العدد التاسع عشر - شباط 2007

وصف لم يكتمل

ياسمين بعكر
الجمعة 16 شباط (فبراير) 2007.
 

أمسكت القلم لأصفّ تحفة فريدة تجسّد امرأة تحمل بيدها جرّة فخارية، فوجدت نفسي أصف الجرّة الفخارية المكسورة من جنبها الأيسر من دون أن أصف المرأة إلا ببضع كلمات.

دهشت من نفسي عندما قرأت وصفي لهذه التحفة وتساءلت كثيراً ثم وجدت أنني لن أستطيع وصف هذه المرأة لأنها بالنسبة لي تمثال لا يتكلم، لا يتحرك، ولا يمكن أن يقوم بأفعال تجعلني أجسد شخصية هذه المرأة عبر كلمات أخطها على أسطر أوراقي. أما الجرّة فكانت بالنسبة لي شكلاً جامداً لا حياة فيه والكلام عنه سهل طالما هو مقتصر على الوصف.

سؤال آخر حيّرني لكنني ما لبثت أن وجدت جواباً عليه، كيف استطاع النحّات الذي صنع هذا التمثال بتلك الطريقة الفنية أن يجعل هذه المرأة تبدو بذلك الشكل الرائع المتقن؟

أظن أن الجواب واضح.. إن ذلك النحّات عندما أخذت يداه تكوّمان الطين الصلصالي ليشكلا ذلك التمثال لم يكن يقصد التمثال بحد ذاته بل قصد المرأة المجسّدة بالتمثال ألا وهي الأم أو الحبيبة أو الصديقة أو حتى الجارة.. قصد النفس والروح الداخلية متكاملة مع الشكل الخارجي بكل ما تملك تلك المرأة من صفات الطيبة أو الرحمة أو الكرم ولربما قصد الشر أو البخل فلو جئت أنا وكسرت ذلك التمثال لما مثلت لي الخطوط المكسورة أكثر من لا شيء، أما لو كسر النحات ذلك التمثال لعبّرت له تلك الخطوط عن شخصية المرأة، عن حبها، عن كرهها، عن كلامها أو صمتها. فأنت عندما ترى شخصاً لا يمكن أن تحكم عليه أو أن تصف أكثر من شكله الخارجي ببضع كلمات، ذلك لأنك بحاجة للتعرف على الداخل. فقد تعجبك التفاحة من الخارج فهي حمراء كبيرة لكنك قد تفاجأ بأنها غير صالحة للأكل، وكذلك الإنسان فأنت لا تستطيع أن تتعامل معه إلا عندما تشعر أنه صالح للتعامل أو على الأقل بما يناسب شخصيتك، فأنا عندما أمسك القلم لأصف أبي مثلاً أكتب عنه صفحات كثيرة دون أن أنتهي أو حتى صديقتي أو أستاذي في الجامعة، ولكن هل من الممكن أن أصف زميلاً لي في الجامعة أراه يومياً ولكني لا أكلمه ولا ألمس شخصيته الداخلية، فلن أستطيع أن أصفه بأكثر من بضعة أسطر. لهذا، فليست أشكالنا سوى عناوين ندخل بها إلى أعماق أنفسنا، وليس مظهرنا إلا عبارة عن غلاف لرواية تمثل سيرتنا الذاتية وتعبّر عن خبايا النفس الحقيقية التي لا يمكن أن تظهر إلا لمن يكتشفها عن قرب.

ياسمين بعكر