العدد العشرون - آذار 2007

الاستشراق والإسلام

إعداد وحوار وحيد تاجا
السبت 10 آذار (مارس) 2007.
 

أحمد برقاوي : الاستشراق معرفة الغرب عن الشرق وليس كل المستشرقين ضد الاسلام.

محمود عكام : الاستشراق بالأمس متحامل عليه واليوم طامع في معرفة تعايشية.

فاروق عبد الحق: المستشرقون حاولوا اظهار مساوئ الشرق وابراز حسنات الغرب.

طيب تيزيني: الاستشراق لم ينته آخذا" صيغة جديدة هي الاستشراق الغربي الأميركي.

 

حينما خرج العالم الإسلامي إلى العالم الحديث بعد الهجمة الاستعمارية في منتصف القرن التاسع عشر، تعرف على نوع من الاهتمام الخاص بقضاياه من قبل الوسط الاستعماري، وتمثل هذا الاهتمام بالصيغة الرسمية، السياسية والعسكرية، وصيغة النخبة العلمية والأدبية، وصيغة الخيال الشعبي الذي رسمته القصص والحكايات، وصيغة الاستكشافات والرحلات، وكان هناك سياسيون وعسكريون محترفون جعلوا الشرق الإسلامي ميداناً لفعالياتهم، ومفكرون وأدباء اهتموا بدراسة الإسلام والعقائد الشرقية وكتبوا عنها الدراسات المعمقة أو الروايات الترفيهية، وكذلك رحالة بحثوا عن مواقع تاريخية معينة وسجلوا انطباعاتهم عن المجتمع الإسلامي..

واختلف رد الفعل الإسلامي على فعالياتهم أول الأمر، فقد دهش البعض لهؤلاء الذين يفدون على العالم الإسلامي من ديار بعيدة فيقيمون علاقات الصداقة مع أهله ويحاولون التعرف على ما فيه وتحسس البعض الآخر لاعتبارات دينية واجتماعية، ولكن قوة النفوذ الاستعماري بعد سقوط الجزائر ومصر بأيدي الأوروبيين زادت من نسبة تقبل النخبة لهم، على اختلاف مشارب هذه النخبة، فلم يكن الخديوي فقط في مصر مثلاً متأثراً بطراز معيشة الأوروبيين بل إن رجالاً مثل الأفغاني ومحمد عبده ارتبطوا بصداقة مستشرق إنكليزي هو بلانت وارتبط رجال آخرون مثل الأمير عبد القادر بهذا الرجل أو بغيره من المستشرقين، ودخلوا أحياناً في حوارات جادة معهم وتداخلت أفكار الطرفين معاً، مثلما قيل عن تأثر الكواكبي بفكرة بلانت عن خلافة عربية في الحجاز بديلة عن الخلافة العثمانية.

وقد ظهر للعرب الدور الخطير للاستشراق بعد تأسيس الجامعة الحديثة في مصر وتطورها، حيث استقدم للتدريس مستشرقون من إيطاليا وفرنسا وإنكلترا ممن طرحوا أفكاراً جديدة لا قبل للعالم الإسلامي بها، واتبعوا مناهج في البحث لم يعهدها العالم الإسلامي، وأحدث هذا بلبلة في الوسطين الفكري والاجتماعي في مصر أولاً وامتد منها إلى العالم العربي كله وقد صدم المسلمون بتلامذة المستشرقين الذين تابعوا أساتذتهم في كتابة المؤلفات المثيرة للجدل ، فلما كتب عبد الرزاق كتابه عن "الإسلام وأصول الحكم" لم ينطلق من فراغ فكري، كما أنه لم يخضع للجو السائد في البحث الديني المتعارف لهذه المسألة في مصر الأزهر وتقاليده العريقة، وإنما كان يتابع المسار الفكري الذي بدأه موير في كتابه عن الخلافة الذي طوره فيما بعد وأصّله السير توماس ارنولد في كتابه عن القضية ذاتها، وحينما كتب طه حسين كتابه عن الشعر الجاهلي لم ينطلق هو الآخر من المألوف والمعروف في مناهج القدماء التي كانت سائدة في عصره، وإنما انطلق من عقلية جديدة وساير مثل مرغليوث من الاستشراق ومفكرين مثل ديكارت في منهجه في التعامل مع الحقيقة.

ولما بدا للمسلمين أن حصونهم مهددة من الداخل، كما عبر عن ذلك عنوان كتاب المرحوم الدكتور محمد محمد حسين ، خصصوا جهداً كبيراً من نتاجهم للرد على المستشرقين وتلامذتهم وألفوا في ذلك الكتب المطولة والمقالات الكثيرة، غير أنهم في الغالب وقفوا عند سطح المسألة ولم يلامسوا جذورها، فقد وقفوا عند مهاجمة الإسلام والتشكيك في عقائده وتاريخه واهتموا بالتفاصيل، وكان للهجمة الاستعمارية والتبشيرية على العالم الإسلامي أثرها في حرف النقاش إلى السطح بدلاً من البحث في الأعماق عن جاذبية البحث الاستشراقي وأغلب الكتب التي ألفها الشرقيون حول الاستشراق تنطلق من منطلقات إسلامية وقومية ، في مقابل الهجمة التي استهدفت تشويه الهوية العربية الإسلامية، ولم يأخذوا بالإطار الأوسع الذي يحكم عملية المعرفة ذاتها، وهو الأمر الذي انتظر طويلاً من يتصدى لمناقشته حتى جاء كتاب المفكر الفلسطيني الراحل د. إدوارد سعيد عن الاستشراق والذي كشف فيه عن ترابط القوة والمعرفة في علاقة الغرب بالشرق وتحكمها بالخيال الذي أنتج هذا الشرق مكوناً وجاهزاً للغرب أولاً وللشرق ذاته.

والمشكلة هي أن النقد الديني والقومي للاستشراق الذي يكاد يكون من الناحية الكمية هو الشائع والسائد، والنقد العلماني للاستشراق الذي قدمه سعيد وأخذت مقولاته تحكم كل نقاش مستجد حول الموضوع ، لم يتطرقا إلى السؤال الحساس، وهو يتلخص بما يلي:

ما هي جاذبية البحث الاستشراقي والبحوث التي سارت على منهجه ؟ وهو سؤال يبقى غائباً عادة من متون الكتب المؤلفة في تسخيف آراء المستشرقين والرد عليها، ورغم الغرابة والبعد عن الحقيقة في استنتاجات بعض المستشرقين فإن المادة التي يثيرونها في بحوثهم تستحث القارئ ومعتمدة منهجاً عقلانياً علمانياً يجعل العقل فوق النص وحاكماً عليه ولا يعترف بالقدسية والخصوصية الدينية لموضوع من الموضوعات، كما أنه منهج تجريبي قائم على الملاحظة الدقيقة وتجميع التفاصيل وبناء الفرضية العلمية واختبارها والخروج بصورة جديدة عن موضوعها، وقد لا تكون هي الصورة التامة، ولا الحقيقة، ولكنها صورة تنقل دائرة البحث والتأمل إلى أفق جديد وتغني بمجملها مستوى المعرفة وتشجع على تطويره من خلال الفعل ورد الفعل.

وهذه العقلية في البحث، هي امتداد للعقلانية الأوروبية منذ عصر النهضة ولا تختص بالبحث عن الديانة الشرقية وإنما نجدها قد تناولت المسيحية ذاتها في الغرب منذ القرنين السادس عشر والسابع عشر واتخذت فيما بعد طابعاً علمانياً مستقلاً عن الكنيسة، وإذا كان العالم الإسلامي قد واجه مستشرقين متدينين أو ذوي تعصب ديني، فإنه سرعان ما صار في مقابلة مستشرقين علمانيين، وهذا امتداد مباشر للعقلانية الأوروبية من جهة وللبحث التجريبي من جهة أخرى، وقد اكتسبت منهجيتهم جاذبية خاصة لبحوثهم اضطرت الكثيرين من تلامذتهم الشرقيين إلى متابعتهم في المنهج، واستعصت على نقد الكثير من الشرقيين الذي تنطحوا لصد الهجمة الاستشراقية الاستعمارية التبشيرية، فاعتمدوا مبدأ الرد على الأفكار المطروحة كنتائج للبحث وأهملوا الرد على المنهج أو معالجة مشكلاته..

وقد أتاح التعليم الحديث فرص التعرف على منهج المستشرقين بأشكال مباشرة عن طريق التلمذة على رجاله في مراكز العلم الغربية، أو غير مباشرة من خلال تلامذة المستشرقين الذين احتلوا مناصب علمية في جامعات العالم الإسلامي الحديثة، وأدى توظيف مناهجهم في البحث إلى تدعيم النواة الأساسية للمجتمع العربي الإسلامي وإغناء ثقافته، في بعض الحالات ، كما أنه أدى في حالات أخرى إلى تصديع هذه النواة وإثارة الغبار حولها ، وجر إلى مشكلات سياسية وفكرية واجتماعية ، وقد انعكست ردود الفعل التي أثارتها بحوث الطرف الثاني على مناهج الطرف الأول، كما أن هذا الطرف ذاته لم يميز فيه بين جدة البحث التي تستهدف لذاتها ، ومجمل الصراع الفكري والسياسي القائم في ، وحول العالم الإسلامي وأصبح الاتهام بمماشاة المستشرقين وعلمانية التفكير أمراً شائعاً ، مما ينتج عنه الحظر على قدرة التجديد والإبداع والتفكير في مجال حر خالٍ من الإرهاب بكل صوره السياسية والاجتماعية والفكرية والدينية..

