العدد العشرون - آذار 2007

الأمة بين السياسة والدين

نذير الحموي
السبت 10 آذار (مارس) 2007.
 

في رد على رد عبد الوهاب المصري

جاءنا من الكاتب السوري نذير حموي الآتي:

قرأنا مقالة الأستاذ الكريم عبد الوهاب المصري رداً على مقال كنّا قد سطرناه لمجلتكم الغرّاء، وبعد اطلاعنا على ما ورد فيها نقول للأستاذ الكريم:

سررنا لاهتمامكم بموضوع يعنى بشؤون الناس عامة وسعيكم لحملهم على المحجة الصحيحة حسبما ترونه. ونحمل لكم منة في عنقنا لبلوغ اهتمامكم إحصاء كلماتنا ونعتذر عن عدم مبادلتكم ذلك.

وارتأينا أن نرد بلطف سريع على ملاحظاتكم لنعود إلى موضوعنا الأصل حتى لا يفوتنا الاستئناس برأيكم والاطلاع على حججكم اتفقنا معها أم اختلفنا طالما نحن متفقان على مصلحة الأمة والوطن حسب ظني وقراءتي لما كتبتم ومع اختلافنا في تحديد معنى الأمة فهو بنظرنا لا يلغي اتفاقنا في مصلحتها.

1 ـ أما ملاحظتكم حول عدم ذكر الصفحات والأجزاء فحقكم كباحثين لكم ولعكم في التوثيق، وسنحاول أن لا نسقط هذا الأمر قدر المستطاع.

2 ـ أما موضوع التعريف فقد حمل على غير قصده ولو عدت إلى أساس القول لوجدت أن الخلاف كان على تعريف الإسلام وقد قلت إننا نتصل ولا ننفصل في ذلك المعنى وما سقناه حول ذلك هو من باب عدم الدخول في ماهية هذه التعريفات والغوص في فروعها ما يبعدنا عن الموضوع المراد عينه حيث موضوعنا فصل الدين عن الدولة تحديداً ونرى أن التحديد شرط أساسي للوضوح ولم تكن دعوتي إلا من باب عدم الدخول في تفصيلات قد لا تخدم موضوعنا أما الأسس التي لا غنى عنها فهي واجبة لكل حوار عقلي.

ولا زلت بالطبع عند رأي أن الواقع المعاش هو الأساس فكم من التعريفات والمدلولات والنظريات تغيّرت وتبدّلت مع العصور لتباينها مع الواقع، والواقع إما أن يثبت صحة أو سقوطها في جنبات التاريخ سقط الكثير من الأقوال والتنظيرات التي كانت تعتبر من الأزليات، حتى نظريات في الطب والهندسة والرياضيات سقطت لتحل محلها أخرى ثبتت للتجربة والواقع.

2 ـ قبل الدخول في الحوار نورد ملاحظة على عموم مقالتكم حيث القارئ يظن بالإيحاء أننا نقف ضد الدين ونحيطكم علماً أننا مع الدين حكماً بقيمه وأخلاقياته معتمدين على النص الأساس من قرآن وحديث ورأينا أن الخلاف مع مستغلي الدين والذين وضعوه في غير موضعه لذلك لن نعير كثير اهتمام لما قرروه أو حددوه خصوصاً إذا وجدنا ضالتنا في القرآن والحديث مستأنسين بالتجربة التي دامت ثلاثة عشر قرناً حتى عندما يضعونه تحت عناوين /نظرة جديدة ـ رؤية جديدة ـ حديثة أو متطورة/ فما خالف الأساس الفكري لا تنفع معه عمليات التجميل ويصح القول عنه إنه فكر جديد ومحاولة للدخول من الشباك بعد إغلاق الباب فعلى سبيل المثال رأينا أنه بعد إقفال أبواب أمتنا في وجه الماركسية جاءت الاشتراكية لتدخل من النوافذ فتاهت بين اشتراكيتها والرأسمالية فلم يعد لها وجه تعرف به.

3 ـ فيما أفردتم له صفحات وصنفتم من أقوال أساتذة في مجال الدولة الدينية، وخلصتم إلى أن الدولة الإسلامية دولة مدنية فلماذا كل هذا الضجيج إذاً لمجرد القول بفصل الدين عن الدولة وطالما رأيتم أن السلطة السياسية التي هي اختصاص /السيطرة/ في المجتمع ليس بالضرورة أن تكون دينية ويكفي أن يكون التشريع إسلامياً.

