العدد التاسع عشر - شباط 2007

بشار... وشم في الذاكرة

دلدار فلمز
الاحد 18 شباط (فبراير) 2007.
 
New Page 1

بشار... وشم في الذاكرة

سنوات من الترف والغياب بين أكوام الألوان ولفافات التبغ وقامات المدائن الكبرى وكردي يحمل التواريخ والحضارات، المدائن الميدية والزردشتية وألوان الطواويس وأشكال الرسومات على كهوف نينوى وحكايات الأنس والجن في الذاكرة، ذاكرة رشيقة كبشروش في الصباحات بين انحدار السهوب والهضاب ومرتفعات (متين وسفين) وحقول القمح والعدس، ويرشق رياح الشمال بجسارة نحو البيادر في الخريف وهجرة طيور السنونو نحو مناطق أكثر حرارة عكس اتجاهات رحيلنا!

والنساء الكرديات كربّات الحب بالخلاخيل الفضية في أقدامهن والكهرمان في أعناقهن وتعبق من أياديهن رائحة الخواتم والأحجار الكريمة مختلطة بخبز التنور ومن شعرهن رائحة الحناء وذكورية رجال ايروسيين..

كل هذا يحمله بشار العيسى خلال سنوات في حقائب سفره يترحل بها بين مدائن العالم يعرضها هنا وهناك، في جنيف وباريس ولندن.

تأتي عوالم الفنان بشار العيسى متماسكة مع بعضها البعض لتشكل فضاءات ومساحات ثلجية (فضائية وضبابية) كسيمفونية لونية متناسقة متناغمة كنشيج الناي المتحلل أنغاما" - وبذلك يزركش سجادة لونية ويجسد فيها طقوسا" احتفالية وأسطورية والكتل لونية تتراقص هنا وهناك ليشكل شخوصاً وتلالاً وهضاباً وأجواء وعرائس (أعراس) شمالية ممتزجة بزغاريد النساء وصوت الطنبور في الحوش الشرقي، رغم كل الذي مضى يبقى الرجل فناناً وفياً لما كان الأول من اللهفة.

الحنين والشوق في لوعته - تبقى أسير المشاهدات أحلام الطفولة الهاربة نحو تخوم طوروس ورائحة القبلة الأولى التي شوهدت في ليالي الصيف تحت أشجار اللوز كان يود أن يعود بنا إلى نشيد لم يكتمل إلا في تلك المساحة الصغيرة. النشيد الأول الحضارات على أرض رخوة في الشمال السوري وبنفسية فريدة ينسج سجادة الألوان على مساحات بيضاء وبأصباغ زيتية يعمل على نسج نباتات برية من الخرنوب والهندباء.

في لوحاته التجريدية العفوية عبق انكسار الثورات وزخم الهجرة الإنسانية المتفرّدة الملمس والمتآكلة في التداخل واللون المتدفق في الإيحاء والتأويل وذلك من خلال تفاعلاتها وتحولاتها إلى حد التصادم والتقادم في المقدمة اللوحة لتشكل كتلة ثلجية أو رمانات الحب وليخلق أشخاصاً مارسوا فعل الحياة على ثمار شجيرات العراء في كهوف (كوركند) ومرتفعات سنجار ثم انطلقوا إلى ترديد (الكاتات) الأولى ثم تركوا آثارا" على الطمي الناعم وهو يحس بهم وهم مارسوا ضريحاً مقدساً.

كأن بشار يؤكد سعياً في التغيرات البيولوجية والتجوال بروح رشيقة في الطبيعة والإنسان معاً، يعمل على التنسيق في النمو والفناء مع تثبيت لحظات الانفلاش (الأشراخ) معتمداً بذلك على اختزال (ذاكرة الأشياء) على قماش أبيض وبذلك يرسم وشماً مقدساً على جبين (موغ) ويحضر شخوصا" أسطورية والأخرى غبارية وفي خلفية اللوحة جمهرات من الناس تعبق منهم رائحة الزبيب والكستناء وهم يمارسون حالات التضرع والفرح وتارة أخرى في طقوس الحياة والموت (مجازر) وهم مشحونون في هياكل فضائية تلوح في الأفق كحلم طفولي منبثق من ذاكرة السراب والمشاهدات الأولى المرمية بين حقول البطيخ الأحمر وأكوام الزرازير وغبار الفرسان المنكسرين تحت سراويل الخيانات أو فعل الصبا المبكر في الاستيقاظ على أصوات الحالبات وناي الرعاة وأجراس في أعناق أغنامهم ونباح الكلاب على تخوم القرية. تلك القرية المنفلشة في جغرافية الله (الغنامية) المرمية بين مثلث المدن درباسية، حسكة، عامودا، ولا تهدأ أنامله الراقصة والمبدعة بل يعمل على جمع الحياة كاملة بأشيائها الكثيرة في تلك المساحة الصغيرة ويفرش أمامنا مكونات البيئة من الطيور والشجيرات والتلال والهضاب والوديان.

نسمع أصوات الديكة في الفجر بين البيوت وغبغة ذكر الحجل فوق الهضاب والباشق فوق الشجيرات والقطا وهي تعشعش بين قصبات القمح والخرنوب ونشم من شخوصه رائحة البابونج والحرمل، كل ذلك سادر من اللهفة والشوق والحنين، أبداً يعيش هنا وروحه المتروكة بين تلال الذاكرة - كل هذه الأشياء التي طالما يفتقدها هناك في البيئة الأوروبية (باريس)، يعمل على إغناء نفسه بها من خلال لعبة متقنة تدعى اللوحة، أبداً لم يهاجر خلال هذه الفترة الطويلة بل كان يعيش بين بيوت الغنامية وبيته ذات واجهة غريبة عكس كل بيوت القرية بل كان يمارس اللعبة بالصلصال على أطراف النهر ويصطاد العصافير بالفخاخ ويقطف ثمار الخرنوب البري (حسحسوك). إنه (المشهد) الواجهة الغربية تلك المفتوحة لفضول الباب / العين المفتوحة أبداً على وداعة وادي الحنين حيث تجفل (سعدية) على تخوم الهجرات والخرنوب يزنر الهضبة بقاماته المتآخية مع انفلاش الضياء على الأمكنة / الأحجة والوادي همسات في حناء وزغب الكروم ورخاوة الكركور إلية /الوادي/ أعيد إليها (الواجهة الغربية) أعيد بعضاً من حلمي، ففي الإعادة نشوة وسر حنين، علهما يتمتعان في خلوة الروح بعضاً من صلواتي إلى قبر جازية /الشاهد/.

والكتل اللونية لدى بشار العيسى هي خليط روح فيها شفافية كرذاذ المطر في الربيع وتساقط الثلوج في طوروس، اللون عنده أقرب إلى الاستقراء والاستطراد في المساحات الكبيرة وهو لا يعمل في البهرجة اللونية والاستعراضية كما هو وارد عند أغلب الفنانين المهاجرين بل على العكس يعمل على تشكيل وخلق، تأويلات وإيحاءات عديدة من اللون الواحد أو خليط من الألوان في اتجاهات كثيرة. متفرداً بذلك من بين الفنانين والخط عنده يعمل على فصل الأبعاد والمقاييس لمشاهدات شتى ويعطي من خلالها أكثر من منحى ومدلول.