العدد العشرون - آذار 2007

اللبننة والعرقنة

سركيس أبو زيد
السبت 10 آذار (مارس) 2007.
 
New Page 1

"التعددية الحضارية" تعبير اخترعه العقل التقسيمي في لبنان السبعينات، للتدليل على أن المجتمع في لبنان مجزأ بين حضارتين مسيحية و اسلامية، لا صيغة للوحدة بينهما الا الفدرالية والكانتونات كحل وحيد ممكن والا وقع الفأس في الرأس واشتعلت الحرب الأهلية والفتن الطائفية. هذه الحالات بدورها ولدت تعبير "اللبننة" الذي دخل القاموس العالمي تعبيرا" عن حالات التفكيك والتفتيت والفوضى الأهلية والاقتتال المجاني. هذان التعبيران او المفهومان واكبا الحروب الطائفية اللبنانية الى أن حلت صيغة الوحدة الوطنية عبر "طائف" الطوائف.

وكما صدّر لبنان الحرف أيام قدموس، ورّد مفهوم "التعددية الحضارية" الى أقطار عربية أخرى لا سيما في السودان ومصر والعراق وغيرها كمدخل لحالة التفكيك والتفتيت للدولة والمجتمع على حد سواء. لكن تفاقم الوضع في بلاد الرافدين، ادى الى رواج اللبننة وازدهارها بشكل غير مسبوق تم تجاوزه بال "عرقنة"، وهو تعبير للتدليل على الانقسام المذهبي والفتنة القتالة.

وها هو لبنان اليوم مجددا"، يستورد ما سبق أن صدره من تعابير ومفاهيم التقسيم لتخيم العرقنة المخيفة فوق ربوعه الخضراء. كما ان "اللبننة" و "العرقنة" تدقان أبواب العرب وخاصة المشرق العربي حيث نشهد صراعات دموية عليه وفيه.

ما كان يمكن للبننة والعرقنة وأخواتهما الفتنوية أن تنتشر لولا احتضار المشروع النهضوي العربي ،والذي عبر عنه بالنكبة والنكسة والهزائم المتتالية وتخريب تضامن "البيت العربي" ومأزق "الدولة الوطنية" وفشل المشاريع الاشتراكية والوحدوية وتعثر مخططات التنمية وفقدان الوعي الوطني وغياب المواطنية، الى ما هناك من مسلسلات العجز والفشل والخنوع العربي، من سقوط الأندلس الى سقوط بغداد، مرورا" بسقوط فلسطين وجاراتها.

وقبل سقوط "الأقصى" ومعه باقي المجتمعات العربية في الفوضى وانتشار العرقنة وتعميم اللبننة، لا بد من وقفة مع النقد الذاتي من أجل معرفة الذات والآخر، ووضع حد للانحدار وعودة الروح الى العقل والوعي واطلاق نهضة جديدة تمنع سقوطنا في أتون الحروب الأهلية والطائفية والمذهبية المستمرة.

وكما كانت المقاومة بداية رفض وممانعة للاحتلال ومشتقاته، فان الوعي الوطني هو بداية الرفض والممانعة للعرقنة واللبننة والفتنة وأخواتها. فقط بالمقاومة والنهضة نبني المستقبل، ونحول "اللبننة" الى رسالة لنشر الحرف والمعرفة، و"العرقنة" الى مهد الحضارات كما كانت بلاد الرافدين من سومر وأكاد... ويجب أن تعود كذلك.