إذا، ففي كل دول العالم الإسلامي هناك حكم إسلامي وحتى الذين يقيمون تحت سيطرة حكومات غربية طالما أنهم يجرون حياتهم اليومية من مأكل وملبس وزواج وإرث على الطريقة الإسلامية وبذلك لا نجد داعي للانتفاض على الحكومات ودخول المعترك السياسي باللحى والعمائم طالما الأمر يقتصر على العقود والمواثيق الشعبية وبذلك ننزه الدين عن الوقوع في حبائل السياسة.

3 ـ الدولة الإسلامية دولة مدنية:

خلصتم للقول بأن الدولة الإسلامية دولة مدنية وهذا يعني تناقض صارخ مع ما ورد في الصفحات السابقة وتأكيد لما أوردناه من أن الدولة الإسلامية دولة ثيوقراطية مذهبية طائفية. أثبتم ذلك في معرض إحصائكم وعدتم للقول الدولة الإسلامية السنية وحيث الدولة المدنية لا تعترف بهذه التقسيمات القائمة على أساس مذهبي أو عرقي لأبناء المجتمع الواحد أما وقد فصلتم فلم يعد هناك إلا دولة أكثرية تجمعها وحدة فكرية وذهبتم لأبعد من حدود البلاد لتدعموا قولكم بأكثرية عالمية. حيث لا يجوز أن يكون رأس الدولة إلا سنياً إلا من باب الضرورات النادرة الحدوث.

والمستفاد من معرض حديثكم بأن الشيعة /قلة قليلة والنادر لا حكم له عند العلماء/ يعيدنا إلى المربع الأول. ونسأل: هل حقاً الدولة الإسلامية مدنية؟

إذا كان تصنيف البشر سواداً ونادراً هو من اختصاص علماء الدين فإن السلطة السياسية التي قلتم عنها /السيطرة/ مسيطر عليها من رجال الدين.

ومع احترامنا لجهدكم المبذول في البحث والتصنيف لأقوال العلماء واجتهاداتهم فلماذا لا نذهب سوياً إلى الأساس الفكري للإسلام وحسبنا كتاب الله وحديث رسول الله والمأثور من التجربة سالفة الذكر حيث لا سنة ولا شيعة.

نورد ثلاث آيات توخياً لعدم الإطالة ونناقش الأمر بعد ذلك:

يقول تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) النساء 59.

ويقول: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) المائدة 55.

ويقول: (ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً) الأحزاب 36.

في الآيات الكريمة يذكر الله طاعته مقرونة بطاعة الرسول وطاعة أولي الأمر ويقطع الشك باليقين بأن هذا اختيار الله فالاجتهاد مقطوع والالتزام واجب فأين نذهب بما قرره الناس وحددوه ممن نقلت عنهم؟

فإذا كانت الولاية دينية فقط فلا يحق لأحد الاعتراض ولا شأن للسياسة بالدين وكل من اجتهد لدمج السياسة بالدين مخالف لآيات القرآن ومن حيث الآيات لا يجوز التفريق بين المسلمين فلكلٍّ وليّه الذي يرتضيه، أما إذا كانت الولاية زمنية فالأمر مختلف ويبطل الاجتهاد والتأويل. وولاة الأمر بالله والرسول اقترنوا وطاعتهم واجبة لازمة كطاعة الله ورسوله والحاكم يستمد سلطانه من الله ورسوله وعلى المؤمنين الرضا بما اختاره الله وليس لهم الخيرة. والحكم نيابة عن الله ورسوله وهذا مطابق لقول الشيعة الذين لا يؤخذ برأيهم حسب رأيكم الكريم.

4 ـ أما مسألة المرجعية الإسلامية وضرورتها فلنا فيه رأي أيضاً. الأمة لا يعيشها دين أو فكر بل تعينها دورة حياتها الاجتماعية الاقتصادية الواحدة المتكاملة القائمة على وحدة جغرافية طبيعية أوجدها الله منفصلة عن غيرها بحدود حباها الله بها من بحار وغيرها تطبع الناس بسماتها حيث يأخذون منها إمكانية استمرارهم وتطوّرهم ويعطونها إبداعاً وطرائق حياة لتصنع شخصية الأمة التي يحملها أفرادها فيتميزون عن غيرهم من الأمم.