والمطلوب هو التمييز بين أمرين، الأول مشكك في العقيدة ومخرب للوحدة الوطنية والقومية والإسلامية، والثاني محرك في العقل طاقاته الساكنة لكي تتزود بالفعالية والخصوبة والحداثة، ومثل هذا التمييز أمر صعب لأنه يتعلق بالنوايا في كثير من الأحيان، وهي مسألة شخصية بحتة قد يكشف عنها بشكل صريح أحياناً، ولكن الغالب هو عدم الإعراب عنها، والحل الذي ينبغي أن يعوّل عليه هو أخذ الإنتاج الفكري من حيث المنهج والمفردات والنتائج ومحاكمتها بصورة موضوعية والاحتكام أولاً وأخيراً إلى قوة الفكر ووثاقة الحجة والدليل..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أحمد برقاوي:

الاستشراق من الإيديولوجيا إلى الابستيمولوجيا

 

يرى الدكتور احمد برقاوي ( مفكر وباحث فلسطيني ) في حوارنا معه ان الاستشراق ظاهرة يكاد ينفرد بها الغرب في دراسته لأحوال الشرق، ويتحدد حقل المعرفة الاستشراقية بما يقوله الغرب عن شؤون الشرق، وكان الشرق سابقاً يضم الدول العربية والإسلامية وجنوب شرق آسيا والصين واليابان ، وبالطبع فإن تغير الأحوال في العالم شيئاً فشيئاً قلّص من حقل المعرفة الاستشراقية إلى حد كبير..

أما ما يختص بنا كعرب فما زلنا حقل معرفة بالنسبة للغرب، وقد ارتبط الاستشراق سابقاً بأهداف جزء منها عملي وجزء منها معرفي، لأنه ولكي يتحكم طرف ما بطرف آخر فلا بد أن تكون معرفته بهذا الآخر صحيحة، وإلا فلن يستطيع أن يتحكم به، أما اليوم فإن الاستشراق ينحصر بحقل المعرفة السياسية، فإذا كنا في السابق نرى مستشرقاً مثل كراتشكوفسكي ونولدكه وجب فإننا نجد اليوم بدلاً منهم بريماكوف وبرنارد لويس وباتريك سيل، حتى ان الاستشراق الألماني الذي عمل على بعث التراث العربي والإسلامي نراه يتسائل الآن عن طبيعة العلاقات السياسية القائمة، وحدود التنمية وماهية الأصولية، وهذه كلها أحداث عملية سريعة ، مما يعني أن الاستشراق في تحول -كما أرى-تحت عوامل نفعية ذرائعية صرفة دون أن تنفي العوامل النفعية التي كانت وراء الاستشراق القديم - إلى معرفة وراء الاستشراق القديم- إلى معرفة سياسية بعالم الشرق وهذا كله من أجل الهيمنة أيضاً، فالأهداف النهائية لحقل الاستشراق في الهيمنة ولكن كي تتحقق هذه الهيمنة على نحو صحيح لا بد وأن تكون معرفة المستشرقين عنا في حدود صحيحة.

ويتساءل د. برقاوي : لكن هل ننفي أن وراء الاستشراق طابعاً إيديولوجياً ؟، بمعنى كيف نستطيع أن نميز بين المعرفة وبين الإيديولوجيا داخل حقل الاستشراق الآن ؟، فالاستشراق كما أشرت هو معرفة الغرب عن الشرق، ولا بد هنا من الإشارة إلى أن كل غربي يأتي هنا لدراسة الشرق لديه معرفة مسبقة عن الشرق ، وتقوم هذه المعرفة المسبقة بدور الأفكار القبلية لدراسة الشرق.

ويأتي الشرق ليصب في مفاهيم جاهزة مسبقاً في ذهن المستشرق، فتختلط لديه الحقيقة الواقعة عن الشرق والحقيقة (المزيفة) أي الحقيقة التي كونها عن الشرق مسبقاً، هذا الجانب يجعل من الاستشراق معرفة غير بريئة من الإيديولوجيا، فهناك صفات محددة للعرب تحكم نظراته إلى الإنسان العربي المسلم، ولهذا عندما يتحدث المستشرق عن الديمقراطية في الوطن العربي، فهو لا يدرس غياب الديمقراطية في شروطها التاريخية الموضوعية، وفي علاقة الدولة بالمجتمع، وعلاقة المجتمع العربي بالمجتمع الغربي، وإنما يدرس غياب الديمقراطية بوصفها ثمرة ذهنية لا ديمقراطية أساسها الإسلام أو أساسها العقل البدوي، أو العقل الأسطوري وبالتالي فإن علة غياب الديمقراطية ليست في الواقع ذاته، ولا في التاريخ، وإنما في البنية الذهنية التي ألصقت وإلى الأبد بهذا الإنسان العربي المسلم، وقس على ذلك قيمة العمل مثلاً، إن انعدام إنتاجية العمل في المنطقة العربية لها أسباب كثيرة ، ولكن في ذهن المستشرق هناك كره للعمل لدى الإنسان العربي، وكأنه جزء من بنيته النفسية، إذاً لكي ندخل حقل الاستشراق يجب أن نميز بين هذين النمطين : الإيديولوجيا التي تتحكم بالمستشرق وهي ذهنية غريبة له، ثم الحقائق التي يقدمها المستشرق عن الشرق والتي لا نستطيع أن ننكرها.

وفيما اذا كان الاستشراق ثمرة من ثمرات تآمر الغرب علينا ؟ أم هو وسيلة من وسائل السيطرة ؟ ام انه وسيلة من المعرفة البريئة ؟ يرى الباحث برقاوي ان الاستشراق كل هذا مجتمعاً وليس فقط جانباً من هذه الجوانب، وهنا يجب أن نشير إلى أنه في موقفنا من الاستشراق - مع الأسف- نتخذ موقفاً عدائياً من كل ما جاء به، استناداً إلى أن هذا الاستشراق هو معرفة الغرب المعادي لنا، وبالتالي يجب أن تكون هذه المعرفة هي شكل من أشكال الآمر لإفساد وعينا، هنا أستطيع القول بكل بساطة إن موقفنا من الاستشراق يجب أن يكون موقفاً من المعرفة، ويجب أن نتحرر من المعرفة المسبقة عن الغرب، فكما يدخل الغرب إلينا بمعرفة مسبقة لا بد أن نواجه المستشرق أيضاً بمعرفة مسبقة عنه، وبالتالي عندما نريد أن نحدد موقفنا من الاستشراق علينا أن نمتلك أدوات معرفية لفض الخطاب الاستشراقي، فنقد الاستشراق أو دراسة الاستشراق هو المعرفة أولاً بمناهج المستشرقين أنفسهم ، لأننا نحن والمستشرقين نشترك بمناهج المعرفة، نجد مستشرقاً ماركسياً.. وبالتالي منهجه منهج المادية التاريخية ، ونجد مستشرقاً بنيوياً، وآخر يقوم على نقد النص، وغيره يحلل اللغة ، فالاستشراق يمتلك مناهج متعددة ويجب أن نتساءل ما إذا كانت هذه المناهج صالحة لدراسة الشرق أو غير صالحة ؟ وما هي النتائج المترتبة على مناهج واحدة، فالاختلاف يقع آنذاك في حقل المعرفة، بمعنى ما إذا أخذنا مستشرقاً وليكن رودنسون في كتابه عن النبي، وهو مستشرق ماركسي يعول كثيراً على صراع الطبقات ودراسة تاريخ الإسلام، نجد حسن قبيسي في نقده لرودنسون يتكئ على منهج آخر وهو المنهج البنيوي، ولكن المنهج البنيوي والمنهج الماركسي كلاهما منهجان معرفيان، صحيح أن مصدرهما من الغرب، ولكن طبيعتهما المعرفية أصبحت شاملة بحيث يمكن أن امتلكها أنا وتمتلكها أنت أو يمتلكها الآخر، أيضاً إذا أخذنا علاقة عبد الله العروي بالاستشراق فقد انتقد الاستشراق من خلال (غريناوم) ودرسه دراسة دقيقة. وهكذا سنجد أنفسنا نختلف في حقل المعرفة، وإبراز الطابع الزائف للمعرفة الاستشراقية غير ممكن إلا على أساس ميتادولوجيا (ما بعد الأيديولوجيا) المعرفة فالأداة التي نميز بها بين الإيديولوجي والمعرفي هي ميتادولوجية ولا يمكن أن نقول أن المستشرقين ضد الإسلام ولنفرض أنهم جميعاً ضد الإسلام أو أن بعضهم يقترب من الإسلام ولا يكفي أن نقول أنهم العلماء الوحيدون الذين فضوا الشرق فضاً حقيقياً فهذا كلام إيديولوجي علينا أن ندخل إلى المعرفة الاستشراقية من زاوية العلم الميتادلوجيا والابستيمولوجيا.

 أما لماذا الابستمولوجيا ؟ فيقول د. برقاوي: لأنها المعرفة النقدية للعلم ، ونحن اذا أردنا ان ندخل نقديا الى أي معرفة من المعارف علينا ان نتسلح ميتادلوجيا، يجب ان نكشف لماذا انصب اهتمام هذا المستشرق على التصوف الإسلامي وليس على غيره؟ ولماذا قال هذا المستشرق او ذاك ان العرب لا يستطيعون التفلسف؟ وان الفلسفة هي عقل يوناني والعرب مقلدون لا اكثر؟، لماذا قال رينان مثلا ان العرب أو الشرق روحاني بينما الغرب عقلاني ؟ هل يمكن فعلا ان نقيم هكذا تمايزات بين الشعوب .. خذ جاك بيرل مثلا، وهو مستشرق توفي منذ فترة قريبة وكان صديقا للعرب، زار معظم الدول العربية، حيث قال ان شخصية العالم الإسلامي تبدو قليلة الانفتاح على الغير فهو يستثار عندما

 يخالطه صورة الكهف أو المتاهة، ويمتنع على الخارج ، على صاحب البدعة، وهو متوعد ، يروغ منك بالسر الغامض أو بالمسبة أو بالأغراء..إنه يماحكك فلا يدعك تصل إليه وصولاً فعلياً ويخفي حقيقته عنك، وهناك الكثيرون ممن يتوقفون عند الحاجز الأول، فيأخذون بملاطفة الواقع الأخاذ ، أو يقعون في فخ اللبس والإيهام، أو ينطلي عليهم ما تتزين به الحركة من زي قتالي، ولكن على البحث ان يتقدم أشواطاً ويتخطى هذه الأمور، وينبغي ان نجعل أنفسنا متيقظين وحساسين أكثر فأكثر تجاه الوصف العربي للأمور، هذا ما كتبه مستشرق صديق للعرب..

