العدد العشرون - آذار 2007

الأزمـة الإيرانيـة-الأميركيـة ضربات أم حرب وقائية ؟!

علوان أمين الدين
السبت 10 آذار (مارس) 2007.
 

 توترت العلاقات الايرانية الاميركية منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979 خصوصاً بعد دخول الطلاب الى حرم السفارة الأميركية في طهران وإحتجاز الموظفين الدبلوماسيين فيها لمدة 444 يوماً . وربما رأت واشنطن في قيام الثورة مصلحة ما لكي توقف المد الشيوعي إلى المنطقة ولكن النتائج التي كانت تتوخاها جائت عكسية. وفي العام 1980، دفعت العراق الى حرب إستمرت لغاية العام 1988 أرهقت الثورة وكبلت تمددها المحتمل.

 شهدت العلاقات الايرانية - الغربية توترات إعلامية ودبلوماسية كبيرة، رغم الإنفتاح الجزئي الذي حدث بعد وصول الإصلاحيين إلى سدة الحكم من خلال الرئيس محمد خاتمي عام 1997، وعادت لتتفاقم مع وصول المحافظين مجدداً إلى الحكم مع الرئيس محمود أحمدي نجاد في آب 2005، خصوصاً بعد إعلان الرئيس عزمه على إزالة "إسرائيل" عن الوجود، و إعلان تسريعه بتخصيب اليورانيوم لإستعماله سلمياً في توليد الطاقة.

ولكي تخفف إيران من الضغوط عليها، قامت بالتوقيع على إتفاقية منع إنتشار الأسلحة النووية ولكنها لم توقع على البروتوكول الإضافي الذي يسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتفتيش المفاجئ على منشآتها النووية. لهذا، بادر الإتحاد الأوروبي إلى وضع عدد من الإقتراحات لحل الأزمة. 

 ولم تفتأ كل من الولايات المتحدة و "إسرائيل" الاعلان دوماً على تضخيم الخطر الايراني ووضع الخطط العسكرية لضرب المفاعلات النووية. وسربت الإدارتان الاميركية والاسرائيلية سيناريوهات محتملة لذلك مثل "مخطط عسكري أميركي متكامل في أيار 2003 لضرب مناطق آراك وناتانز وأصفهان وبوشهر التي تحتوي على مفاعلات، وتضمنت الخطة ضرب هذه القواعد عبر صواريخ تنطلق من العراق وجورجيـا وأذربيجان". وقد إتخذ قرار سري في مجلس النواب الأميركي بأغلبية ساحقة حيث أرسل إلى مجلس الشيوخ ليناقشه ويقره، وهو يأذن للرئيس بشن "حرب وقائية على إيران" من خلال تسديد ضربات عسكرية كعقاب لها على مشاريعها النووية.

 كما وضع جهاز الموساد خطة في شهر تشرين الأول عام 2003 يبحث في سبل التنفيذ بعد ظهور عدد من العقبات أهمها موافقة كل من الأردن والمملكة العربية السعودية على إختراق المقاتلات الحربية لأجوائها. ونشطت "إسرائيل" وحدة خاصة من الموساد "لإعداد صاروخ أوسيراك 2 لضرب مفاعلات نووية إيرانية على غرار أوسيراك 1 الذي ضرب المفاعلات العراقية عام 1981م. وجاء في التقرير أن السلاح النووي الإيراني سيكون أعظم تهديد في مواجهة إسرائيل".

 تعددت الآراء الاميركية حول معالجة الملف الايراني عسكرياً بين ضربات موضعية أو حرب شاملة، ولكن الضربات الموضعية تعتبر غير مجدية لأسباب كثيرة، أهمها:

1. "تشتيت المواقع النووية الإيرانية، مما يجعل إمكان نجاح الضربة متدنياً جداً"، حيث أن الإستراتيجية لدى طهران قامت على مثل هذا الإحتمال.

2. وقوع أكثر من الـ 200 ألف جندي أميركي تحت مرمى الصواريخ الإيرانية في منطقة الخليج وأفغانستان، الأمر الذي يجعل أفراد القوات الأميركية في هذه المناطق هدفاً سهلاً ويكبد واشنطن خسائر بشرية فادحة. كما أن إيران لن تستثني من الاستهداف "إسرائيل" حيث ستصبح الحرب في تلك اللحظة حرباً مفتوحة ودون قيود، الأمر الذي قد يدفع بفتح جبهتي الجولان السوري والجنوب اللبناني.

3. حدوث أزمة إقتصادية عالمية حيث سيتوقف تصدير النفط العربي والايراني عن طريق مضيق هرمز وستُمنع السفن من العبور مما سيرفع حتماً سعر برميل النفط إلى أسعار خيالية.

4. هروب رؤوس الأموال من تلك المنطقة حيث سيؤدي ذلك إلى وقوع أزمة مالية حقيقية. 

5. رغبة الإتحاد الأوروبي لحل الأزمة بالطرق الدبلوماسية.

6. قيام إيران بنشر "أنظمة دفاعية جوية متقدمة لحماية منشآتها النووية".

7. قيام روسيا بتشييد هذه المفاعلات وضربها من قِبل أي كان يعتبر ضربة غير مباشرة لموسكو.

 أمـا الحرب الشاملة فهي أكثر إستبعاداً ولكنها ليست مستحيلةً نظراً لما يلي:

1. إن الحرب الشاملة ستؤدي إلى سقوط النظام وتغيير التوجه المحافظ فيه، وهذا سيوقع الولايات المتحدة في مأزق كبير نظراً لوجود قومية عرقية ودينية متماسكة.