أما الأفكار وأعظمها الدين فهي تغني الحياة البشرية وتزيدها زخماً والأمة بمدلولها العلمي المدعوم بعلوم الجغرافيا والتاريخ والفلسفة الاجتماعية فهي تختار دينها ولا يختارها الدين شأنه شأن اللغة فاللغة تسمى باسم الأمة وليس العكس والدين واللغة من مقومات الأمة وليسا عامل نشوء وتركيب لها.

وكم من الأمم بدّلت لغتها ودينها عبر عصور الزمن وتحت ظروف مختلفة وما أوردتموه من ذكر الآية يفيد الحالة الروحية الدينية البحت (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) ولا ذكر فيها لسلطة أو دولة أو حكومة حيث ذكر الدين ثلاث مرات.

أما فيما عرضتم من الأسباب فلا بأس من الوقوف عليه:

ـ الإسلام أوجد نوعاً من الدولة هي أشبه بقبيلة كبيرة تتمشى والعقلية العربية في الجزيرة وهذا صحيح وقاعدتها الإيديولوجية دينية لأن العرب لجلافتهم وصلفهم وقربهم من التوحش (وهذا الوصف لابن خلدون) فهم أقرب للانصياع إلى القوة الخفية التي لا يستطيعون حيالها إلا الإستسلام فكانت الوسيلة لحملهم على الانضباط بعد محاولته ثلاثة عشر سنة بالحكمة والموعظة الحسنة لكن لم يفد ذلك معهم شيء.

فكان لابد من القوة مع الحكمة والموعظة الحسنة ليستطيع حملهم على الانضواء تحت راية الإسلام. لكن انفرط عقد هذه الوحدة مع انتقال المبلغ صاحب الرسالة إلى جوار ربّه وعاد العرب إلى سابق عهدهم مباشرة والتاريخ يشهد.

ولكن يستفاد حسب رأينا أن الدولة التي أسسها النبي كانت نتيجة لتجربة طويلة وليست هي هدف الدعوة الإسلامية.

ـ أما أن الإسلام اختص بأنه عامل مقاومة دون غيره فلا نتفق مع من نقلتم عنه فالانتفاضات التي حدثت في البلدان الإسلامية بعضها إسلامي وبعضها اشتراكي وبعضها ماركسي وبعضها قومي وبعضها مشبوه ومرتبط وهذا مسجل تاريخياً من مصر إلى الباكستان ويمكنكم مراجعة هذا التاريخ مع بداية القرن العشرين حتى نهايته.

أما قرار الدكتور الجابري مع الاحترام لآرائه وآراء الآخرين الوارد ذكرهم فلسنا معه بالمطلق فخلال القرن الماضي وحتى يومنا نرى دعاة الإسلام يتخذون من ديار الغرب موطناً لهم ونرى ولاة أمور المسلمين يتدافعون لتأمين مصالح الغرب على حساب شعوبهم اقتصادياً وثقافياً والتعبئة الوحيدة باتجاه الطائفية التفريقية إلا من رحم ربي وحسبنا موقف كبرى الدول الإسلامية في المنطقة من حزب الله في حربه الأخيرة ولا ننسى الغرب ورعايته نشوء الحركات الإسلامية وكفاك بالإخوان المسلمين والقاعدة وليدة الأمريكان.

ـ الإسلام عامل تقدّم ونهضة نتفق ونختلف مع الدكتور الأنصاري أن الإسلام أخذ على عاتقه نقل العرب من البداوة إلى التمدّن ونختلف مع الأستاذ عادل حسين فنحن نملك الإسلام فلماذا ذهبت عنا هذه الحضارة وكيف يكون امتلاكها وهل الشعوب المتحضرة تملك عقيدة الإسلام حتى تمدنت وتحضرت وتركتنا وراءها. فالنهضة لها أسس ومناهج ترتكز على علوم وتطبيقات والكلام في العموم لا يفيد.

