العدد التاسع عشر - شباط 2007

الكتاب: أزمة الاقتصاد اللبناني (الواقع والحلول)

هيام عبدو الجندي
الجمعة 16 شباط (فبراير) 2007.
 

قراءة في كتاب

الباحث: غالب أبو مصلح - عن دار الحمراء

هل الأزمة الاقتصادية الاجتماعية في لبنان أزمة عابرة أم أزمة بنيوية؟

في إطار الإجابة على هذا السؤال يأتي كتاب أزمة الاقتصاد اللبناني الواقع والحلول لمؤلفه الباحث غالب أبو مصلح، الصادر عن دار الحمراء للطباعة والنشر. ويكتسب هذا الكتاب أهمية ليس من حيث قيمته المعرفية فحسب، بل لتزامنه مع ذروة الأزمة الاقتصادية والسياسية اللبنانية، ليضع يده على مكامن الخلل التاريخية في بنية المجتمع اللبناني ككل.

يستهل الكاتب بمقدمة تتناول ملابسات الحرب الإسرائيلية على لبنان والمواقف المتباينة منها سواء اللبنانية أم العربية والعالمية واصطفافاتها المختلفة.

ومن ثم يتوقف في مقدمة منهجية عند أسس الأزمة الضاربة الجذور، ليخلص إلى أن المأزق اللبناني الراهن ليس مجرد عثرة عابرة بل هو مأزق بنيوي، يشمل كل الصعد الاقتصادية والسياسية والثقافية كافة معلناً انتهاء الدور التاريخي للطبقة التقليدية الحاكمة، والتي تعود إلى زمن المتصرفية، مرورا" بالاحتلال الأوروبي بحيث تمكنت من الاستمرار إلى يومنا هذا لتضع البلاد في مأزقها الراهن.

يعود الكاتب إلى بدايات نشوء الكيان اللبناني، عندما كان لبنان متصرفية تحت وصاية وإشراف القناصل الأجنبية، وكيف استفادت أوروبا من نظام الملل العثماني لتجذر نفوذها في بعض الطوائف عندما أعطت امتيازات لبعض تلك الطوائف على حساب الأخرى، ومن ثم العمل على بناء بيروت كمركز للخدمات المالية والوكالات التجارية الأوروبية وكعقدة للمواصلات والاتصالات وكمركز تعليم جامعي وإعلامي، لتكون رأس جسر آمن للقوى الاستعمارية الأوروبية، لتتمكن من الوثوب إلى الداخل العربي، وهذا ما حدث فعلاً بعد انهيار الدولة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى. استفاد النظام اللبناني من هزيمة الأنظمة العربية ومن انتصاراتها ومن سقوط فلسطين، ومن الانقلابات العسكرية في بعض دول المحيط ذات الطابع الراديكالي المتشدد، هذا المناخ العام دفع إلى لبنان ببرجوازيات ذات خبرات متطورة وثروات كبيرة، معززة بذلك موقعه ودوره الخدماتي، كما تمت الاستفادة من إغلاق قناة السويس وهزيمة حزيران وفورة النفط، لكن الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي وجها ضربات قاسية جداً إلى لبنان، بحيث تعمقت الانقسامات الداخلية، وحتى مؤتمر الطائف الذي وضع حداً للحرب الأهلية، لم يمثل مصالحة حقيقية بين القوى اللبنانية المتحاربة، أو حتى حسماً لخلافاتها العميقة، بل عكس مجمل التوازنات المحلية والإقليمية والدولية المتداخلة وبهذا بقي الوضع يحمل في داخله إمكانية انفجار الصراع.

وقد برزت الليبرالية الجديدة كحل لأزمة الرأسمالية الأميركية، وللنظام العالمي، في مرحلته الأكثر احتكارية وعولمة، بهذا المعنى تكون الليبرالية معبرة عن مصالح الرأسمالية الاقتصادية وبالتالي هي ثورة الرأسمالية على الطبقات العاملة وما راكمته من حقوق، والليبرالية اللبنانية لم تخرج عن سياق الليبرالية العالمية وقد تمثل ذلك بالورقة الإصلاحية رقم (1) هذه السياسة أوقعت لبنان في المديونية، ووسعت الفجوة التنموية بين المركز بيروت، وبين المناطق الأخرى وبالتالي تم إضعاف باقي القطاعات الإنتاجية الأخرى.

ولم يكتف الكاتب بالتحليل، بل طرح مجموعة من السياسات البديلة لإنقاذ لبنان من مأزقه الشامل، وذلك بالإصلاح وعلى رأسه الإصلاح السياسي الجذري لإدخال الديمقراطية الحقيقية في الدورة السياسية وتحرير الجماهير من الانفعالات الغرائزية والعشائرية والطائفية ولن يتم ذلك إلا بجعل لبنان دائرة انتخابية واحدة.

