العدد التاسع عشر - شباط 2007

.. والعقل هو المدبّر

فايز فارس
الجمعة 16 شباط (فبراير) 2007.
 

ماذا يعني أن تتحكم بمشاعرك وأحاسيسك، وكيف ؟ أن تتحكم بمشاعرك وأحاسيسك يعني أن تدرك أولاً ماهية تلك المشاعر والأحاسيس وتتلمس حجمها وقوّتها ثانياً. ثم تعمل على سكبها في قنوات من أجل تأمين إيصالها إلى غاياتها بشكل سليم وكامل فلا يضيع ولو بعض منها هدراً في فضاء الحياة الواسع. بمعنى آخر هذا يعني أن تستثمر مشاعرك وأحاسيسك بطريقة جيدة حيث ترتقي وتتوالد وتتعاظم.

التأمل في الذات الفردية من جهة والتفاعل مع الجماعة أي المحيط الاجتماعي من جهة أخرى يشكلان معاً النقطة التي منها نبدأ والمسبار الذي عليه نسير ونعاود الكرّة كل ما احتجنا إلى ذلك. أنتَ بحاجة إلى التأمل لأنك بحاجة إلى المعرفة، معرفة ذاتك لتتمكن من تطوّيعها قبل اطلاقها، ومعرفة الآخر لتتمكن من نسج أفضل العلاقات الانسانية معه. هي آلية دائمة الحركة لا تتوقف أبداً إلاّ في حالة الشعور بالعجز، إنتاجاً عقلياً أو جسدياً أو الاثنين معاً. ومعرفة الذات، قدرات عقلية وطاقات جسدية، تجعلنا في حالة تناغم وتوازن وسيطرة شبه تامة على ذاتنا فنتخذ عندها أفضل القرارات ونسلك أفضل المسالك ونقوم بأفضل المبادرات تعاطينا مع الآخر لأننا عبر سيطرتنا على ذواتنا نتمكن إلى حد بعيد من "السيطرة" على الآخر. أوليس هذا أكثر ما يطمح إليه الانسان منذ أقدم العصور وإلى ما شاء الله.

من رحم هذه الحاجة إلى التأمل خرج العقل وتطوّر فأنتج كل هذه المعتقدات الفلسفية الدينية وغير الدينية التي نشأت ونمت وسعت من أجل مساعدة الانسان على تنظيم وجوده وتقرير مصيره على المستويين الفردي والجماعي ليصير إنساناً إجتماعياً. رجال الدين الأوائل هم هؤلاء الحكماء العقلاء العلماء النسّاك رهبان المعابد الذين تلمسوا فأدركوا قبل غيرهم أنّ الناس طبقات وأجناس وأنّ عليهم أن يتعارفوا ويتآلفوا وأن العقل هو المدبّر المنظّم والجامع بين الروح والجسد في ثلاثية هرمية أبدية سرمدية. هو الله خلق العقل مدبّراً لهذا الكون أم العقل هو الذي أبدع فآمن بالله ؟ في كلتا الحالتين الله هو كل خير وحق وجمال والعقل أدرك ذلك فآمن فخضع.  (يتبع)

بقلم فايز فارس