ـ الإسلام عامل تفوّق، ورؤية الدكتور شاوي غير دقيقة وينفيها التاريخ فالنظم الديمقراطية المعاصرة استندت إلى القانون الروماني وطوّرت وأطّرت حسب حاجة الشعور وهذا القانون استند إلى قوانين اليونان المستقاة من قانون حمورابي في عدة فصول والذي استقاه من تشريعات حاكم لغش الذي ثار على أول دولة دينية في تاريخ البشرية والمستمد من دولة المدينة البرية والبحرية في البلاد السورية السابقة للمسيح بآلاف السنين حيث انتخب الملوك وانتخب مجلس /104/ وحيث الشرائع مستمدة من الآلهة ولا يملك أحد حق تغييرها أما القول حول سيادة الشريعة وعدم ملكية التغيير والتعطيل فلا يثبت لحوادث التاريخ الإسلامي.

وذكر الامام الحافظ السيوطي في "تاريخ الخلفاء" في نفس الكتاب ص/267/: في كتاب الأوائل للعسكري كان ابن هرمة شديد الرغبة في الخمر فدخل على المنصور فأنشده:

له لحظات من خفا في سريره

 

 

إذا كرها فيها عقاب ونائل

 

وأم الذين أمنت آمنة الردى

 

 

وأم الذي حاولت بالثكل ثاكل

 

فأعجب به المنصور وقال: ما حاجتك؟ قال: تكتب إلى عاملك بالمدينة أن لا يجلدني إذا وجدني سكران. فقال: لا أعطّل حداً من حدود الله. قال: تحتال لي. فكتب إلى عامله من أتاك بابن هرمة سكرانا" فاجلده مائة جلدة واجلد ابن هرمة ثمانين.

أما القول إن الإسلام حسم الموضوع وأعطى للمبادئ العليا قداسة وخلودا" وثباتا" فهذا الكلام خطابي لا يستفاد منه والواقع المعاش يناقضه وإلا لماذا ذهبت حضارة الإسلام واندثرت ولا ننسى تعرّض التشريعات الإسلامية ومبادئها للتحريف والتحوير والتعطيل كما بيّنا ومن الخلفاء أنفسهم ووافقهم أهل القضاء والفقه.

وأما القول عن الذين يسطون على الحكم في الظلام، فقد ذكر أبي يعلى الغراء الحنبلي حيث يقول: أما ما قالوا: من غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً براً كان أو فاجراً.

وحسبنا بفعل هؤلاء من تعطيل للشورى وضرباً بكل الأسس التي تقوم عليها الدولة أما سيادة الأمة على سيادة الشعب فقد ثبت بطلانه بالتجربة وأسقطته إرادة الشعوب، ومبدأ الجامعة الفكرية تشكل رافداً أخلاقياً للحضارة الإنسانية ولا يشكل عامل نشوء وتخصيص لأمة وانفراد عقد الشعوب التي وحدت بالقوة تحت فكرة واحدة خير دليل بدءاً من دولة الكنيسة إلى دولة الإسلام وصولاً إلى الاتحاد السوفييتي ذلك أن لكل أمة مصالحها والعالم الإسلامي أمم متعددة متضاربة المصالح شاء من شاء هذا هو الواقع والأمة تتكوّن من شعب واحد لا من شعوب ومتى جاز أن تكون من شعوب متعددة فهي أقرب للتفكك والانحلال وهذا رأي ابن خلدون في مقدمته.

ولهذا ينتفي أن يكون اليهود أمة لانحدارهم من شعوب متعددة ولا المسيحيين أمة لأنهم من شعوب عدة وهذا ينطبق على المسلمين.

وهنا نسجّل ملاحظة طريفة حول قول الدكتور (شاوي) بمطابقته مع الدكتور (مراد هوفمان) فحسب رأيهما يجب أن تكون دولة إسلامية سنية في إيران على غرار ما كانت عليه أيام الشام ولا يجب الأخذ بإرادة الشعب الإيراني والسبب أن غالبية المسلمين سنّة في العالم ليكتمل عقد الأمة ودستورها وقانونها حيث عموم الإسلام سنة ولهم وحدهم حق إقامة الدولة والبقية الباقية عليها العيش في الظل حتى إذا كان سنة إيران يشكلون 15% من عمومها.