ويقسّم الكاتب كتابهُ إلى تسعة فصول متسلسلة وجاء عنوان الفصل الأول لبنان وضرورات التغيير مشخصاً أزمة لبنان بأنها تنبع من طبيعة الطبقة الحاكمة ومصالحها المرتبطة بالخارج، وناقش أيضاً الأزمة الطائفية اللبنانية تاريخياً وارتباط هذه الظاهرة بالكولونيالية الأوروبية ومشكلة الاقتصاد اللبناني القائم على الخدمات ومتغيرات المحيط ليخلص من كل ما تقدم إلى ضرورة إسقاط الطبقة الحاكمة.

الفصل الثاني قدّم فيه قراءة للبنية الاقتصادية اللبنانية منذ بداية التسعينيات بما هي بنية احتكارية مناقشاً السياسة المالية وواردات الخزينة والإنفاق العام والرواتب والنمو المتفاوت بين المناطق وسياسات التخصيص والسياسة النقدية والبنية الاحتكارية للسوق اللبنانية وللسوق المالية ولسوق النفط ومشتقاته والدواء وسوق مدخلات البناء والإعلام مؤكداً على البنية الاحتكارية التي طالت جميع القطاعات الاقتصادية تحت يافطة الديمقراطية والحرية متناولاً حقبة الرئيس الحريري كنموذج.

الفصل الثالث: طرح جملة من البدائل الاقتصادية والاجتماعية من خلال عناوين كالأهداف النهائية والأهداف الوسيطة في نطاق الاقتصاد الكلي، والإنماء المتوازن وتلك الحلول المطروحة في السياسة المالية تقتضي التلازم بين الإصلاح الإداري والإصلاح السياسي.

الفصل الرابع: تحدث فيه عن سيطرة التجار ومرور القطاع الصناعي بمراحل متعددة، وقدرته في بعض اللحظات التاريخية على الإفلات من هيمنة التجار وذلك في الحرب العالمية عندما كانت أوروبا غارقة في التصنيع الحربي، وبشكل عام أجمل أسباب تردّي القطاع الصناعي المتعلق ببنية هذا القطاع والحرب الأهلية والغزو الإسرائيلي وتكلفة المدخلات العالية وتفاوت الأداء وصعوبة التمويل وارتفاع أسعار العقارات وانعدام المواصفات والمقاييس ومحدودية القدرة على التصدير وسياسة الإغراق وتخلّف الأنظمة والقوانين والفساد الإداري ويعود بعد تشخيص أسباب تردّي القطاع الصناعي ليطرح سياسة صناعية بديلة أشبه ببرنامج.

الفصل الخامس: طرح بدائل اقتصادية اجتماعية في مجال الطاقة مركّزاً على الأهداف النهائية لسياسة الطاقة وهي تحقيق الأمن الوطني للطاقة وتوفير الطاقة بجميع أنواعها وخفض فاتورة الطاقة وخفض التلوث والإفادة من موقع لبنان الجغرافي.

الفصل السادس خصصه لقطاع الزراعة المهمش من قبل السلطات الرسمية.

الفصل السابع كان للقطاع الصحي والخلل القائم بهذا القطاع.

الفصل الثامن للعلاقة المعقدة والتاريخية لسورية بلبنان منذ نشوء الكيان اللبناني إلى الآن متوقفاً عند مفاصل أساسية في تلك العلاقة باعتبار هذه العلاقة ما زالت تشكل محوراً أساسياً للخلافات الداخلية اللبنانية وأحد العناوين البارزة في الصراع الإقليمي والدولي، ومن تلك المحطات في العلاقة السورية - اللبنانية دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1975 ظروف هذا الدخول ونتائجه وما للممارسات السورية في لبنان من أثر، ولم يغفل عن الجذور الفكرية والعقائدية للخلافات اللبنانية - السورية.

وأخيراً، جاء الفصل التاسع ليتحدث عن العلاقات اللبنانية - الفلسطينية بمحطاتها أيضاً الأساسية ومن البعد التاريخي إلى الاجتياح الإسرائيلي ومرحلة ما بعد الحرب إلى مستقبل الوجود الفلسطيني في لبنان، عارضاً أيضاً مواقف القوى الوطنية والإسلامية من هذا الوجود الرافضة لفكرة التوطين. من المتعذر الإحاطة بكل النقاط المهمة المطروحة في هذا الكتاب من خلال قراءة سريعة وذلك نظراً لغناه واستغراقه بتفاصيل دقيقة للحياة الاجتماعية والاقتصادية اللبنانية سواء من حيث طرح المشكلة أو من حيث سعيه لطرح بدائل وحلول.

هيام عبدو الجندي