كيف أستطيع أن أنتقد نص مستشرق كهذا يعلن على الملأ أنه صديق للعرب ؟ لا يهمني الآن من يكتب مدحاً أو ذماً للعرب، ولا ينبغي أن نحدد موقعنا من الاستشراق استناداً إلى المدح أو الذم، فهذه الطريقة مبتذلة ولا علاقة لها بالعلم، فلا بد أن نتوجه الى النص مباشرة، وإلى شروط إنتاجه ، وإلى الخلفية التي تقع وراء هذا النص، والمعرفة الموجودة داخله، فلا يكفي أن تمدح جاك بيرك مثلا لانه صديق للعرب، فما يقوله هنا لايترك معنى لصداقته، او عدمها، لان بيرك ينطلق من مسلمات وصفات خالدة يحتفظ بها التصور الأوروبي عن العرب والمسلمين..

ويضيف د. برقاوي: لقد أصبحت المعرفة شاملة في كل أنحاء العالم ودخول العرب على الاستشراق ابستيمولوجياً وضع حداً للمعرفة الاستشراقية، ويمكن القول أنه وضع حداً للزي الذي كانت تتزيا به هذه المعرفة، لماذا ؟ لأنه وللمرة الأولى يصبح العربي قادراً على إنتاج معرفة حول نفسه، فلم يعد المستشرق هو الوحيد الذي ينتج معرفة عن النص الجاهلي أو النص الإسلامي أو عن واقعنا السياسي والاجتماعي، فقد شهدت السنوات الثلاثون الأخيرة بروزاً للباحث العربي الذي يفكر بحاضره كما ماضيه. بأسباب انحطاطه وسبل تقدمه واضعاً موضع السؤال جملة المعارف التي تراكمت حول عالمنا وخاصة تلك التي أنتجها الغرب، جاعلاً من المعرفة الاستشراقية موضوعاً لمعرفة نقدية، محاولاً فضها من الداخل كاشفاً عن مناهجها متوقفاً حول شروط تكونها وتطورها والصعوبات التي تعترض وصولها إلى الموضوعية، مفكراً بالمستشرق ذاته وحقله المعرفي المحدد الذي ينعكس بهذا الشكل أو ذاك فيما يقدم من معرفة ، وهذا ما أدعوه بابستيمولوجيا الاستشراق..

وما الانتقال من الرفض السلبي للمعرفة الاستشراقية أو القبول السلبي بها إلى جعلها موضوعاً للمعرفة النقدية، إلا درجة أرقى في الوعي الذاتي للعرب، بل يمكن القول أن أزمة الاستشراق تعود إلى سببين: الأول هو أن الغرب لم يعد يحتكر وحده المعرفة بأحوال الشرق حيث أصبحنا أمام معرفتين : معرفة الآخر بنا، ومعرفتنا بأنفسنا، ولم يعد الاستشراق بقادر على الادعاء أن صاحب الكلمة الأخيرة، كما أن الاستشراق نفسه صار موضوعاً لمعرفة نقدية من قبل أولئك الذين كانوا حتى زمن قريب يقيمون علاقة خارجية به. ويؤكد الباحث برقاوي: إن المعرفة النقدية للاستشراق تتم الآن من قبل أولئك الذين يتوفرون على معرفة بمناهج البحث والمادة الخاضعة للبحث مما يجعل المستشرق أمام رقيب من نمط جديد لا يرفضه بدواعي النزاع بين إسلام وغرب ولا يقبله بدواعي التفوق والسلطة وبهذا المعنى يمكن القول أن الاستشراق قد مات، ولا يعني هذا الموت أنه لم تعد هناك دراسات استشراقية ولكن لم تعد هذه الدراسات هي التي تشكل وعينا سلباً وإيجابياً، فإذا كان رهط من المفكرين السابقين اعتبروا المعرفة الاستشراقية أرقى أشكال المعرفة عنا، وقد اتهم طه حسين بهذا الجانب، او هناك من يعتقد أن المعرفة الاستشراقية تزيف واقعنا كما يذهب محمد البهي مثلاً، الآن لم يعد لهذين المنطقين أي معنى، أصبحت هناك معرفة مقابل معرفة، معرفة عن الشرق ننتجها نحن أنفسنا، ومعرفة عن الشرق ينتجها الغرب.

وحول سؤالنا الى أي حد يمكن أن نجد لغة مشتركة مع المستشرق ؟ يرى د. برقاوي ان هذا مرتبط بالنقد الابستيمولوجي العربي للاستشراق فالنقد الابستيمولوجي العربي للاستشراق كفيل بأن يعلم المستشرق كيفية التفكير، وأن يضع حدوداً لأساسه الإيديولوجي، فهو لم يعد قادراً على أن يقدم لنا معرفة مشوشة بأفكار مسبقة، وليس في هذا مبالغة إطلاقاً، ولم نعد بحاجة للمستشرق لكي يقول لنا ماذا يجب أن نفعل وكيف يجب أن نتطور.. ويضيف : نحن الآن نمتلك الإجابة الخاصة بنا كعرب ، ماذا يجب علينا ان نفعل وماذا يجب ألا نفعل، متحررين من وصاياهم، لا رافضين رفضاً سلبياً للمعرفة القادمة لنا من الغرب وإنما جاعلوها في حقل الامتحان ، النقد الابستيمولوجي..

 

 

 


 

مفتي حلب:

رؤية بانورامية عامة للاستشراق

 

أما المفكر الاسلامي د. محمود عكام ( مفتي حلب ) فيرى ان الاستشراق يتسم بسمة عصره، ويأخذ طابع طبيعته، ويمكن أن يكون الاستغراب كذلك وليس الانفتاح من جهة ما على جهة أخرى متهماً دائماً. اذا"، التعايش يأخذ حيزاً احتماليا أيضاً في تكوين إرادة التعرف والدراسة والإطلاع..

ويضيف د. عكام في لقائنا معه: لقد أتى حين من الدهر علت فيه راية الشرق ودخلت عالم الغرب، وأسست هناك قواعد وروجت أفكاراً وإن شئت قل " عقائد" ، وكان لكلمة " الشرق" والشرقيين جرس خاص، ودلالات دقيقة ذات أبعاد مختلفة الألوان، إذ كانت الألوان رمزاً يعبر عن حالات الإنسان النفسية، ومستويات القبول والرفض عنده، فمن الأبعاد ما كان أسود شديد الرفض لأن مضمون الشرق في ذهن أصحاب هذا اللون عدوان واعتداء وقهر وتسلط، ومنها ما كان شديد القبول لأن المضمون عند أرباب هذا اللون رسالة سماء وانتشال روح كادت تغرق في خناقات التشويش العقدي والتشريعي، والتدرج بين اللونين سلباً وإيجاباً متداخلين له رواده وأصحابه.

ويوم أن انتهى فصل علو الشرق، وعاد الغرب يسطر عناوين صفحات عصر التنوير والثورات الصناعية والاقتدارات العلمية برزت من جديد ردة فعل قادها أحفاد اللون الأسود القديم، وأرادوا انتقاماً ولكنهم عقلنوه، وهم الأقدر على إعطاء الأفعال صبغة العقلانية ما دام السنان بيدهم والآلة تخرج مصنعة من ديارهم، وجهدوا في تغييب الدافع الديني من لائحة دوافعهم، لاسيما وأن "الحروب الصليبية" في رأيهم تكفي من أجل أن تكون القوة الجابذة الرادة لفعل الشرق إذ حمل الدين الإسلامي إليهم..

وحدث الانتقام المعقلن في إراءة أهل الشرق سوء ما تميزوا به - على حد زعمهم- من فكر وفلسفة ونصوص من خلال دراسات استشراقية تناولت المضامين واتسمت بالتحاملية وأفرزت "زيهر-رينان-جب" وما كان الغرب يومها خالي الوفاض من موالين أظهروا مودتهم بلسان العلم، وجرى بهم القلم إلى اعترافات بامتيازات الشرق، واقتداره على تقديم كبير خدمة للإنسان في داخله "لوبون-مونو" وفي هذه الحقبة بالذات عبر بعضهم فقال:" الاستشراق طلائع الاستعمار، وهاهو يمهد لاستعمار حدث في نهايات القرن السابق، وبدايات القرن الراهن"، يمكن القول - الآن- إن الاستعمار قد انتهى وبقي الاستشراق وتحول مساره بعد اطلاع قريب، ومعرفة تعبر الواقع، وانقلبت الطلائع الاستعمارية إلى مناهج دراسية، وأضحى لسان الحال ينطق أحياناً: ومن الذي قال أن الشرق لا يملك معطيات خيرة يفيد منها الإنسان، وخفت حدة التحاملية أو سقطت، وارتسمت في خارطة الدراسات الاستشراقية مناهج مختلفة متباينة:

أ ـ منها ما أوجبت تطبيق الأسلوب الغربي في دراسة مضامين الشرق، وقد رفضت هذه من قبل مثقفي الشرق ورجالاته، لأنهم رأوا في تطبيق أساليب الغرب نتائج غير مقبولة ومعقولة، وكادت هذه الدراسات تنسف غيبيات وتقضي على اعتقادات، فهل يقبل أن يعقل أن يكون محمد (ص) بطلاً فحسب ؟!. وهل نرضى أن يغدو الإسلام حلقة لا امتياز لها في سلسلة الأديان ؟! وما أظن أن واحداً منا يقبل أيضاً أن يكون القرآن الكريم متغيراً برمته ومتحولاً كله، وأن لا ثوابت وإنما الوعاء الزمني هو الحاكم على الدلالات كلها يبقي ما يبقي، ويفني ما يفني، وتأثر بعض المثقفين المسلمين بذلك ودخلوا المعمعة نفسها، ورددوا صدى هؤلاء، وكتابة " طه حسين" وما قاله "علي عبد الرزاق" وما أنتجته عبارات الإمام "محمد عبده" في بعض الأحايين شواهد على ذلك..

ب ـ ومن الدراسات ما اكتفت بالجمع والموسوعية والتحقيقية وأدت دوراً هاماً في تبيان خفايا خير، وإظهار قديم كاد ينسى، وما أظن أن ذلك خافٍ على الدارسين، وإن كان التحرر من هذا النوع قد سرى على علماء الشرق تأثراً بما فعلته الدراسات السابقة، وصدرت العبارات التالية:" سم في دسم"، " ولا تأمنوهم وإن أظهروا خيراً فالعبرة بالنية"

ج ـ وتحركت دراسات أخرى نحو الميدان نفسه، فجال أصحابها الشرق وحطت أقدامهم على بره وبحره وصحرائه بحثاً عن شخصية مؤثرة أو محظوظة لها كبير أثر، أو مكان كان قد أثر في الزمن الماضي من خلال أحداثه التي شكلت منه معلماً وموئلاً ، وأول من يطالعنا من هؤلاء "ماسنيون" وهو يبحث عن حلاجه و "ريتر" وهو يفتش عن الحسن البصري وغيرهم.