2. عدم الإستقرار السياسي والأمني في كل من أفغانستان والعراق، وعدم قدرة الولايات المتحدة على الدخول في غمار حرب جديدة ستكلفها أموالاً باهظة". هذا بالإضافة إلى التأثير الكبير لإيران على أفغانستان ومنطقة القوقاز من ناحية أولى، والداخل العراقي من جهة ثانية.

3. المعارضة الداخلية الشديدة في الولايات المتحدة ضد التدخل العسكري وبصورة وقائية ضد دول تعتبر الإدارة أنها تهدد أمن البلاد القومي، ولقد زادت هذه المعارضة بعد الفشل الإستخباراتي في أفغانستان بالقبض على بن لادن وفي العراق بعد الفشل في إيجاد أسلحة للدمار الشامل والخسائر البشرية التي لا زالت تَنْـزِل بقواتها.

4. عدم إستطاعة واشنطن من تشكيل حلف عسكري لضرب إيران مما يجعلها وحيدة في المواجهة فتزيد الضغوطات عليها، فـ "حتى بريطانيا الحليف الرئيسي لواشنطن في العراق أعرب رئيس وزرائها طوني بلير في شهر يناير (2005) الماضي عن رفض بلاده لأي عمل عسكري أميركي ضد إيران". بالإضافة إلى بريطانيا، أكدت ألمانيا وخلال الحملة الإنتخابية للمستشار السابق جيرهارد شرودر أنه يرفض العمل العسكري ضد طهران وهو ما أكدته المستشارة الألمانية الحالية أنجيلا ميركل مع ضرورة وقف طموحات إيران النووية. وهناك الموقف الفرنسي الرافض أيضاً لأي حل عسكري حيث ذكر رئيس الوزراء دومنيك دو فيلبان أن "شن ضربة عسكرية ضد إيران بسبب برنامجها النووي ليس الحل، داعياً في الوقت ذاته إلى الحزم في الملف النووي الإيراني".

5. مع أن الإيرانيين "غير واثقين من دعم روسيا والصين لموقف بلادهم على الصعيد الدولي داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو الأمم المتحدة، والوقوف في وجه الولايات المتحدة المتحاملة على إيران بخصوص برنامجها النووي"، إلا أن كل من الدولتين سوف تتبع مع واشنطن سياسة الممانعة الممكنة دون تعريض مصالحها للخطر أو الدخول في مواجهة معها. هذا الموقف قد يساعد على وقف -نوعاً ما- سعي الولايات المتحدة للقيام بالحرب مع أن روسيا قد رجَّحت قيام ضربة عسكرية ضد طهران.

6. سعي الإدارة الأميركية لحل الأزمة بالطرق الدبلوماسية قدر الإمكان حيث قال الرئيس بوش "أعتقد أنه من المهم للغاية حل هذه المسألة دبلوماسياً وقراري اليوم هو أن الولايات المتحدة ستلعب دوراً إيجابياً في حل هذه المسألة ... إن رسالتنا للإيرانيين هي أولاً: لن تحصلوا على سلاح. ثانياً: يجب أن تعلِّقوا أية برامج بشكل يمكن التحقق منه، وعند ذلك سنحضر إلى طاولة المفاوضات للعمل على إيجاد طريق للأمام".

7. "أفادت دوائر إعلامية وإستخباراتية غربية أن (هاشمي) رفسنجاني يجري إتصالات سرية مع الأميركيين بإشراف وتوجيه من المرشد العام علي خامنئي، وكان الجانبان الإيراني والأميركي يدشنان خطاً ساخناً سرياً هدفه الحيلولة دون تجاوز لهجة التهديد وتبادل الإتهامات الحد المسموح، والإبقاء على قناة للحوار والتفاهم يمكنها مواصلة التفاهم وتدشين التقارب في حالة ما إذا تجاوز الطرفان مرحلة التأزم في العلاقات".

8. إعداد إيران لبعض الأسلحة الفعَّالة من أجل تدمير كل التسهيلات الرئيسية في منطقة الخليج.

  والولايات المتحدة مضطرة إلى عدم خوض حرب جديدة مع إيران في الوقت الحالي بسبب إنغماسها في الأراضي الأفغانية والعراقية، وهو ما تقوم طهران بإستغلاله بأقصى طاقتها. ولكن واشنطن لا تزال تحاول إيجاد حلٍ عسكري مع إيران محاولةً زج مجلس الأمن عبر خلال الوكالة الدولية للطاقة الذرية بحيث يقوم بإتخاذ قرار ضدها يبرر التدخل الدولي فتلقي عنها كاهل المسؤولية وتضعها بتصرف المجتمع الدولي. ولكن هذه الطريق قد تكون مسدودة بالفيتو الروسي أو الصيني، فلا يبقى أمامها سوى تشكيل تحالف دولي واسع للقيام بالعملية. ولكن البعض يرى أن أحداثاً على غرار 11/9 في الولايات المتحدة وإتهام طهران بها قد يؤدي إلى تشكيل مثل هذا التحالف وقيام الحرب مع وضع خطة إنسحاب تكتيكية للجنود من منطقة الخليج قبل بدء الضربات.

 

علوان أمين الدين

باحث في العلاقات القانونية والدولية