ـ أما فصل السلطات وما نسج حوله من إنشاء فغير مفيد وكل الخلفاء لعبوا كما شاءت لهم أهواءهم في إصدار الأحكام والقوانين ولا يتسع المجال للبحث والتسجيل وقد أسلفنا شيئاً منه.

5 ـ في مبادئ الحكم في الإسلام لا نرى بأساً فيها لكن نقول إن الكلام والتنظير جميل ومع ذلك نصر على مطابقته للواقع والتجارب سابقها ولاحقها تثبت عكسها وكفانا أن غالبية الحركات الإسلامية تعهد إلى التفريق فدعوتهم دعوى تفريقية على أسس مذهبية تصل إلى إراقة الدماء وهذا ما يجري في العراق والجزائر وغيرها.

6 ـ في الطاعة والخروج:

نحترم آراء من نقلت عنهم ونعود لنذكركم بالآيات /59/ من سورة النساء و/55/ من المائدة ونضيف الأحاديث والأحداث التالية:

روى الإمام مسلم 6/20 ـ 22/ كتاب الإمارة باب الأمر بلزوم الجماعة عن حذيفة قال: قال رسول الله: (يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان أنس. قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع.

وروى عن ابن عباس أن رسول الله قال:

من رأى من إمامه شيء يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات مات ميتة جاهلية.

ويقول الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم، باب لزوم الطاعة في غير معصية 2/12/229، وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك بل يجب وعظه وتخويفه للأحاديث الواردة في ذلك.

وقال كذلك: أما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته وأجمع أهل السنة أن لا ينعزل السلطان بالفسق.

ذكر الإمام الحافظ السيوطي /220/: لو لم يكن من مساوئ عبد الملك إلا الحجاج وتوليته إياه على المسلمين وعلى الصحابة رضي الله عنهم يهينهم ويذلّهم قتلاً وضرباً وشتماً وحبساً وقد قتل من الصحابة وأكابر التابعين ما لا يحصى فضلاً عن غيرهم وختم على عنق أنس وغيره ختماً يريد بذلك ذلّهم فلا رحمه الله ولا عفا عنه.

وذكر في 250 ـ 251 أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أراد الحج ليشرب الخمر فوق ظهر الكعبة.

وعند موته ذكر على لسان سليمان أخوه قال: بعداً له أشهد أنه كان شروباً للخمر ماجناً فاسقاً ولقد راودني على نفسي.

 

فهل يجوز الخروج بعد ذلك على الخليفة إلا معصية لله ورسوله.

7 ـ في ما ذكرتموه عن أهل الذمة وعلم أن الله ورسوله لم يبخسوا هؤلاء حقهم وأمنوهم في ديارهم وعيالهم ومالهم لكن خلافنا في التطبيق ما بعد الرسول وما عدا بعض الخلفاء المنصفين أما ما ذكره (آدم ميتز) فغير دقيق.

فقد أورد الإمام الحافظ السيوطي /379 ـ 414/: حيث أول خلفاء القرن الرابع المقتدر بالله أبو الفضل وقد أمر عدم استخدام اليهود والنصارى.

8 ـ فيما سميتموه ردّ على الشبهات:

هل ترى يا أستاذنا أن المسلمين بتقليدهم الرومان أو غيرهم على حق فأين إنسانية الإنسان وأين كلكم لآدم وآدم من تراب؟ ومع ذلك نورد على لسان أبو يوسف فقيه الحنفية قوله: (يجب) وأين هذه ال"يجب" من قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وهذه اليجب تنفي الرحمة والتسامح والإشراق.

9 ـ في الإجابة على الأسئلة:

ـ في السؤال الأول نرى التفافاً على السؤال فالوسطية التي يمثلها الشيخ القرضاوي لم تمنعه من تحذير أهل السنّة من الانجرار وراء حزب الله وكادت أو حدثت فتنة وانشقاق في صفوف مسلمي مصر نتيجة تصريحاته، وأيضاً بما أن السلطات تابعة للتشريع فلكل تشريعاته المستندة إلى صاحب اجتهاد.