د ـ وقامت دراسات أخرى ولعلها من أنجبت الاستشراق الحديث، أو كانت سلفه فاتجهت إلى التاريخ وفلسفته والقرآن وعلومه، والحديث وسنده، وكل ما يمكن أن يكون من إفرازات الواقع الإسلامي السابق، وناقشته بشيء من التجرد، وأعلنت خدمته لأنه يحوي روائع لا تتبدى روعتها إلا إذا اتخذت لها قوالب معاصرة تشكل مواد علوم مكتشفة حديثة " الانتربولوجيا- الآثار- الاتنولوجيا-الابستيموجيا- اللغويات .." ورحت تشم من بعضهم رائحة الوصاية على مخزون الشرق العظيم بسبب قدرة أولئك على العلوم والأساليب المذكورة.

وجاء الاستشراق الحديث بعد منتصف القرن الماضي، بل بعد ثلاثة أرباعه، وهو يحمل أبعاد الماضي ، وتمخض الظرف هذا عن الألوان السابقة محتواة متنباة وتراءت فيه كلها، الا أن شيئاً جديداً حدث في هذه الفترة ، وهو ما يسمى بالتحرك الثقافي للبحث عن إمكانية التعايش، فتحول الاستشراق أو اغلبه إلى دراسات معرفية جادة، وجهد في أن يلبس لبوس الموضوعية، وتبادل مع مثقفي الشرق المعطيات العلمية على طاولة التفاوض المتناظر، ورحت تلمح بعض دراسات يمكن ان تكوّن منطلق دراسات "انتربولوجية" يتقاسمها كل من الشرق والغرب، لأنهم بجمعهم قادرون على تقديم الصورة الكلية للإنسان كل في مجاله واختصاصه، واعترف القسيم بقدرة نظيره، وإمكان تغطيته لشيء من تطلعات الإنسان ، ولاحت في الأفق لوامع من هذا ، وحسبنا أن نشير هنا إلى سجلات المؤتمرات الاستشراقية - الاستغرابية لاسيما ما جرى منها بعد بداية القرن الخامس عشر الهجري ، وقد شاركت في مؤتمر مطلع القرن الخامس عشر الهجري الذي نظمته منظمة المؤتمر الإسلامي في اليونسكو (باريس) عام 1981 ودعت إليه مستشرقين وغربيين، ومستغربين وشرقيين، وأسفر المؤتمر عن توصيات هامة فيما يتعلق بالتبادل الثقافي من أجل إفادة متبادلة..

ويرى د. عكام ان الاستشراق اليوم غدا عبارة من عبارات التاريخ المعاصر، ومصطلحاً من مصطلحاته، وعلى هذا فهو يحتاج إلى دراسة دلالية ذات شقين ومستويين دون أن يكون هناك اختلاط بينهما، فما أسقطه من دلالات في الحقبة الماضية القريبة لم تعد ضمن إسقاطاته اليوم قطعاً، فاستشراق الأمس متحامل واستشراق اليوم يبدو راغباً في موضوعية، ونازعاً إلى حيادية، وطامعاً في معرفة تعايشية ، فهل يقدر شرق اليوم على إشغال الغرب والإجابة على كل تساؤلاته الإنسانية فيما يتعلق بالرسالات السماوية، وحسب الغرب المستشرق بعدها أن يردد كلمة الإمام الغزالي:" طلبنا العلم لغير الله فأبى العلم أن يكون إلا لله"..

 

 

 


 

فاروق عبد الحق:

نحو لقاء سلمي بين العالمين

 

من جانبه يرى البرفسور فاروق عبد الحق (روبرت كرين) والذي شغل مهام مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون للأمن القومي لمدة خمس سنوات، واعلن إسلامه على يد الشيخ حسن الترابي، يرى في حديثنا معه:

 ان أي حديث عن الاستشراق لا بد وأن يذكر الجهد الذي قدمه الدكتور الراحل (ادوارد سعيد) في كتابه "الاستشراق" فقد أعطى هذا الموضوع حقه بشكل علمي وموضوعي، ولا أخفي اتفاقي الكامل على كل ما جاء في هذا الكتاب القيم، فالاستشراق هو دراسة ثقافة ودين الشرق، وقد تركزت هذه الدراسات على الدين الإسلامي بشكل خاص، ولا بد من القول بأن الاستشراق هو نظرة غربية إلى الإسلام والمسلمين وقد حاول المستشرقون جاهدين إظهار كل ما في الشرق من مساوئ ، مقابل إبراز كل حسنات الغرب وتصويرها بشكل مثالي جميل..

ويضيف: إذا أخذنا القانون على سبيل المثال فإن المستشرقين يرون أن القانون أو الشرع في الشرق سيئ جداً لأنه يتسم بالنفاق، إذ يربط الأمور بقضايا مثالية سماوية، ولكنه على صعيد التطبيق مخالف لكل ما هو سماوي ومثالي، لذلك فهم يرون أنه غير صالح ، أما القانون في الغرب، حسب وجهة نظرهم، فهو النموذج الجيد والذي يصلح لأن يكون مثلاً يحتذى به.. ولكن هذه النظرة مجافية للواقع تماماً فهي نظرة تحاملية وغير موضوعية أو علمية، لأن القانون في الغرب لا يأخذ صفة القانون إلا إذا طبق لأن سلطته في التطبيق وإذا لم يطبق فهو ليس بقانون، بينما هدف الشريعة الإسلامية هو النهوض بالفرد والسمو به لكي يطبق كل التعاليم المطلوبة منه على المستوى الروحي، وعلى المستوى التربوي، وبالطبع فهناك دائماً أشياء أساسية مطلوبة من الإنسان ، ولكن هدف الشريعة هو التثقيف والتعليم والتربية، وبالتالي يمكن القول بأن الشريعة الإسلامية أفضل من المسلمين، لأنها شيء آخر هدفها النهوض بالمسلمين فلا يجوز أن نقرنها بالمسلمين، وبالتالي يمكن القول أن الدراسات أو الكتابات الاستشراقية لم تخضع لمنهج علمي محدد، بل هي مجرد رؤية غربية للشرق فيها استعلاء وتحامل على الشريعة الإسلامية وعلى الإسلام والمسلمين.

ويقسم البرفسور عبد الحق الدراسات الاستشراقية إلى ثلاثة أقسام :

أولاً : الدراسات العلمية والموضوعية التي قدمها العلماء الألمان، وهذا شيء يجب ذكره والاعتراف به، فقد قدم المستشرقون الألمان دراسات أنصفوا فيها الإسلام والمسلمين وكانوا أول من قام بدراسات روحية أو بترجمة هذا النوع من الدراسات.

ثانياً: الدراسات الاستشراقية التي كتبت بدافع السياسة الخارجية، بمعنى تلك الأبحاث التي جاءت بتحريض أو بتكليف من وزارة الخارجية البريطانية أو من دوائر المخابرات الغربية التي كانت تشرف وتمول دراسات ميدانية عن الإسلام والمسلمين من أجل إضعاف مصداقية الإسلامية.

ثالثاً : الدراسات التي قام بها المبشرون المسيحيون والتي أرادوا فيها أن يهاجموا الإسلام بأي طريقة كانت .

وهكذا رأينا وما زلنا نرى الكثير من الكتابات الاستشراقية التي تحاول أن تضفي على نفسها الصبغة العلمية والموضوعية في حين أنها بعيدة كل البعد عن العلمية الموضوعية، وقد قدم ادوارد سعيد العديد من الأمثلة حول هذا ، ويمكن دائماً تقديم الأمثلة الجديدة .

وقد حصل بعض التطور في الدراسات الاستشراقية بفضل حركات التحرر العربية والإسلامية، ولكن هذا التطور اتخذ منحى آخر فلم تعد الدراسات تؤكد على الدين الإسلامي بحد ذاته، وإنما أخذت تهتم بالحركات السياسية الإسلامية سواء تلك الحركات التي تستقي من الإسلام فعلاً مبادئها وخلفياتها، أو تلك التنظيمات التي تتخذ من الإسلام لافتة ظاهرية لا أكثر..

وانصبت الدراسات الاستشراقية في محاولة تحليل هذه الحركات تحت اسم لافتة "التهديد الإسلامي"، وفي رأيي أنها لافتة أو تهديد ابتدعه الغرب نفسه.

وفيما اذا كان يرى ان الاستشراق قد انتهى يقول البرفسور عبد الحق: يمكن القول بأن الاستشراق لم ينته بعد، وإنما هناك تجسيد جديد للاستشراق وهو ما يصنف تحت اسم "الطروحات الحضارية" وهو مفهوم أساسي تعتمد عليه السياسة الخارجية الأمريكية، ولحسن الحظ هناك الكثير من رجال الدولة الذين يعارضون ذلك، فهناك مقولة مفادها بأنه في القرن الواحد والعشرين لن تكون هناك صراعات ومصادمات واقتتال بين الدول وإنما سيكون بين الحضارة الغربية بمعناها الواسع (أميركا وأوروبا) والحضارة الإسلامية، أي بين الغرب والإسلام بشكل أساسي وينظر إلى هذا الصراع على أنه البديل للصراع بين الغرب والشرق أيام الحرب الباردة، أي ما كان يسمى بالشيوعية، فالنغمة السائدة الآن في الغرب بشكل عام هي وجود عامل تهديد واحد هو الإسلام وهذا بالطبع ادعاء باطل وتزييف للحقائق، وفي اعتقادي بأن كل هذا سيزول ويتلاشى إذا ما ركز المسلمون والمشرفون على المراكز الإسلامية في الغرب على القيم المشتركة والأصل المشترك للديانات الإبراهيمية الثلاث، فيجب أن نركز على التعاليم الصافية والأصلية لهذه الديانات كي ننشطها ونبعثها لنستعيد الإدراك الروحي والالتزام الأخلاقي.

