العدد التاسع عشر - شباط 2007

رحيل أبو الفقراء والمشردين والبؤساء في فرنسا

مازن يوسف صباغ
السبت 17 شباط (فبراير) 2007.
 

في عالم تسود فيه المادة وتبتلع فيه التكنولوجيا الروح الإنسانية العظيمة شيئاً فشيئاً، في عالم تسود فيه العولمة ويبشر الكثيرون بنهاية التاريخ وصدام الحضارات، يبقى للبشرية أمل من أن الإنسانية لم تصب بالعقم وأنه يولد في كل يوم في هذا العالم بشر يسمون فوق كافة المظاهر المادية والاستهلاكية، والخلافات العرقية والدينية والثقافية والعقائدية، أناس يحملون الهم الإنساني العام في قلوبهم، ويلهمون العالم ويبدون الظلام، أمثال المهاتما غاندي والأم تيريزا ومحمد يونس والأب بيير.

فالأب بيير الذي رحل يوم الاثنين 22 / 1 / 2007 عن عمر 94 عاماً وقف دائماً إلى جانب القضايا الإنسانية دون تمييز، فهو بدأ نشاطه عبر إذاعة راديو لوكسمبورغ في شباط 1954 من أجل نجدة المشردين الذي بدأه بالقول: النجدة يا أصدقائي، لقد قضت امرأة من شدة البرد هذ الليل في الساعة الثالثة صباحاً، هذا النداء الذي دفع المتعاطفين إلى المساهمة في بناء وحدات سكنية خاصة بالمشردين الكروشار في 41 دولة. ولم يكتف الأب بيير بقضية المشردين والمحتاجين بل حمل هم البشرية كافة بغض النظر عن الجنسية أو الجنس أو العرق أو الدين، فهو وجه نداء إلى التدخل لإنهاء التطهير العرقي ضد المسلمين في البوسنة في رسالة إلى الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران قائلاً: الجريمة فاقت كل الحدود، ودافع عن الحق في السعي إلى الحقيقة في وجه التابو الذي فرضته الصهيونية حول التحقيق في المحرقة اليهودية الهولوكوست وأعدادها، عندما وقف إلى جانب صديقه المفكر العالمي الفرنسي البارز روجيه غارودي، دون أن تستطيع الماكينة الإعلامية اليهودية أن تفعل شيئاً للإضرار بشعبيته ـ حيث احتل مرتبة الشخصية المفضلة للفرنسيين 17 مرة حتى عام 2004 حين طلب التوقف عن إدراج اسمه في القائمة متمنياً أن يحتل الشبان هذه المرتبة الأولى ـ فالأب بيير كان ملاحقاً من السلطات النازية وتم اعتقاله من قبل الألمان في أيار 1944، لمشاركته في المقاومة الفرنسية ولمساعدته في تهريب اليهود الذين اضطهدتهم النازية في فرنسا.

ولد هنري أنطوان غرويه في العام 1912 في مدينة ليون، وكان الابن الخامس لتاجر حرير، واتم دراسته في مدرسة الآباء اليسوعيين، وتخلى عن حياته المترفة ليصبح راهباً كبوشياً في العام 1937، واتخذ لقب الأب بيير حين انضم إلى المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي في الحرب العالمية الثانية، وظل محتفظاً به طوال حياته كاسم حركي له في المقاومة إبان النازية.

وكما أن اهتمام الأب بيير لم يميز بين الأديان والأعراق والعقائد، فإن محبة الناس للأب بيير لم تقف عند الاختلاف في الانتماء والإيمان، فرئيس المجلس الفرنسي للديانة المسلمة دليل أبو بكر حيا ذكرى رجل الإيمان الأب بيير الذي كرس حياته للدفاع عن المساكين وعن حقوق الأكثر فقراً في العيش الكريم، ناهيك عن نعيه من قبل المئات من الجهات الحكومية والأهلية والمدنية والخيرية.

رحل الأب بيير بعد حياة حافلة بالنضال والسعي لخير البشرية جمعاء دون تمييز، لكن يبقى الأمل بأن الإنسانية لا تزال تعطي الكثير من أمثال الأب بيير مع كل جيل يولد، بشر يحملون روحاً إنسانية حقيقية صافية نقية، روحاً تدرك وحدة البشرية والأخوة فيما بينها كما جاء في الأديان والعقائد السماوية السمحة، روحاً لا تصاب بلوثة التفرقة العنصرية والدينية والمذهبية والعقائدية، روحاً غير مصابة بلعنة المادية العمياء المتوحشة، روحاً تعلي قيمة وقيم الحياة البشرية الإنسانية الحقيقية.