ـ السؤال الثاني ينطبق عليه ما ينطبق على الرأي السابق وما يجري في العراق دليل على توجه الإسلاميين لمن يخالفهم المذهب.

ـ الجواب الثالث نقول فيه ما قلنا آنفاً حول أهل الذمة لا نبخس القرآن والنبي ولا نطعن بالقول والفعل لكن الحوادث أثبتت أن القائمين بالأمر وضعوا الأمور في غير نصابها ولا ضمان لهم اليوم.

ـ الجواب الرابع غير واضح وحوادث التاريخ تثبت.

الجواب الخامس: قد بيّنا في مقالنا السابق موقف الدول الإسلامية من الجمهورية الإسلامية في إيران واندفاع أهل الفتوى للإفتاء بجواز قتالهم وأخيراً فتوى المملكة بعدم جواز التعاون مع حزب الله في حربه ضد إسرائيل. عدا عن الصراع في القرن التاسع عشر بين العثمانيين السنة والصفويين الشيعة.

أما موضوع المصالح فإننا نرى أن المصالح القومية في الأساس وهذا واضح في منطقتنا، فالعراق دولة إسلامية ودول الخليج دول إسلامية وعلى رأسها المملكة وجميعهم اتفقوا على جلب الأمريكان ومساعدتهم لخراب العراق تمشياً مع مصالحهم ضاربين عرض الحائط بكل جامعة دينية رغم وحدة مذهبهم وبين هذه الدول وإيران تجري الأمور على مبدأ المصلحة والنزاع بين اليمن والسعودية على الحدود وبين قطر والسعودية وبين تركيا والعراق على تقاسم المياه وسابقاً مع سورية وبين الأكراد والعرب والأتراك والفرس وكلهم مسلمون إن الصراع بين الأمم صراع مصالح وحسب.

ـ الجواب السادس: نرى جوابكم في بداية مقالتكم، وليس في الجواب الخامس.

ـ الجواب السابع: نرى من جوابكم أن المخالفين لمذهب السنة والجماعة لا يعترف بدولتهم لأنهم خارجين عن عموم الأمة ويمكن قتالهم ومحاربتهم باسم الدين والشرع في أي لحظة.

ـ الجواب الثامن: هنا نراكم تصطفون مع من كنتم تنتقضون وتصنفون أنفسكم مع المبدأ الأمريكي للأكثرية والأقلية.

10 ـ من تحديد جنسية أبو حنيفة وشكراً للتصحيح نريد الفصل بين الشخصية الدينية والقومية. لأني وجدتها مختلطة في أحاديث الناس حتى اعتبر شكسبير عربياً فضلاً عن غيره من علماء المسلمين هذا أولاً وثانياً لحظة الكاتب محمد الطاهر النيفر في كتابه "أهم الفرق الإسلامية" /71/ من فعل المجوس وكيدهم المكائد لإسقاط جذوة العرب خاصة بعد أن اجتمع لدينا ما بنينا عليه فقد أخرج الخطيب في ترجمته أبي حنيفة من الجزء /13/ السطر الأول من صفحة /381/ خرج بالإسناد إلى سفيان الثوري بن سعيد قال: سمعت حماد بن أبي سليمان يقول: أبلغوا أبا حنيفة المشرك أني من دينه بريء إلى أن يتوب.

وفي صفحة /384/ الجزء /13/: أخرج بالإسناد إلى أبي بكر محمد بن عبد الله ابن صالح الأسدي الفقيه المالكي، قال: سمعت أبي بكر بن أبي داود السجستاني يوماً يقول لأصحابه ما تقولون في مسألة اتفق عليها مالك وأصحابه والشافعي وأصحابه والأوزاعي وأصحابه والحسن بن صالح وأصحابه وسفيان الثوري وأصحابه وأحمد بن حنبل وأصحابه. فقالوا: يا أبا بكر لا تكون مسألة أصح من هذا فقال: هؤلاء كلهم اتفقوا على تضليل أبي حنيفة.

وأخرج في الجزء المذكور /396/: عن الإمام مالك بن أنس قال: ما ولد في الإسلام مولود أضر على أهل الإسلام من أبي حنيفة. وأخرج عنه أيضاً في نفس الصفحة: قال كانت فتنة أبي حنيفة أضر على هذه الأمة من فتنة ابليس...