وفي الوقت ذاته يجب أن نركز على مسألة (اسلمة المعرفة) أو ما يدعوه البعض"عملية الاستغراب" مقابل " عملية الاستشراق" والسؤال الذي يطرح هو إلى أي مدى نجح هذا ؟! وللأسف فإن بعض المنشورات والمؤتمرات التي اطلعت عليها او تابعتها تبدو وكأنها تحدث علمانية في الإسلام أكثر من اسلمة الغرب، فهم يقبلون الأنظمة الأكاديمية الغربية على أساس انها الأنماط الأساسية للفكر. ولكن هذه الأنماط تطورت خلال الخمسين سنة الماضية باتجاه محو كل تفكير ديني عن الحياة الفكرية، لذلك عندما نقبل هذه الأنظمة الفكرية الغربية فإننا نقحم الإسلام في مثل هذه الأنماط أو الأنظمة، وهكذا بقصد أو بغير قصد يدخلون العلمانية في الإسلام ويجعلون من الصعب على المسلمين أن يستعيدوا تراثهم الإسلامي ويبعثوه كموجة للسياسة الخارجية.

وحول نظرة المسلمين في أميركا وفي أوروبا إلى الغرب..يقول المستشار الاسبق للرئيس نيكسون:

الغرب كما هو معروف بالنسبة للمسلمين في العالم العربي أو الإسلامي هو الاستعمار وهو يشكل لنا نفس الظاهرة فهو استعمار أيضاً.. ولكن فيما يتعلق بأميركا هناك بعض الاختلاف عن أوروبا فلا بد أن ننظر إلى الغرب من منظور الآباء الأوائل الذين أسسوا أميركا..فقد كانوا ينظرون إلى أميركا على أنها تجربة كبيرة لتطوير مجتمع قائم على الحقائق السامية وعلى خطوط إرشادية أخلاقية تأتي منها وكانوا يعارضون أي نظرة طائفية ضيقة للدين، لأن مثل هذه النظرة الطائفية قد تملك قوة سياسية وبالتالي ستحطم هوية الدين، فهم لم يكونوا يريدون إزالة الدين إنما بالعكس كانوا يريدون حرية الدين بمعنى أن تأخذ كل مناحي الحياة العامة هديها من الوحي أو من القانون الكوني الذي هو دراستنا للكون، وهذا مصدر غنى لأنه القانون الكوني الذي هو مصدر الحقيقة.

فالكثير ممن أسسوا أميركا كانوا في تفكيرهم إسلاميين ....بحيث أنهم كانوا هم الحنفاء ولا نستطيع القول بأنهم كانوا مسيحيين معترف بهم، فالأصولية المسيحية تطلق على هؤلاء الذين أسسوا اميركا بأنهم ملحدون ولكنهم في الحقيقة كانوا أعمق أشخاص شاهدهم التاريخ الأمريكي، وهكذا يجب أن ننظر إلى الغرب وأميركا على أنها فرصة كبيرة لاتمام الثورة التي بدأ بها هؤلاء الأوائل، وهي ثورة ذات محتوى إسلامي من وجهة نظر عملية، لذلك أقول أن أفضل المسلمين هم أفضل الأميركيين وإن أفضل الأميركيين هم الأشخاص الذين يفكرون تفكيراً إسلامياً.

وعن كيفية تحسين العلاقة بين الشرق والغرب أي بين الإسلام والغرب تلك العلاقة التي لعب الاستشراق فيها دوراً كبيراً في رسم الصورة المشوهة عن الإسلام والمسلمين. يقول البرفسور عبد الحق: أن ما نحتاجه هو عملية (الارتباط السلمي) وهذا المفهوم كان شائعاً في السياسات الأميركية قبل ثلاثين أو أربعين عاماً، وأذكر هنا قولاً لبريجنسكي الذي كان رئيساً للأمن القومي تحت سلطة الرئيس الأميركي جيمي كارتر: " كلما تعرف زعماء الاتحاد السوفييتي وزعماء أميركا على بعضهم أكثر كلما كان تعاونهم مع بعضهم أكثر من قتالهم" وقد تكون هذه السياسة حسنة أو غير حسنة فهناك من يؤيدها وهناك من يعارضها ولكن عندما يتعامل الغرب مع العالم الإسلامي، ومن منظور ندي وليس استعماري، وعندما يتعامل العالم الإسلامي مع الغرب وهو يفهمه جيداً يمكن أن ينمو التعاون أكثر وتخف حدة الصراع (فالترابط السلمي) هو أفضل استراتيجية ،وبهذه الطريقة أعتقد أننا نستطيع أن نبني حضارة علمية قائمة علمياً ووظائفياً على المبادئ الإسلامية لأن هذه المبادئ هي كليات الشريعة، وهي المبادئ العالمية للمسؤولية الإنسانية، وبالتالي علينا أن ننظر إليها كمفتاح للحقوق الإنسانية..

 

 

 


 

نظرة سريعة على حياة بعض المستشرقين

الاستشراق بين اليهودية والصهيونية

وفي دراسة كان زودنا فيها الباحث والمفكر السوري الراحل الدكتور عارف تامر حول حياة بعض المستشرقين ( الاستشراق بين اليهودية والصهيونية ) يقول ان :

 

تاريخ الاستشراق حافل بأسماء عدد من المستشرقين المتحدرين من أصل يهودي وعندما نأخذ بدراستهم وكشف النقاب عن أغراضهم ومهماتهم سنجد أنه قلما يوجد بينهم من يجهل اللغة العربية ومعنى هذا ان هذه اللغة وإجادتها من الضرورة بمكان لكل من يتجند للإضرار بالعرب والإسلام، في دراستنا هذه نقوم بدراسة موجزة عن أهم المستشرقين الذين كرسوا أنفسهم لخدمة أهداف أمتهم ونقسمهم إلى فئتين: اليهود والصهيونيين..

 

المستشرقون اليهود:

1-  اجنتس جولدتسيهر: مستشرق مجري يهودي ولد سنة 1850 ومات 1921 درس في بودابست ثم ذهب إلى برلين سنة 1869 حيث تركها بعد عام وانتقل إلى يبتسك حيث تتلمذ على يد فيشر وهو أستاذ في الدراسات الشرقية، وبفضل جهوده وتوجيهاته نجح جولدتسيهر بشهادة الدكتوراه وذلك سنة 1870م. أثنى عليه الدكتور عبد الرحمن بدوي، بينما صنفه عزة الطهطاوي إلى جانب كاتياني ـ وبرنارد، وهم من أوائل المستشرقين الصهيونيين، ومن أعرق تلاميذ هرتزل سياسياً. درس جولدتسيهر الشريعة الإسلامية في الأزهر وتظاهر بالإسلام وتبحر في اللغة العربية، وقام بمهمة سرية بتكليف من الحركة الصهيونية وإليه يعزى إقامة الجامعة العبرية في القدس عام 1919م التي جهزت قواها لعملية الغزو الاستيطاني بفلسطين. له مؤلفات كثيرة عن الإسلام ولكنه توج حياته العلمية بكتابه المشهور "تفسير القرآن" ومن اجتهاداته المطالبة بإعادة الهيكل القديم، ويقول عند تعريفه الماسونية: إنها جمهور كبير من مذاهب مختلفة يعملون لغاية واحدة وهي إعادة الهيكل القديم رمز دولة "إسرائيل" وقد كشف بذلك عن وجهة نظر عند وصف الماسونية بأنها مؤسسة يهودية بأفكارها وتعاليمها وكلمات السر فيها.

2-  دافيد صموئيل موغليوث: مستشرق يهودي من أصل شامي ولد سنة 1880م ومات 1959م، هاجر إلى انكلترا وعمل في جامعة اكسفورد أستاذاً للدراسات الشرقية حيث طبع 1920م كتابه " تفسير سورة آل عمران على شرح البيضاوي"في عام 1905م بدأ بنشر دراساته عن الإسلام بكتابه " محمد ونشأة الإسلام" ومن بعده سنة 1911م "الإسلام" وفي هذه المؤلفات أظهر تعصبه وحقده دون أن يشعر، وبالرغم من ذلك اختاره المجمع العلمي العربي في دمشق عضواً مراسلاً سنة 1920م ومن المعروف أنه كان من أنجب المدرسين في اكسفورد وأعلمهم في القضايا العربية والسامية، وهذا ما أهله ليصبح رئيساً لتعليم اللغة العربية بجامعة اكسفورد. من المعروف أن مرغليوث كان له تأثير كبير وفعال على "انطوني ايدن" رئيس ووزير خارجية بريطانيا الذي لم يكن يضع قراراً سياسيا" في شؤون الشرق الأوسط إلا بعد أخذ موافقته، هذا ولم يقتصر عمل مرغليوث على الإسلاميات فقط وإنما على اللغة العربية فانتقدها وصب جام غضبه وخبثه عليها وعلى أهلها.

3-  غوستاف فون غرونيوم: مستشرق نمساوي الأصل، ولد في فيينا في أيلول 1909م ومات سنة 1972م وتعلم في مدارس فيينا وفي جامعاتها ثم في جامعة برلين..ولما قامت ألمانيا بضم النمسا إليها سنة 1938م هاجر إلى الولايات المتحدة باعتباره من أسرة يهودية وبالرغم من ذلك فقد اعتنق الكاثوليكية وحصل على الجنسية الأميركية وصار أستاذاً في جامعة نيويورك سنة 1938م ثم في جامعة شيكاغو عام 1943. وفي 1957 أصبح أستاذاً ورئيساً لقسم الدراسات الشرقية في جامعة كاليفورنيا فرع " لوس أنجلوس" واستمر بهذا المنصب حتى وفاته سنة 1972م، اشتهر بإنتاجه العلمي الغزير المتنوع وخاصة دراسة الشعر والأدب العربي ، حتى إن رسالته للدكتوراه كانت بهذا الموضوع، على أن شهرته الفائقة نتجت عن تخصصه في الحضارة الإسلامية، ومن مؤلفاته المشهورة "الإسلام في العصر الوسيط". على العموم ورغم تعمده الرمزية والسرية فقد ظهرت عليه جوانب الحقد على العرب والإسلام، ولا بد من القول: إن غرونيوم لاقى بين الحضارة الأوروبية والعالم الإسلامي المعاصر وفي هذا المجال كتب كتاباً سماه " الإسلام الحديث".   اتفق غرونيوم مع المستشرق الصهيوني " بول كراوس" في الجامعة المصرية، وقررا واذاعا: أن النبي أيوب كان يبتهل إلى الله بالشعر العبري وهذا معناه أن الشعر العبري أقدم من الشعر الجاهلي، ولا يخفي مقاصده من قوله هذا الذي يدل كما يعتقد عن فضل وقدم بني إسرائيل على العرب.

