العدد العشرون - آذار 2007

الشاعر العراقي علي عطوان الكعبي:

العراقي يقاوم الموت، لأنّ حضارته حضارة حياة لا موت.
السبت 10 آذار (مارس) 2007.
 

لعلّ السبب الذي يجعل العراقي يقاوم الموت، هو أنّ حضارته حضارة حياة لا موت.

الشاعر.. يقيم علاقاته مع القصيدة بمسافة نديّة مضمّخة بالورد تسمّى المرأة.

الشاعر يحبّ ليبدع، لا يبدع ليحبّ، و لهذا تتشكّل من عبير روحه جداول طاعنة بالياسمين.

 

 

 يغمس قلمه في خبايا النفس يستخرج منها ما يخالجها من أحاسيس مختلفة النوع و الكمّ، لتأتي قصائد وردية يبنيها و يمتّن بناءها بلغةٍ قوية جميلة راقية، وتركيب عجيب يجري بك كما الماء المتدفق في الساقية العذبة !

 

 

عالمه الشعريّ، هو عالم مملوء بالحب، لاهث خلف الحقائق النفسية، والاحلام الخلاّقة تبعد به عن هموم الحياة التقليدية لتقرّبه الى هموم الشعر السامية ، و ما ألذّها و أشهاها من هموم!

 هو الشاعر علي عطوان الكعبي، الذي يشرّع للمرأة في شعره، بوّابات مدائنه الثرية، لتدخلها بخفر ودلّ و اعتزاز. فالمرأة عنده، هي تلك المضمّخة ابدا بالياسمين زهره الاثير الى نفسه، حتى لتشعر أنّ القصيدة هي المرأة بحدّ ذاتها ؛ أنيقة، جميلة، سلسة الروح تثير فيه شهية الشعر، تلهمه الى النظر في شعاع شموسها من غير ما خوف. يقدّرها لما تعنيه له كشاعر ملهم مرهف الحسّ، و كرجل شفّاف النفس كبيرها.

 

 

ما الذي تغيّر في مضمون القصيدة في بلدٍ تغيّر فيه النظام السياسي فجأةً من حال الى حال.. ؟

 

 

في رأيي انّ القصيدة كائنٌ متنامٍ و متغيّر، و لهذا تخضع الى ميكانيكية حركية، تزيد من فضاءاتها الابداعية، و ربما تؤدّي بها الى ضمور مميت من جانب آخر. بعيدا عن حضورها المباغت الذي له فجائية الموت، انها هاجس قلق يفرض على الشاعر وعياً متحفّزاّ. و بعيداّ عن وضع الشاعر في محددات نمطية كمدوّن للتاريخ، توافقاً مع قول أرسطو الذي يشير الى ان ليس على الشاعر ان يكون مسجلاًَ لما حدث، انما عليه ان يتوقّع ما سيحدث، و هو بهذا سيبتعد عن المؤرخ و يقترب من الفيلسوف. و بناءّ على هذا القول اجد ان مسألة التغيير في مضمون القصيدة ترتبط بمساحة ضوئية ابداعية، أي بمقدار ما يضيفه الشاعر من دهشة شعرية في تفاصيل النص، ..علاقاته ... و شفراته.. و بما يسبغه على الاشياء من روحه مانحاً اياها بعدها الانساني. و باعتقادي ان الشاعر العراقي ما زال
-  بحكم خضوعه لضغط الحدث الآني - يشكل جزءاً من هذا الحدث الذي تبع التغيير بكل ملابساته الحياتية ـ سلبا او ايجابا ـ الامر الذي لم يمنحه مديات رؤية شاملة، في الاستقراء و الاحاطة ؛ و هذا ما انعكس، بالتأكيد على الشاعر و القصيدة، على حد سواء، و لعلّ ما يلتمس له العذر عن ذلك، هو، كون هذا المنظور، منظوراً عاماً يخضع له المبدعون، في كل بقاع الارض، حين يقعون تحت هيمنة الحدث الكبير. و يكفي ان نعلم ان اعظم الآثار الابداعية العالمية، انما ولدت بعد انتهاء الازمات و الاحداث، وقت كان المبدع متحصّلاً على قدر من الاسترخاء النفسي و الاستقرار الحياتي المطمئن. على ان هذا لا يعني ان المبدع العراقي لم ينتج أثراً جميلاً، بل على العكس هناك نصوص غاية في الروعة و الجمال، استطاعت ان تحتوي، بشرطها الابداعي، افرازات ذلك التغيير، على مستوى المضمون و البنية و التركيب، لتحتفظ بسماتها كآثار ابداعية خالدة.

 

الشعب العراقي شعب قارىء بامتياز، كونه يعرف جيدا كيف يسجّل ما قرأه في الخاص و العام.. فيحفظ بذلك حضارة يعايشها او تمنى ان يعايشها، في زمن مضى. فأي الحضارات تمنى الشاعر علي عطوان الكعبي ان يعايش، و قد قرأها قراءة المستفيض شغفاً بها و ماذا بقي من الحضارات الغابرة من أثر في نفوس العراقيين عامة، و المثقفين منهم خاصة ؟

 

