العدد التاسع عشر - شباط 2007

عباس ضاهر: أحلم بمدنية جديدة بديلة عن دولة الطوائف

أسماء وهبة
الجمعة 16 شباط (فبراير) 2007.
 

أصغر محاور سياسي لبناني يخلع عاطفته السياسية على باب الصحافة

يعتبر عباس ضاهر أصغر محاور سياسي ومقدم نشرة أخبار في لبنان. دخل الحقل الإعلامي من بابه الرسمي بمحض الصدفة، ورغم حداثة سنه، أبرز موهبة خلاقة وابداعا" لا يستهان به.

ولا نستطيع الا أن نتوقف عند قدرته على جمع الفرقاء السياسيين على شاشة واحدة هي تلفزيون لبنان محطة الدولة الرسمية. يحاورهم بثبات، متحديا سقف الحرية المتحرك في لبنان، حتى أن أحد السياسيين ابدى ترددا في الظهور في برنامجه السياسي بسبب اندفاعه نحو كشف أوراق ضيوفه!

وفي إطار سعيه الدؤوب نحو الأفضل قرر اليوم الإنتقال إلى تلفزيون ن.ب.ن على أساس أن الإعلامي يمر في حياته المهنية بثلاث مراحل حددها على الشكل التالي: "أولا مرحلة التأسيس التي قد يعمل خلالها الإعلامي في أكثر من محطة تلفزيونية. ثانيا مرحلة الممر. وأخيرا مرحلة المقر أي الثبات". لكنه يرفض ربط هذا الإنتقال بأي عامل سياسي. "فأنا أقف على مسافة واحدة من جميع السياسيين، الشيء الذي كفل لي النجاح في عملي، بعد أن احترمت ما تنص عليه القوانين المنظمة للإعلام، وموضوعية كتابة الخبر، وبالطبع اعتماد مفهوم الإستراتيجية الهجومية والدفاعية إبان الحوار السياسي. كذلك لقد تعلمنا خلال دراستنا في كلية الإعلام أن نخلع عباءة انتمائنا السياسي والعاطفي على باب المؤسسة الإعلامية، ونعمل وفق توجهاتها السياسية التي قد لا تتوافق مع قناعتنا الشخصية".

لكن أليس ما يتحدث عنه ضاهر يتناقض مع الفكر الحر الذي يتغنى به لبنان، وقدرة الإعلامي على التعبير عن نفسه بصدق! ألسنا هنا بصدد حرية مزيفة؟!

يتابع ضاهر: " يوجد في لبنان الكثير من الحرية الإعلامية، لكنها تصل في كثير من الأحيان إلى مرحلة الخطيئة أوالفوضى. وتحت شعارها بدأ الإعلام يعبث بالمقدسات والخطوط الحمراء تحقيقا لمصالح سياسية أو شخصية دون الإلتفات إلى نتيجة هذا الإنفلات وتأثيره على الشارع، مما يفرض اليوم ضرورة ضبط هذه الحرية المزعومة".

وفي ظل انقسامات سياسية حادة تتستر خلف المذهبية وتتمترس وراء الطائفية أصبح من الصعب ضبط هذه الحرية في مجتمع تدعي كل أطرافه معرفة الحقيقة. لذلك يتساءل ضاهر عن إمكانية هذا الضبط طالما أن لبنان لم يطبق النظام العلماني! "فالمطلوب هو تغيير الفكرة الأساسية المتجذرة في المجتمع اللبناني، والتي تعتبر الكارثة الحقيقية، ألا وهي الطائفية، مع اتخاذ خطوات حقيقية لوضع أسس نظام سياسي مختلف، وتصحيح النظام الإقتصادي. وعندئذ سنلمس اختلافا في أداء المنظومة الإعلامية التي تتهم اليوم بتردي أدائها دون النظر إلى السبب الحقيقي وراء ذلك، وهو خضوعها لجهات سياسية غارقة حتى الثمالة في المذهبية".