4-  ألفريد غليوم: ولد 1888م وتوفي 1965م كان أستاذا ًللغة العربية في معهد الدراسات العربية والإفريقية، ورئيس دائرة الشرقين الأدنى والأقصى في جامعة لندن من سنة 1947 حتى 1955م، خدم في الجيش البريطاني بمصر أثناء الحرب العالمية الأولى، كما درس في الجامعة الأميركية في بيروت من 1944م حتى 1945م أي في الفترة التي كان فيها قادة الحركة الصهيونية في لبنان، وقد تمكن أن يصبح عضواً في المجمع العربي بدمشق سنة 1949م وفي مجمع بغداد سنة 1950م وعمل أستاذاً زائراً في دائرة اللغة العربية في جامعة برنستون بالولايات المتحدة الأميركية من 1955م وحتى سنة 1957م، ومن أبرز مؤلفاته "تقاليد الإسلام" و " تأثير اليهودية على الإسلام" و "النبوءة والكهانة"، وقد ترجم إلى العربية وإلى الإيطالية والإسبانية حياة محمد وتراث الإسلام، كما أنه كتب " دائرة المعارف الإسلامية أو الموسوعة الإسلامية" ويغلب عليها الطابع اليهودي والصهيوني بالافتراءات والدس والتشويه، خلفه على مقعد منبر العربية في اكسفورد " هاملتون جب" فكتب كتابه "المحمدية" وأظهر فيه تحيزه للإسلام فاحتج بعض المستشرقين ونقدوه وكان ردهم عليه إخراج كتاب "الإسلام" لغليوم، والحقيقة لم يسلم النبي العربي الكريم والقرآن من حقد هذا المستشرق حيث أكد أنه تأثر بمصادر أدبية يهودية ومسيحية جعلها شبه مألوفة في صفحات قرآنية.

 

الاستشراق الصهيوني:

إذا كان بعض المستشرقين اليهود قد لعبوا دوراً سرياً في استشراقهم وعمدوا إلى إخفاء  مهمتهم وأغراضهم وأدوارهم الهادفة إلى خدمة اليهود والصهيونية ومن بعدها "إسرائيل" فإن بعض المستشرقين الصهاينة لم يلجأوا إلى إخفاء دورهم في هذا السبيل خصوصاً بعد أن وضعوا خبرتهم وكفاءتهم الاستشراقية علناً ومجاهرة في خدمة أدب الصهيونية وزعماء الحركة الصهيونية وفي طليعتهم "تيودور هرتزل" ومن هؤلاء:

1-  وليم هلكر: ولد سنة 1845م ومات 1931م وهو قسيس انجليكاني كان ملحقاً في السفارة البريطانية في فيينا، وحلقة الوصل بين الصهيونية غير اليهودية والصهيونية اليهودية، ولد في جنوب أفريقيا من أبوين ألمانيين بروتستانتيين ، وقد عبر عن حبه العظيم لشعب الله القديم، وكان يشجع الاستيطان اليهودي في فلسطين. أوفد إلى فلسطين لدراسة الاستيطان اليهودي الدائم هناك وقد تحدث عن دولة يهودية في كتابه " إعادة اليهود إلى فلسطين "عام 1894 الذي كتبه قبل كتيب هرتزل " الدولة اليهودية" بعامين، وذلك طبقاً لنبوءات العهد القديم. في سنة 1882م أيضاً أوفدته الحكومة البريطانية إلى الآستانة لمقابلة السلطان عبد الحميد الثاني بخصوص مسألة احتلال بريطانيا لمصر وإقناعها بعدم التورط في حلف مع ألمانيا والنمسا. وبالرغم من الطابع الديني لوليم هولكر فقد كان يغلب على اهتماماته وأفكاره المضمون الاستعماري السياسي، ففي عام 1889م كتب دراسة بعنوان: إرجاع اليهود إلى فلسطين حسبما ورد في أسفار الأنبياء.

2-  ارمينوس فامبيري:مستشرق صهيوني هنغاري اعتمد عليه هرتزل في تأمين مقابلة مع السلطان العثماني عبد الحميد الثاني الذي كان فامبيري على علاقة وثيقة به، وفي معرض الإشارة إليه عرفه الدكتور حسان حلاق بقوله: جاسوس عثماني ومستشرق هنغاري يهودي الأصل تزوج أميرة عثمانية ووطد علاقاته مع الباب العالي، كان فامبيري عالماً في اللغات الشرقية ومن أكبر موظفي الإمبراطورية البريطانية وأهمهم على صعيد الاستشراق، لم يكن أحد يملك تلك العلاقات الودية مع السلطان العثماني عبد الحميد الثاني كما كان يملكها هو، فابتداءً من عام 1880م كانت له زيارات في السنة للسلطان عبد الحميد حيث يتناقشان حول جميع الأوضاع السياسية العالمية والإمبراطورية العثمانية، وقد كان لإلمامه بالدين الإسلامي واللغة التركية أكبر الأثر مما جعله أكبر الضيوف المرغوبين عند السلطان من بين جميع موظفيه، وقد كان "مكتب المؤسسة البريطانية" يدفع له نفقات أسفاره مقابل تقارير يكتبها، وكان شديد العداء للروس ويتكلم اثنى عشر لغة بإتقان، وفي إحدى المرات طلب منه هرتزل أن يؤمن له لقاء مع السلطان العثماني، وقد تمكن ذلك بعد جهود طويلة وبعد إعلامه بأن السلطان سيستقبله ليس كصهيوني ولكن كرئيس لليهود وصحافي كبير، وقد قال هرتزل للسلطان يومذاك: إني أكرس نفسي لخدمتك لأنك تحسن إلى اليهود واليهود مدينون لك.. فشكره على ذلك وظل على اتصال به، وهكذا نرى كيف يستغلون استشراقهم لخدمة "إسرائيل" واغتصاب فلسطين والإساءة للعرب وللإسلام.

3-  لورانس أوليفانت: ولد سنة 1829م ومات سنة 1888م في جنوب أفريقيا ولد من أبوين انجيليين وخدم فترة في السلك الدبلوماسي البريطاني كما عمل مراسلاً للصحيفة اللندنية التايمز خلال حرب القرم التي دارت رحاها عام 1854م وعام 1856، وفي عام 1865م أصبح عضواً في البرلمان البريطاني ، يعتبر أوليفانت من أهم الشخصيات الأوروبية التي تعاطفت مع مشروع الاستيطان اليهودي، وقد أيد سيادة الدولة العثمانية وحمايتها من روسيا، وزار فلسطين ومسح أراضيها ودرس استعمارها الزراعي وظروف استيطانها، من المعروف أنه لعب دوراً مهماً بين إسرائيل المرتقبة وإنكلترا وأراد إقامة علاقات يهودية مع تركيا العثمانية وكل هذا في سبيل إحياء مشروع الاستيطان الإسرائيلي لفلسطين، وقال: إن فلسطين يجب أن تكون لليهود وإن على العرب أن يلتحقوا بالصحراء مع إبلهم ومواشيهم فهم لا يحتاجون إلى أكثر من ذلك، في نهاية المطاف استقر في فلسطين وعاش في حيفا ووضع كتاباً عن "حيفا والحياة في فلسطين الجديدة"، ومن الواضح أن عدداً كبيراً من زعماء الحركة الصهيونية كانوا يشاركون شخصياً في مؤتمرات المستشرقين كما هو الحال مع (دافيد بن غوريون) وذلك تحت شعار التبشير بالاستشراق كبحث علمي وتكريسه سرياً لخدمة مصالح "إسرائيل" والغرب.

4-  بول كراوس:  ولد سنة 1904م ومات 1944م ينحدر من أسرة يهودية في مدينة براغ التشيكوسلافية وكانت جزءاً من الإمبراطورية النمساوية ، في سنة 1922 سافر إلى فلسطين فأمضى فترة في إحدى المستوطنات اليهودية، وبعدها دخل مدرسة الدراسات الشرقية التابعة للجامعة العربية في القدس، وفي تلك الفترة أتقن اللغة العربية. وفي سنة 1927م دخل جامعة برلين وحصل على الدكتوراه وقد اختاره أستاذه " يوليوس روسكا" مساعداً له في معهد البحث في تاريخ العلوم في برلين سنة 1929م فأكب على دراسة الكيمياء عند العرب وركز بحثه على رسائل "جابر بن حيان" في الكيمياء، وانتهى من نشر بحثه سنة 1930م وقال بتحطيم أسطورة جابر بن حيان، وبيان: أن الرسائل المنسوب إلى جابر بن حيان هي في الواقع من تأليف الفلاسفة الإسماعيليين ، وجابر لم يكن له وجود وإنما هو اسم ابتدعوه وكتبوا عنه ما شاؤوا بأمر الإمام جعفر الصادق، لما تسلمت النازية الحكم في ألمانيا سنة 1933م غادر كراوس ألمانيا ولجأ إلى باريس حيث عاون المستشرق لويس ماسينيوس بكتابه عن الحلاج، وفي سنة 1936م عينته كلية الآداب في الجامعة المصرية مدرساً للغات السامية وكانت الجامعة العبرية في القدس قد عرضت عليه أن يكون مدرساً فيها فرفض وفضّل البقاء في مصر حيث الإمكانيات العلمية والمخطوطات الجاهزة وكان ماسينيون هو الذي زكّى ترشيحه للتدريس في كلية الآداب المصرية.

