العدد العشرون - آذار 2007

من التفسير إلى المقاربة في "السوبر أصولية" لحسن عجمي

محمد خريف
السبت 10 آذار (مارس) 2007.
 

 يأتي كتاب "السوبر أصوليّة" لحسن عجمي مقاربا ً بين مفاهيم الحجاج الإسلاميّ من ناحية و مفاهيم ذلك الحجاج و"مفهوم الإسلام ذاته" من ناحية ثانية آخذا ً بأسباب المباشرة اللغوية مظاهر ترصّد المفيد والعلم بكيفيّات التناول العلميّ وفق منهج مترقّ . والبحث في المسألة قد لا يخلو من مجازفة أو مغامرة تجعل البحث خارجا ً عن سرب الباحثين الخائرين أمام عولمة الحجاج الصّائب خبره سياسيا ً فيكون بمثابة الكلام عن المحرّم الذي يصيّر اليوم البحث في الأصولية باعتبارها موضوعا ً مسكوتا ً عنه من المسائل المحرجة إن لم نقل من المنبوذة التي قد لا يؤمن جانبها . ولعلّ تناول حسن عجمي مسألة الأصولية متوسّلا ًبما يصطلح عليه "بالسّوبر أصولية" على غرار التوسّل بـ"السوبر حداثة"و "السّوبر مستقبليّة" تشفع بقرائن علميّة منهجيّة فائقة تشهد له بتحدّي السائد من المباحث المتولدة عن النصّ القرآني فينتهي بموضوعيّة الباحث المستقبلي - وإن لم تخنه ذاتيّة لحظات الظرف المتحمّسة في إعلان التبني الايمانيّ في البسملة - إلى أنّ السّوبرمستقبلية ليست سوى امتداد للسّوبرأصولية وعوضا ً أن يرفض التفكير الأصوليّ أو يقصيه كما يفعل البحث العلميّ الرسميّ السّائر في ركاب القائم سياسيا ً و إقتصاديا ً و تكنولوجيا ً نرى حسن عجمي يحاول فهم ظاهرة الأصولية متسلحا ً ممّا أفاد من علوم الأفكار الممكنة منطلقا ً من ثوابت تقوم مبادئ لبحوثه في كتبه الثلاثة " السّوبرحداثة" و "السوبرمستقبليّة" و"السّوبرأصولية". من بين هذه المبادئ الإنطلاق من مصادرة مفادها أنّ الإنسان باعتباره منشأة ثقافيّة إفرادا ً وجمعا ً صانع تراثه لا العكس لذا يقول في مقدمة كتابه هذا "نحن من نصنع التراث  فالتراث غير موجود بشكل مستقلّ عنا بل يعتمد على وجودنا لذا لا يخلقنا بل نحن نخلقه باستمرار من خلال دراسته "(ص 7 ). هكذا يخيّب هذا التعبير أفق انتظارنا المتلبّس بشارة البسملة الواردة في الكتاب على طريقة مفكري التراث الإسلامي - ولم يعد معمولا ً به في النصف الثاني من القرن العشرين على الأقلّ بدعوى التجرّد رغبة في توجيه البحث توجيها ً علميا ً بل علمانيّا ً و إن كانت مراسم الغلاف في الكتب تخضع لمنظومة الترويج و التسويق أحيانا ً في إخراج قد لا يعبّر عن رأي المؤلف و إنما هو أمرٌ قد تفرضه أغراض الجانب التجاري ودواعي تسويقه وفي المسألة نظر.

 

 و ممّا يزيل وهم الإنطلاق من اللاهوتي أو النزوع إليه ما يتميّز به البحث من مقاربات وردت في فصول الكتاب الأربعة التي كانت مجرّدة أو هي متحرّرة كما بدا لي - الآن هنا - من أثر النحلة أو العقيدة أو المذهب أو حتى مغازلة التيار الأصولي باعتباره رسول سلام أو منقذ أمّة أو حتى حافظ ما قد يتبقى من ماء الوجه عند البعض و شبح إرهاب عند البعض الآخر. لذا كان البحث في محاورة التراث الفكري العربي الإسلامي و مقاربته وفق منظومة التحليل المستقبلي في علم الأفكار الممكنة.