انطلاقا من هذا الواقع، من الطبيعي أن يعاني الإعلام اللبناني الكثير من المشاكل أهمها القوانين التي تنظم آلية عمله ويتساءل ضاهر:"هل يعمل الصحافيون في لبنان مثل باقي الصحافيين في العالم؟ أين هي نقابة المحررين التي لا ينتمي إليها إلا عدد صغير جدا من العاملين في الإعلام لا يتجاوز العشرة في المئة؟! لماذا لا نفّعل عمل رابطة خريجي كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية؟ وأين هو نادي الصحافة؟ أين القوانين التي تنظم عمل الصحافيين؟ وليكن لنا في نقابة الصحافة المصرية أسوة في ذلك، حيث لا تسمح لأي شخص بالعمل في الصحافة دون الإنتساب إليها. هناك خطأ في التركيبة الإعلامية اللبنانية، بسبب جهل معايير ممارسة العمل الإعلامي في لبنان، وبالتالي يتخبط عند الأزمات".

وما تعاني منه المؤسسات الإعلامية ينسحب على الشباب اللبناني أيضا، الذين رهنوا أنفسهم للأحزاب، مما انعكس على سلوكهم، فآثروا التقوقع داخل المذهبية والطائفية التي تكفل لهم حسب ظنهم الحماية والسلامة. وهنا يتابع ضاهر: "نتيجة هذا الوضع تكون في وعي شريحة من الشباب اللبناني أنهم عاجزون عن الحصول على أي وظيفة دون المرور بزعماء الطوائف. وهذا جلي في عدد من المؤسسات الإعلامية ذات اللون الواحد. فيكثر الحديث عن صعوبة البدايات، وعدم إعطاء الفرصة للموهوبين من الصحافيين الشباب على أساس أن هناك طفرة في الإعلام. ولكن في الحقيقة هناك نقص في الكوادر الإعلامية التي لن يستطيع ملئها إلا الصحفيون المحترفون بغض النظر عن انتمائهم السياسي أو الطائفي".

وبالرغم من كل ذلك يرفض ضاهر العمل خارج لبنان، لأنه يحب الإستمتاع بثمار تعبه بين أسرته وأصدقائه ومحبيه. كذلك سيفقده السفر قيمة أساسية في حياة الإعلامي التي يكد كثيرا من أجل صناعتها وتطويرها وهي التواصل الإجتماعي، الذي يعد الرصيد الأول للصحافي الذي يخوله الحصول على مصدر الخبر.

أما عن الإحباط السياسي المستمر الذي نعيشه اليوم فهو حسب رأيه "مرحلة عابرة ستنتهي بطريقة أو بأخرى، مع أنها أدت إلى رواج العمل الصحافي، وازدياد الطلب على الصحفيين لتغطية الأحداث الجارية ".

لكن ما هي إمكانية الحلول في ظل وضع سياسي متشنج وإعلام حول نفسه إلى ساحة اقتتال بين التيارات السياسية المتناحرة وشباب قرروا الهروب من هذا الواقع إلى الخارج أي نحو المجهول؟!

هل نحسم قرارنا بإعلان دولة الطوائف دون الطائفية أم متابعة مشروع العلمانية الذي اعتبره البعض قد احتضر رغم سنوات نضاله الطويلة؟!

يرى ضاهر أن هناك نمطا من المدنية الجديدة بدأ يصنعها الشباب اللبناني رغم الصراع السياسي ، والذي يقوم على التواصل بين الجميع، وإجراء مراجعة نقدية لأرشيف السنوات السابقة والأداء السياسي خلالها والذي أثبت عقم التجربة اللبنانية! "ولأننا شعب لا يقرأ التاريخ إلا عند الأزمات اكتشفنا أننا نمر بأزمة سياسية كبرى أو تعصف بنا حربا أهلية كل 15 سنة، نتيجة تراكم الأزمات السياسية والإجتماعية والإقتصادية وعدم علاجها جذريا، واكتفاء السياسيين بالتسويات المؤقتة التي تضمن لهم امتيازات السلطة والزعامة، وبالطبع الحفاظ على مصالح جماعات معينة داخل الوطن تعمل لحسابهم، وليس من أجل مصلحة أبناء هذا الوطن. لذلك قد يكون تغيير السلوك اللبناني الشعبي عبر التواصل اليومي بين مختلف المذاهب والطوائف مفيدا، الشيء الذي قد يغير صورته في ا

لمستقبل، ويضعه على بداية طريق فكرة جديدة وممارسة مختلفة لم تتضح إرهاصاتها بعد!"