 كان كراوس على علاقات سرية بمنظمات الصهيونية الإرهابية، ومما يدل على ذلك أنه سنة 1944 سافر إلى القدس ليمضي عطلة الصيف فيها لكنه لما عاد لاستئناف العام الدراسي في مصر كان في حالة عصبية متوترة أدخلت عليه القلق والوساوس ولم يتوضح سبب ذلك إلا بعد ان أقدم على الانتحار في مصر في شقته الواقعة في حي الزمالك، والسبب أن إرهابيين في مصر من الصهاينة قتلوا اللورد موين الوزير البريطاني المقيم في الشرق الأوسط ، فقبضت الشرطة المصرية على الفاعلين وحاكموهم وأعدموهم، وقد وجدت الشرطة المصرية معهم عنوان مسكن كراوس وهم كانوا من أعضاء عصابة شتيرون الإرهابية الصهيونية وقد عرف فيما بعد أنه كان عليه أن يختار بين الاشتراك في عملية الاغتيال أو الانتحار وهو في كلتا الحالتين مقتول.

5-  برنارد لويس: أحد كبار المستشرقين المعاصرين وأكثرهم اجتهاداً وكتابة عن الإسلام، ترك بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية يعمل مدرساً في عدة جامعات، يقولون: أنه صهيوني تأثر بمبادئ هرتزل.     أخذ الدكتوراه بأطروحته عن الإسماعيلية ، زار سوريا ولبنان ومصر وكانت علاقاته كثيرة مع رجال البحث الإسلامي ومن جملتهم ماسينيون وجب وكراوس وغيرهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المفكر السوري طيب تيزيني:

أفكار الجابري قد تخدم إيديولوجية المشروع الشرق أوسطي (؟!)

 

حول كتابه "من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي" حاورنا الدكتور طيب تيزيني المفكر السوري المعروف ..:

 

  كيف تنظر إلى الاستشراق اليوم ؟

** يظهر الاستشراق اليوم بمثابة لف على العلوم الاجتماعية والإنسانية، وبرأي المستشرق الفرنسي ارنالدز لم يعد للاستشراق مسوغ مع تطور هذه العلوم التي أحيلت إليها المهمات التي كانت منوطة بالاستشراق. وهناك عنصر آخر يؤمن ـ برأي المستشرق المذكور الدخول في مرحلة نهاية الاستشراق، وهي ان يكون أبناء الشرق أنفسهم قد كونوا موقفاً علمياً من (شرقهم) يسمح لهم بإنجاز دراسات دقيقة عنه.

ولعلنا نرى أن ذلك الرأي يمكن أن يكون صحيحاً أو دقيقاً ، لو غضضنا النظر عن الوجه الإيديولوجي للاستشراق. فهذا الوجه يتمثل في أنه يصنع من الاستشراق ما هو عليه، وإذا ما أسقط سقط الاستشراق، أما ما نعنيه بذلك فيقوم على أن الاستشراق هو بالأساس اتجاه لقراءة الشرق غربياً، وهذا يفضي إلى أن (الشرق) هنا هو كما يراه الغرب وكما يعمل على صوغه بغض النظر عن خصوصية الشرق وعن سياقه التاريخي أولاً ويجعل من (الغرب) معيارياً معرفياً وإيديولوجياً للعالم برمته مما يطيح كذلك بخصوصيته النسبية ومن ثم بسياقه التاريخي.

وأنا أظن أن هذا الاستشراق لم ينته بقدر ما أخذ يتصاعد بوتائر جديدة، أخذاً اليوم صيغة يشدد عليها هي الاستشراق الغربي الأمريكي، وهذا نمط من المركزية الغربية الأمريكية التي تجعل من الولايات المتحدة مركز الفعل العالمي الراهن، وبذلك قد نرى أن مهمات الاستشراق يعاد إنتاجها راهناً بصيغ أكثر تعقيداً ولكن كذلك برؤية إيديولوجية أكثر صفاقة ومباشرة، ويبقى القول بأن نقد هذه الصيغة من الاستشراق مرهون بتعميق البحث العلمي في (الشرق ) الراهن كما في (الغرب) الراهن على حد سواء، وهذا بدوره يمثل مهمة كبرى أمام العلوم بكل تقاسيماتها الاجتماعية والإنسانية.

أما من يقوم بهذه المهمة فإنني أرى أن العلماء من حيث علماء حريصين على مقتضيات البحث العلمي هم الذين ينجزون ذلك وهذا من شأنه أن يجعلنا نقوم بخطوة هامة. نادراً ما ظهرت على صعيد النقد المعرفي والإيديولوجي للاستشراق وقد يكون ادوارد سعيد هنا مثالاً بارزاً على ذلك، وهي القيام بتمييز بحثي دقيق بين مفهومي كبيرين مختلفين أساساً وهما (الثقافة الغربية) و (الثقافة في المجتمع الغربي). نضيف إلى ذلك أخيراً أن هناك ضرورة منهجية وتاريخية مشخصة للتمييز بين جانبية في النشاط الاستشراقي الغربي، هما الإيديولوجي والتقني المنهجي فإذا كان الجانب الأول- في الغالب الأعم ميداناً فإن الجانب الآخر يقتضي رؤية مدققة قد تسمح بتبني عناصر كثيرة منه وإدراجها في الحقل العلمي والمنهجي.

 

  هل يمكن القول أن الاستشراق قد خضع لمنهج علمي محدد ؟

** إن علاقة الاستشراق الغربي بالمناهج مسألة معقدة اتخذت طابعاً خضع للمراحل التاريخية التي مر بها، ولكن في هذا كله كان هنالك إلحاح مشدد على أن يفضي المنهج المتبنى إلى الحفاظ على الاعتقاد بالثنائية اللاتاريخية بين الشرق والغرب، ويمكن أن نأتي المسألة على نحو السلب وذلك بأن نضغط على ما أقصته المناهج الاستشراقية من منظومتها المفاهيمية. ها هنا يمكن القول بأن المناهج المعنية ظلت تعالج موضوع بحثها "الشرق" (في الحالات الأرجح أي في الحالات التي عبر فيها الاستشراق عن مقولة -الفكر الغربي- وليس عن مقولة- الفكر في المجتمع الغربي) بعيداً عن عناصر : التاريخية والاجتماعية المشخصة والموضوعية المحتملة ( وليس للموضوعاتية) ، والنزعة الإنسانية واحتمال التقدم الاجتماعي والتاريخي واللاعرقية، وغيرها..

ولما كان الأمر كذلك فقد قام الاستشراق المعني هنا على إيديولوجيا مضخمة أنيطت بها مهمة التكريس لهيمنة استعمارية(كولونيالية) ثم إمبريالية، تلك الإيديولوجيا التي سارت بتوازٍ مطرد مع تطور تقنيات البحث واتجاهاته الطرائقية ، إنما على حساب الوجه المعرفي الموضوعي، من هنا يصح أن يؤخذ الامر هنا بكثير من الحذر والحيطة، ومع ذلك شاهدنا مثلاً - الانتربولوجيا البنيوية توظف بصيغ كثيفة باتجاه تكريس ثنائية (الشرق والغرب) ومن ثم ما اعتبر (شرقاً لا تاريخياً) و(غرباً تاريخياً) خصوصاً حيث أفضت أبحاث بعض المستشرقين من الذين أخذوا بالانتربولوجيا البنيوية المذكورة إلى تقسيمات صبت في ذلك الموقع. مثل (الشعوب ما قبل التفكير المنطقي) و (الشعوب ذات التفكير المنطقي).

  هل ترى أن النظرة الاستشراقية قد تغيرت اليوم بتغير الظروف وبتحرر الدول العربية والإسلامية ؟

** لم ينته الاستشراق اليوم، بل ربما تعاظمت الضرورة إليه في إطار التحولات الكبرى التي ألمت مؤخراً بالعالم المعاصر ولكن ذلك لا يعني الاستمرار بالخط الاستشراقي الكلاسيكي، فهذا الأخير فقد مصداقيته إلى حد كبير ضمن الغرب عموماً، إضافة إلى أن شعوب الشرق (ونقصد هنا تحديداً الشرق العربي) دللت عبر كفاحها من أجل الاستقلال السياسي وفي سبيل تنمية مستقلة وإن متعثرة الآن إلى درجة كبيرة، على بطلان مقولات ذلك الاستشراق المعرفية وعرقيتها وصفقاتها، ولعل واحد من الكتب الراهنة التي تسوق في العالم باتجاه الدعوة إلى نمط جديد من الاستشراق (الغربي الأمريكي) يتمثل فيما كتبه فرانسيس فوكوياما تحت اسم "نهاية التاريخ".

إن مهمات كبرى تنتظر (الاستشراق الراهن) في ظل ما يعتقد أنه أضحى عالماً مستفرداً من قبل "نظام جديد" يطمح إلى الهيمنة التامة على هذا العالم. ومن هنا أقول ما أتيت عليه في الجواب الأول من أن الاستشراق لم ينته مع تطور العلوم الاجتماعية والإنسانية، وإنما ظل قائماً وإن في ظل هذه العلوم وباسمها، ولكن في كل الأحوال أو في معظمها عبر حرفها عن مطالبها الكبرى في الموضوعية العلمية الصارمة.

  كيف يمكن تقييم العلاقة مع الغرب اليوم، وما مدى الدور الذي لعبه الاستشراق في هذه العلاقة ؟

** لقد اتسع مفهوم (الغرب ) أو اصبح أكثر تشخصاً مع بروز الولايات المتحدة الأمريكية كقوة كبرى في العالم، ومع هذا اتسعت دائرة الاستشراق إضافة إلى اكتسابها بعداً جديداً مستمداً من (الفكر الأمريكي الهيمني) ولا سبيل إلى التغاضي عن التمايز النسبي بين الاستشراق الغربي (الكلاسيكي) من طرف والاستشراق الغربي الأمريكي من طرف آخر، فإذا كان الأول ذا طابع استراتيجي يقدم نفسه غالباً، بعيداً عن الاستخدام البراغماتي المباشر، فإن الثاني يتسم بنزوع براغماتي لا هوادة فيه، مما جعل الاستشراق الأول يبدو أكثر خبثاً وحنكة على المدى البعيد وأفضى إلى أن يكون الثاني مفعماً بهواجس الهيمنة والاحتلال على نحو مكشوف سافر ووفق ذلك، تميزت الوظيفة التي نيطت بالاستشراق الأول عن وظيفة الآخر..