وفي نفس الصفحة: عن عبد الرحمن بن مهدي قال: ما أعلم في الإسلام فتنة بعد فتنة الدجال أعظم من رأي أبي حنيفة.

وفي الصفحة 398: أخرج عن سليمان بن حسان الحلبي قال: سمعت من الأوزاعي ما لا أحصيه يقول: عمد أبو حنيفة إلى عرى الإسلام فنقضها عروة عروة.

وأخرج عن أبي صالح الغراء /390/ قال: سمعت يوسف بن اسباط يقول: رد أبو حنيفة على رسول الله أربعمئة حديث أو أكثر.

وأخرج الخطيب عن أبي اسحاق الفزاري /387/ قال: كنت آتي أبي حنيفة أسأله عن الشيء في أمر الغزو فسألته عن مسألة فأجاب فيها فقلت له: إنه يروى فيها عن النبي كذا وكذا. قال: دعنا من هذا. قال وسألته يوماً آخر عن مسألة فأجاب فيها فقلت له إنه يروى فيها عن النبي كذا وكذا فقال: حك هذا بذنب خنزيرة.

ـ الأتراك:

إنهم اغتصبوا السلطة في ظلام الليل وخرجوا على الخليفة وهذا خلاف لفتاوى فقهاء المسلمين. وحديث النبي الوارد في تاريخ الخلفاء /24/ كما أخرج الطبراني بسند جيد عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتركوا الترك وما تركوكم فإن أول من يسلب أمتي ملكهم وما خوّلهم الله بنو قنطوراء). فهذا تحذير من النبي وكفاك ما فعلوه في صفحات التاريخ من الإنكشارية إلى المجاعة.

ـ الطالبان: قلت حدثنا القادمون والفضائيات عرضت الكثير من الشهادات عبر برامج وثائقية فراجعها إن شئت أما توطيدها الأمن فليس بدليل على سلامتها وصوابيتها فلو أن عصابة سطت على إقليم ما لوطدت فيه الأمن لصالح مصالحها. ولم تتوقف أعمال العصابات وحربها يوماً باستثناء كابول وبيشاور لتواجدهم الكثيف فيها وما سواها فغير صحيح أما حجتنا فهي إثبات أن الدين لا يستقيم مع السياسة. وأرى باحثنا يدافع عن هؤلاء التكفيريين حيث اعتبرهم قبل صفحات مخالفين ولا يمثلون شرع الله.

ـ نقول أخيراً في تعليق عام إن عدو أمتنا وأرضنا يذهب إلى تفتيت صفوف الأمة وإقناع العالم بأن الصراع ديني ليسهل عليه افتراسنا فئة بعد الأخرى وجماعة بعد الأخرى. وكل دعوة تفريقية على أساس مذهبي تعني خدمة للعدو اليهودي بشكل غير مباشر خاصة أن الدعوة المحمدية دعوة جمعت ويصر ممتهني الدين على تفتيت الأمة على أساس مذهبي فويل لهم لأن التاريخ لن يرحمهم. ولنعمل على توحيد صفوف الأمة وبيان أن كل دعوة تفريق تزيد في بلاء هذه الأمة التي أضاعت هويتها فتاهت بين جذبات التاريخ تتنازعها انتماءات عدة دينية متعددة وأخرى قومية واهمة وليتعهد الجميع الله في أمر هذه الأمة وليعملوا على توحيد صفوفها تحت هوية واحدة جامعة لمصالحها محققة لمستقبلها ولنفهم الناس أن اقتتالنا على السماء أفقدنا الأرض وأننا جميعاً مسلمون لله رب العالمين منا من أسلم بالإنجيل ومنا من أسلم بالقرآن ومنا من أسلم بالحكمة ولا عدو لنا في ديننا وأرضنا إلا اليهود. عندما نصل إلى هذه الحقيقة لا يعود يفرّقنا دين أو مذهب وتقف الأمة بصفوفها في وجه كل دعوة تفريقية لأنها تكون قد عرفت طريقها إلى النهوض والوقوف في الصف الأول للتاريخ وليرحم الله الإمام الكواكبي، فقد عمل لمثل هذا قبل أكثر من مئة عام.

 

نذير الحموي