العدد التاسع عشر - شباط 2007

جمال الجسد الصناعي

أسماء وهبة
الجمعة 16 شباط (فبراير) 2007.
 

هل المرأة جميلة لأنها محبوبة أم هي محبوبة لأنها جميلة؟

سؤال من الصعب الإجابة عليه بعد أن دفعت المرأة إلى سباق محموم للحصول على الجسد المنحوت الذي يجسد آلهة الجمال. فباتت تعيش هوس النحافة بامتياز، والذي ترافق مع رفض العمر، وزيادة الإقبال على العمليات التجميلية التي تسعى من خلالها لبناء جسدها عظمة عظمة، في محاولة للوصول إلى صورة "التوب موديل".

وأصبحت تطرح على نفسها السؤال التالي: كيف يجب أن يكون الجسد؟!

لقد أوجد التطور التقني والتكنولوجي حالة حميمية بين المرأة وجسدها، فباتت أكثر قربا منه، وعلى تماس مستمر مع تفاصيله، وتوازن بينها وبين صورة الجسد الآخر، علها تلتقط من صورته ما يصلح لها. فربما يأخذها خيالها نحو أساطير الجمال حيث خرافة ايزيس أو إغراء بيرجيت باردو أو غجرية هيفاء وهبي لتحلم بأن تكون إحدى تلك اللوحات الجمالية البديعة.

لهذا لم تتوان عن الخضوع للجراحات البلاستيكية على اختلافها في محاولة منها لتغيير معالم جسدها ناشدة الفتنة والإغراء، لأنها المرأة التي ترفض الزمن الذي يزرع التجاعيد في وجهها الغض الذي بدأت تودعه الحيوية والشباب والجاذبية!

ولعل المجتمع الذكوري هو من دفع المرأة نحو ثقافة الجسد الصناعي على أساس أن ذكورة الرجل الشرقي لا تعرف النضوب ويحتاج إلى امرأة دائمة التجدد!

ومن يصدق أن خطوط الموضة قد أصابت سهامها الجراحة التجميلية. فبدأت تحدد شكل الشفاه، الأنف، الأسنان وحتى الأرداف..الخ من المناطق الحميمة في جسد المرأة، لتصبح في النهاية صورة مستنسخة عن فتنة تسّوقها وسائل الإعلام، الذي نجح في تعميمها وتحويلها إلى ثقافة شائعة في مجتمع يفتقر إلى المعرفة، وكيفية التعاطي مع الجسد، وفهم حرية الشكل.

لذلك ليس غريبا أن لا تتردد المرأة في إجراء عدد من العمليات التجميلية تحقيقا لهدف واحد هو الجمال الدئم.

إلا أن النتيجة الحقيقية لهذه الثقافة الجديدة لم يمنح المرأة الشباب الدائم الذي تريد بقدر ما أسرها في غلالة مزيفة لا تعطيها صورة حقيقية للجسد الذي تريد!

باختصار لقد سكب جمال المرأة على جسدها من الخارج، فتغير مظهره وزادت جاذبيته، لكنها بقيت تدور في فلك ثقافة الجمال الصناعي الذي قد يمنحها الإطلالة التي تريد وجمال يخادع سنوات الحياة دون أن تصل إلى الإقتناع بهيئتها الأخيرة. ولم يبق لها إلا خيار اللهث وراء سراب من الكمال لن تصل إليه أبدا.

ولعل من أسباب شيوع ثقافة الجمال الصناعي ما يعصف بالمرأة من مشاعر سلبية منها ما يتعلق بأزمة الهوية أو الخوف من الموت أو ترقب المستقبل، مما يجعلها تعيش إحباطات متكررة إذا لم تكن محط أنظار الجميع. ليس ذلك فقط فلقد طال هوس الجمال الفتيات الحديثات السن اللواتي يرغبن في في محاكاة أيقونة الجمال.

فالفتاة في سن العشرين تشعر بسعادة كبيرة عندما تقف أمام المرآة متفحصة مفاتن جسدها ومدى قدرتها على الغواية، فيبرز لها حاجتها إلى مزيد من الفتنة للوصول إلى الإغراء الكامل.

انطلاقا من الصورة التي كونتها عن جسدها عبر المرآة تبدأ في تحديد معطيات جديدة في تعاطيها مع هذا الجسد الغض الذي يفور تحت نيران الرغبة. فليس من بديل إلا الجمال الصناعي الذي يرسمها على الصورة التي تريد أن تكونها في عين الرجل!

يظهر جليا أن الإهتمام الذي يحمله الفرد لجسده على علاقة بالإهتمام الذي يحمله الآخرون له. لذا لا يمكن فصل صورة الجسد عن تجربة الإنسان الإنفعالية التي تعيد تشكيل الجسد على هيئة صناعية جديدة، فيتحول الجسد إلى حقل لتطبيق تقنيات ثقافة الجمال الصناعي تحت عنوان الجمال الأزلي.