ولعل دور الاستشراق في صيغته الراهنة المتماهية صورياً مع العلوم الاجتماعية والإنسانية، تعاظم في المرحلة الراهنة فالعلاقة بين الوطن العربي (الشرقي) وبين الغرب الأمريكي آخذة في التعقد والاضطراب والتوتر.. وفي سياق ذلك تبرز اتجاهات جامحة لإحكام القبضة على الشرق العربي، محدثة فيه تشققات صميمية، ولكن كذلك ملامح تشير إلى احتمال نشوء إرهاصات أولية مضادة ولعل عنصراً جديداً وهاماً يفصح عن نفسه في إطار ذلك ويتمثل ببروز مهمة ابتلاع الهوية العربية الشرقية وطرح بدائل عنها من نمط الهوية الشرق أوسطية. إن الاستشراق يقف على عتبة جديدة في تحوله ضمن الحقل العربي، هذا الحقل الذي يعمل على إعادة بنائه أساساً عبر تقديم نموذج عليه أن يحتذى هو النموذج الإسرائيلي الصهيوني ولا شك ان هذه العملية يجري اختراقها وإعادة ترتيب عناصرها عبر خلط الأوراق بينها وبين عمليات أخرى يقذف بها إلى السطح..

  وهل يمكن تصحيح هذه العلاقة مع الغرب ؟

** إن تصحيح العلاقة مع الغرب يتم ـ بالمنظور الغربي ـ بمزيد من التبعية والهيمنة ومن ثم بالرضوخ لمطالبه في قبول عملية الاستتباع له في مجمل الحقول، أما في المنظور (العربي الشرقي) فإن ذلك التصحيح يبدأ بإنتاج علاقة ندية بين الفريقين المعنيين تقوم ضمن ما تقوم على تثاقف عميق ومشخص بينهما، بحيث تنجز عملية حوار عميق تفضي إلى تحقيق منافع مشتركة، ولما كان هذا الأمر مستحيلاً ضمن حيثيات الواقع القائم، فإن مقولة المقولات تبرز هنا في الحقل العربي الشرقي وهو النضال الشامل والاستراتيجي من أجل الاستقلال والتقدم بها والمثاقفة مع الآخر على نحو مستقل وندي مع التأكيد على أهمية ما يراهن عليه الآن من بدائل تاريخية جديدة يمكن أن تشق طريقها على صعيد العالم في أوروبا وآسيا وإفريقيا.

 

  هناك دعوة إلى الاستغراب مقابل الاستشراق ، ما رأيك ؟

** تمثل الدعوة للاستغراب كما وردت خصوصاً لدى حسن حنفي، وجهاً آخر من الدعوة للاستشراق فإذا كان اتجاه الدعوتين الإيديولوجي مختلفاً في الواحدة عن الأخرى إلا أن آلية النظر والتفكير مشتركة بينهما فكلتاهما تنتج وعياً زائفاً لنفسها وبالأخرى، فبحسب ذلك تنتفي المثاقفة الندية بينهما ليحل مكانها نزوع للتمركز على الذات، مما يسوغ التحدث عن مركزية غربية تجعل من الشرق هامشاً لا قيمة حضارية له، وكذلك عن مركزية شرقية تنظر الى الغرب بمثابة لقيط لا هوية حضارية له بقدر ما يستمد حضوره الفاعل عن مدرسة الشرق القديمة والوسيطة وعلى هذا فالدعوتان كلتاهما تنتميان من حيث آلية التفكير التي تحكمهما إلى حقل ابستيمولوجي واحد.

إن فك الارتباط بينهما يمثل شرط لتجاوزهما كلتيهما، وهذا يستدعي النظر إلى الشرق والغرب بمثابتهما حقلين بشريين تاريخيين هما ما هما عليه من موقع ورؤية تاريخية مشخصة، وهذا يشير إلى أنه كلما تعمقت الدراسات التاريخية والاجتماعية في الحقلين المذكورين تتهاوى(إطلاقية) الشرق وإطلاقية الغرب اللتين تمثلان ركنين من أركان المركزية الغربية والأخرى الشرقية التي تمثل الخلفية العميقة للاستغراب المعنى، هنا ـ كان في أحد أوجهه الكبرى ـ تعبيراً عن رد فعل على المركزية الغربية ودعوة للكفاح ضدها عبر الآلية الفكرية التي تمتلكها. إذ لا يقوم الأمر على التساؤل فيما إذا كانت هناك ضرورة للدعوة إلى (استغراب) عربي ـ شرقي بقدر ما ينطلق من رفض مثل هذه الدعوة بالتساوق مع رفض الاستشراق المعني هنا، أما البديل فيتمثل في تحكيم العلوم الاجتماعية والإنسانية على هذا الصعيد، والوصول عبر ذلك إلى علاقة ندية متكافئة ومنبسطة بين الشرقي والغربي، إذ في مثل هذه العلاقة تتساقط المشروعية الاجتماعية التاريخية لكلا القطبين ناهيك عن أنهما لم يمتلكا ولن يمتلكا مصداقية معرفية تاريخية.

  ذهبت في كتابك ( من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي ) إلى اتهام بعض المفكرين المعاصرين أمثال د. عابد الجابري باتجاه الفكر الاستشراقي الغربي، هل يمكن توضيح ذلك ؟

** كتابي "من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي" هو بحث في الآليات المنهجية والنظرية التي كمنت وراء تحول بعض المفكرين المعاصرين في الوطن العربي (المغرب منه تحديداً) باتجاه الفكر الاستشراقي الغربي، في صيغته المركزية الأوروبية الغربية.. وقد استخدمت في هذا الكتاب مصطلح " الاستغراب" ليس بالصيغة التي يدعو إليها حسن حنفي كما أشرت وإنما على نحو آخر..

لقد دعا حسن حنفي إلى استغراب يمثل الوجه الآخر من الاستشراق المذكور بحيث يمكن النظر إليه في أحد أوجه المسألة على أنه إنتاج مباشر من قبل هذا الاستشراق ورد فعل عليه مع التأكيد من طرف آخر على أن ذلك الاستغراب يجد مسوغه الإيديولوجي والمنهجي الرئيسي في البنية الاجتماعية العربية نفسها، أما الحالة الأخرى التي نحن بصددها هنا في الكتاب المذكور فتنطلق من حقل إيديولوجي ومنهجي آخر يقوم على كونه (وهو هنا الاستشراق المعني هنا) يعيد إنتاج نفسه ضمن ظروف الشرق(العربي المغربي) وبصيغ محلية عربية الوجه واليد واللسان ولكن استشراقية غربية المرجعية ولقد تناولت في سياق ذكر وعلى سبيل النمذجة مجموعة كتابات الدكتور محمد عابد الجابري..

ولعل الفكرة الحاسمة على هذا الصعيد تتمثل في رأي الجابري بصورة إحداث قطيعة ابيستمولوجية تامة مع "العقل - الفكر " العربي الذي تكون منذ "عصر التدوين" والبدء بفعل جديد يتمثل لشرائط العقلانية النقدية الأوروبية، والأستاذ الجابري يسوغ ذلك بالاعتقاد بأن اللغة العربية لغة "حسية لا تاريخية"، وبأن "العقل - الفكر" العربي جاء هكذا أيضاً لا تاريخياً من موقع حامله اللغوي اللاتاريخي وكذلك من موقع الآليات الداخلية التي تحكم هذا "العقل - الفكر". وقد أفضى الموقف لدى الجابري إلى تجمع من الثنائيات الميكانيكية التي إن لم تعقد البحث في الفكر العربي وتاريخه وراهنه وآفاقه، فإنها لا تفسر شيئاً من بنيته وخصائصه التاريخية العامة والمشخصة، من أمثال الثنائية بين (الصحراء والبحر) و (الشوروية والديمقراطية) و (المشرق العربي البياني والمغرب العربي البرهاني) و "البداية المطلقة من الصفر والنهاية المطلقة التي آلت إلى الصفر".

إن ابتلاع الفكر الاستشراقي الغربي (المركزي) لخصوصية الشرق (المغرب العربي) عبر التأكيد على نظرية التخالف المطلق بين (التخلف والتقدم) ومن ثم عبر القول بضرورة امتثال الأول للثاني للخروج من شرنقته، إن هذا يمثل آلية حاسمة في تكوين الاستغراب المغربي كما يجيء في كتابات الأستاذ الجابري وغيره، وبالطبع لم تتكون هذه الحالة بصيغة خالصة وصافية وإنما رافقها وربما سبقها إرهاص باتجاهات إيديولوجية تقترب في بعض الأحوال من المنظومة الإيديولوجية الدينية السلفية، وهذا ما نواجهه عند الجابري الذي يفصح في حالات معينة قد يحسبها هو حساباً دقيقاً عن الاعتقاد بضرورة العودة إلى نماذج أصلية في التاريخ الإسلامي في ضوء تأصيلها راهناً، ومن ثم فمثل هذه الحالات لم تلغِ الموقف الجابري(الاستغراب المغربي) من التاريخ والتاريخية وإنما أكدتها وان بحقل إيديولوجي آخر هو الديني، ويمكن القول بأن الباب يظل مفتوحاً أمام احتمالات أخرى في الكتابات الجابرية..

ولعلي في كتابي المعني هنا قد أتيت على هذه المسألة المركبة وغيرها بمزيد من التفصيل والتدقيق، ولكن ما ينبغي أن يقال هنا يكمن في الإشارة إلى أن مفهوم ( القطيعة الابيستمولوجية التامة) مع "الفكر-العقل" واللغة العربية وكذلك مع الهوية العربية التي تعبر عن هذين الحقلين يمكن أن يقرأ بمثابة نهاية وبداية، نهاية مع الفكر (العقل) العربي الذي يجتر نفسه واللغة العربية اللاتاريخية مبدئياً والهوية العربية الثابتة ثبات ذلك، وبداية مع فكر جديد يقوم على مبدأ السببية والعقلانية النقدية ومع لغة تاريخية تستجيب عقلانياً وتاريخياً لاحتياجات التقدم..

وأخيرا"، مع هوية منفتحة باضطراد وبتعبير آخر أن ذلك قد يقرأ على الأقل من قبل من يرغب في ذلك أو من يريد أن يسير به إلى نهايات لم يردها الجابري ولكنها تأتي الآن في وقتها باتجاه الدعوة إلى الإيديولوجيا الشرق أوسطية الصهيونية الأميركية الراهنة والقائمة على منظومة إيديولوجية إن لم تتماهَ مع متطلبات القطيعة الجابرية فإنها تشير إليها..