا عن تاريخ الفكرة أما لماذا الكتابة في هذا الموضوع تحديدا فيرجع إلى طبيعة المجتمع اللبناني الإٍستهلاكي الذي يعشق الرفاهية ويموج بعدد كبير من الخدم من مختلف الجاليات الآسيوية والأفريقية للعمل في البيوت، مما أوجد تواصلا يوميا بينهم وبين اللبنانيين. لذلك أردت التوقف أمام هذه الظاهرة، وتحليلها في إطار درامي روائي، تناول مجموعة من الحالات.

ولعل ما أوحى إلي بكتابة هذه الرواية هو انتحار أو قتل إحدى السيرلانكيات عندما قفزت من النافذة أو ألقت منها. كما أن الصحف والمجلات اللبنانية تتحدث بشكل دائم عن معاناة الخادمات وفرارهن من بيوت مخدومهن بسبب سوء المعاملة أو الإتهام بالسرقة أو تعرضهن للإغتصاب أو حرمانهن من الراتب أو الطعام. أي أن طريقة تعاطي أرباب العمل مع هذه الفئة أصبحت مادة للدراسات الإجتماعية ولوسائل الإعلام، مما ساهم في تبلور فكرة الرواية في مخيلتي.

 

* تحدثت في الرواية عن ثلاث خادمات. فهل جاء ذلك في إطار بنائي نقدي أم روائي سردي؟

عمليا، لقد انطلقت في الرواية من ثلاث أو أربع مواقع أساسية، تتقاطع جميعها في نقطة واحدة هي سبب مجيء الخادمات إلى لبنان بحثا عن العمل، فيعشن ظروفا" اجتماعية واقتصادية متشابهة مثل العنف المنزلي وسوء المعاملة. من هنا حددت بناء" درامياً لكل شخصية. فهناك من تصل إلى لبنان قادمة من سيرلانكا فينقلها مخدومها إلى منزله، وتتفاعل الأحداث في رسم العلاقة بينها وبين تلك الأسرة. وهناك فتاة كانت تعيش في لبنان وتعمل لدى أسرة تنتمي إلى طبقة اجتماعية معينة، فتعرض الرواية السلوك اليومي للطرفين. كذلك هناك ثلاث فتيات يعشن سويا في منزل متواضع، ويعملن في لبنان بطريقة غير شرعية -حسب القانون اللبناني- على أساس أنهن دخلن إلى البلاد عبر مكتب خدم ولكنهن في الحقيقة يعملن لوكلاء وهميين، ويعود ريع عملهن إلى أنفسهن. ومن خلال الأماكن التي يعملن فيها تعرضن لعدد من المشاكل نتيجة احتكاكهن بالمجتمع اللبناني. أما الشخصية التي تجتمع عندها كل فتيات الرواية، ويلجئن إليها عند تعرضهن لأي مشكلة، فهي سيدة سيرلانيكية تعمل في لبنان منذ عشرين عاما، ونجحت في التغلغل في النسيج الإجتماعي اللبناني.

 

* في روايتك الأولى، ماذا تقول عن الصعوبات؟

لقد واجهت عدداً من الصعوبات عند كتابة الرواية أهمها ما له علاقة باللغة، فاستعنت بمترجمين فلبينيين وسيرلانيكيين عندما كنت أريد معرفة معلومات معينة من المواطنات السيرلانيكيات أو الفلبينيات. كذلك كنت أذهب إلى أماكن تجمع هذه الجاليات لمعرفة طريقة تعاطيها مع بعضها البعض واكتشاف تفاصيل دقيقة عن حياتهن، ولكن كان من الصعب التردد على هذه الأماكن بسبب خوفهم من الإحتكاك باللبنانيين. فكانت تواجه أسئلتي بالرفض أوالتجاهل أو الإجابة الحذرة على أحسن تقدير وهنا يجدر القول أنني منذ انكبابي على كتابة الرواية اعتبرت معاناة هذه الفئة قضيتي، ورفعت شعار:" إذا أردت خدمة قضية ما حاول أن تكتب رواية جيدة". لذلك أردت طرح السؤال التالي: لماذا يتعاطى اللبناني مع الخادمات على أساس أنهن آلات منزلية دون الإلتفات إلى مشاعرهن، أحاسيسهن، والمشاكل التي يعانين منها في أوطانهن!

 

* عندما نذكر موسى ابراهيم يتبادر إلى الذهن السياسة. فلماذا اخترت الإبتعاد في روايتك الأولى عن العالم الذي تعيش فيه؟

من المفيد أن نقدم عملا" يشكل صدمة للقارىء. صحيح أنني أتعاطى السياسة بحكم عملي في تلفزيون NBN

من خلال تقديم نشرات الأخبار، ولكن ليس هناك من تعرض بين الإعلام السياسي وكتابة الرواية الإنسانية.

 

* هل تمارس أشكالا" أخرى من الكتابة عدا الرواية؟

في بعض الأحيان أكتب مقالات سياسية. كذلك صدر لي كتاب: "المياه:أزمة وصراع"، والذي تناول موضوع الصراع على المياه بين تركيا وسوريا والعراق. وهو بعيد تماما عن روايتي اليوم. وعلى أي حال من يتعاطى الإعلام يستطيع الكتابة في كل شيء.

 

* إلى أي مدى يتقاطع خيال الروائي مع الواقع؟

عند الكتابة ننطلق من واقع اجتماعي معين ينقح ببعض من الخيال، على أن يحمل العمل رسالة معينة يرغب الكاتب في ايصالها إلى القارىء. أما خيال الروائي فيتعلق بالحبكة ومعالجة الحالات الإنسانية الموجودة في الواقع وتظهيرها في صياغة جيدة على الورق. لذلك عندما كتبت هذه الرواية لم أستحضر قوالب جاهزة أو خلفيات مسبقة تقليدا لمدرسة أدبية معينة، بل تركت لخيالي العنان في إطار من الواقعية الإجتماعي الإنسانية.

 

* هل هناك خصوصية للكتابة اللبنانية؟

تنبع خصوصية الكتابة اللبنانية من سقف الحرية المرتفع، وغياب الرقابة عليها حتى أنها تصل في بعض الأحيان إلى حد الفوضى. كما أن المجتمع اللبناني يتمتع بثراء اجتماعي كبير وحيوية لا محدودة، فيحفل بالقضايا والأحداث الجديرة بأن تكون موضوعات قد يتناولها الأدب.

 

* مما يخاف المثقف اليوم؟

من المؤسف أن نجد المثقف الآن خائفا، مضطربا، وتائها في زمن ضاعت فيه المقاييس. لذلك يعيش المثقف أزمة التلقي والخوف من أن يتحول ما يقوله أو يكتبه إلى صدى في واد. وهذا ما ظهر أخيرا في لبنان بعد أن تمترست الناس خلف المذاهب والطوائف ورفضت الإصغاء إلى صوت العقل أي صوت المثقف!

 

* هل تؤمن بالكلمة وتحتفي بها؟ وإلى أي حد تعول عليها؟

مازالت الكلمة رغم القفزات العلمية السلاح الأمضى. وفي البداية كانت الكلمة وستبقى كذلك.

 

 

حاورته أسماء وهبة