 

 و تقوم مقاصد كتاب "السّوبرأصولية" على خلاف مقاصد الفقهاء من المفسّرين و أصحاب الجدل متماهية مباحثهم مع مقاصد الشريعة التي لا تخرج عن مقاصد الأديان ألا وهي تفسير الكون و الحجاج على علل خلقه بتدبير إلهيّ مسبق خارج عن مشيئة الإنسان و تمثلاته الميتافيزيقيّة كما تقوم على غير مقاصد الحداثة وتمثلاتها. فالسّوبرأصوليّة كما يعرّفها حسن عجمي؛ هي الإتجاه الذي يحاول الخروج من الأصوليّة و الحداثة." بينما الأصوليّة تقول إنّ الدّين صادق في المطلق و ثابت و من الممكن تأصيل المعتقدات الدينيّة و البرهنة على صدقها، تعتبر الحداثة أنّ الدّين غير مطلق و غير ثابت بل تقول إنّ كلّ شيء في الدّين متغيّر. هنا تأتي السّوبر أصوليّة لتؤكد على إمكانيّة اتجاه آخر يجمع بين الإتجاهين الأصوليّ و الحداثيّ و يتخطاهما "(ص 11).

 فمقصد الفقيه أو الداعية إن كان سبيله سبيل الإمام المرشد أو النبيّ المرسل وكذلك مقصد الحداثيّ المتمرّد على أصول الدّين إن كان سبيله سبيل الزّنديق أو الملحد فإنّ الباحث السّوبرأصولي غير ذلك؛ " بالنسبة إلى السّوبراصوليّة الدّين سوف يتشكل في المستقبل أو سوف يتجلى في المستقبل"(ص 11).المستقبل مشغل هذا الكتاب مقدّمة و مباحث وخاتمة. من طرافته وجاهة ترصّد خبر التفكير الأصوليّ في التراث العربيّ الإسلامي في مختلف تشكلاته اللغويّة من مجاز وأقوال تحليليّة دون مفاضلة بين إبن رشد و إبن تيميّة أو الغزالي و إبن عربي و غيرهم كإبن خلدون أو الشّيرازي أو إبن سينا أو المعرّي." وبما أنّ نظريّة المعرّي في جعل السّياق يحدّد المعاني أوصلته لرفض الفيض وما يتضمّنه، فمن المتوقع من الذين يرفضون اعتبار السياق هو الذي يحدّد المعنى و الذين يعتبرون أن المعنى هو المعقول أو ما تدركه النفس كالفارابي و ابن سينا أنّ يصلا إلى قبول الفيض وما يتضمّنه من أنّ الكواكب تملك عقولا ً ولغات" (ص100). ومن ثمار هذا الترصّد الوصول إلى نتائج تظلّ على الأقلّ غائبة أو مهمّشة في البحث العربي المعاصر إلى حدّ علمي المتواضع بهذه المسألة.

 من هذه النتائج الأولية المستنبطة من قراءة كتاب " السّوبرأصوليّة" أنّ أدبيات التفكير الأصولي تنمو و تترعرع وفق منظومة لغويّة أخرى قد تنحرف أو تحيد عمّا يسمّى بواقع الدين الإسلامي و أصوله و رأسها القرآن و أنّ هم الأصولية تفسير الكون و أنّ تفسير الكون يتأثر بخبر التفسير و شتان بين تفسير الكون و تفسير فكرة الكون أو أفكار الكون. و الأهمّ في نظري هو مسعى هذا الكتاب في راهنيّته إلى القول بفكرة "انبعاث السّوبر حداثة و نشوئها من السّوبرأصولية، و هكذا أيضا ً نصل إلى السّوبر مستقبلية من خلال السّوبر أصولية فالسوبرمستقبلية نتيجة مباشرة للسوبرأصولية"( ص191).

 

حسن عجمي/ "السوبرأصولية"/ الدّار العربية للعلوم / ناشرون بيروت/لبنان2007. 

 

   محمّد خريّف  ناقد من تونس