ربما لا أغالي حين أقول انّ لدى العراقي في تناوله زاده اليومي نكهتين ؛ نكهة الخبز و نكهة القراءة، فهو حريص على غذائه الروحي هذا حتى في أشدّ الظروف و أصعبها..، فأصبحت القراءة سمة ملازمة له تميّزه عن الآخرين. قد يعود سبب هذا الامر الى مرجعيات تاريخية بعيدة، كون العراقي اول من خطّ الحرف في التاريخ، و اول من علّم الانسانية الكتابة.. و هو لهذا يعايش حضارته تلك بشغف بالغ، اتكاءً على موروثه الضارب في عمق تاريخه الانساني كصاحب حضارة ثرّة أغنت و ما زالت تغني العالم بأسره، هو ابن مدائن راسخة الجذور ببنائها الانساني.. اوروك و سومر و أريدو و أكد.. و حفيد عقول مبدعة شكلت علامات بارزة في امتدادها البشري.. جلجامش.. و حمورابي.. و سرجون الاكدي.. و انخدو انا الأكدية الشاعرة الاولى في بلاد الرافدين.. و أنا، ذلك السومري الذي ما زال كلما مدّ يده الى تراب هذه الارض أحسّ انّ يداً من هؤلاء تشدّه موصولة بنسغ يمده بالحياة. لعلّ السبب الكبير الذي يجعل العراقي قادراً على مقاومة الموت دائماً، هو ان حضارته حضارة حياة لا حضارة موت، حضارة خصب و نماء،تبتديء من الارض ولا تنتهي في اعماق الاهوار.حيث امراة تدفع (المردي)تطاول بقامتها القصب ؛واذا كانت تلك الحضارة تشكل في نفس الفرد العراقي، اعتزازاً بموروثه الانساني، فانها لدى المثقف و المبدع تمثّل استحضاراً واعياً في مخيلته الابداعية لتلك القيم النبيلة و العقول الخلاّقة في ممارسة طقوسه الادائية في الكتابة و انعكاسها كفعل انساني مستمدّ مما أشاعته مرموزاتها في الذات الابداعية.

 

في أحاديث كثيرة..، كان السياب يلازمك، ما مدى ملازمة شاعر لشاعر سبقه في الزمن و ترك ظلّه يفيء اليه من اراد ؟

 

ان المعرفة الانسانية بعامة و الابداعية بخاصة، انما تتأسس من روافد عدة سابقة، في التجربة، و كل اضافة نوعية هي بالتالي تراكم كمّي في الذات ؛ و لهذا نحن لاحقون على من سبقنا و سابقون على من يأتي بعدنا..و تجربة شعرية كبيرة كتجربة السياب، لا بدّ لأيّ شاعر أو أديب ان يمرّ بها، فضلاً عن التوقّف عندها بما مثّلته من انعطافة مهمة في الشعر العربي و العراقي، وما تركته من أثر واضح للعيان فيهما. فالسياب قامة عالية طالما استظلّ بظلها الشعراء.

اما عن ملازمة شاعر لشاعر، فأنا لا أعتقد ان هذا يحدث الان ،نتيجة ما طرأ على الاجناس الادبية من تداخلات و تعابر، حتى صرنا نجد في النص الواحد آفاقاً و مديات مفتوحة في القراءة و التأويل. هذا الامر اصاب خيوط التماس بين مبدع و اخر بالوهن على مستوى التأثّر و التأثير، فلم نعد نلاحظ ما كان يحدث سابقاً من سمات متقاربة نتيجة تلك الملازمة التي نتحدث عنها، و هذا لا ينفي ان تكون تلك التجارب مرجعيات ابداعية على اية حال.

 

الشاعر، يلزمه حبّ كي يبدع. و يجفّ ابداعه اذا جفّ قلبه و فكره من هذه العاطفة النبيلة. كيف تؤكّد أو تنفي هذه المقولة ؟

 

 

ليس لي، و لا ينبغي لي أن أنفي هذه المقولة، بالتأكيد، لانني حينئذٍ أكون قد نفيت عن الشاعر كينونته التي تستمدّ غبارها الضوئي من مجاهيل نفسه في عمقها الانساني، اكون قد نفيت عنه دموع روحه و عبيرها التي هي الكلمات. و حيث ان في البدء كانت الكلمة، ففي البدء كان الشعور و في البدء كان الشاعر. فالشاعر لا يبدأ نشيده الكوني الا حين يتوحّد مع قلبه، لان له قلب قديس لا يعرف الا ان يكون ضاجّاً بالحب، فهو يقيم علاقاته مع القصيدة بمسافة ندية مضمّخة بالورد تسمى المرأة ؛ لذلك يكلل سماواته بالبياض، و لعلّ تصديق هذا ان اجمل ما يعبر به و عنه ان تكون الكلمة انثى و القصيدة انثى، فكيف لا يحب اذن و هو محاط بكل ما يمت الى المرأة بصلة احساسا و تمثّلاً. انه كائن محتوى بدفء الانوثة، دفء الكائن الآخر الذي يمنحه صفة تكامله الانساني. انه يحب ليبدع، لا يبدع ليحب، و لهذا تتشكل من عبير روحه جداول طاعنة بالياسمين.

 

متى اكتشفت أنّ الشعر هو قدر آخر يلازمك؟

 

 لا نختلف في أنّ الشعر موهبة الهية أو لمسة ربانية، قد تولد معنا كفطرة انسانية أخرى، و قد لا نتمكّن من تحسّسها في بواكير تكويننا الكوني الاول.. لكنها لا تلبث أن تتشيّأ كهاجس ملحّ في الذات ينأى بنا الى مدّيات آهلة بالجمال.. و لعلّي تلمست هاجسي الشعري هذا، مبكراً و منذ صبوات الطفولة، حين كنت أمارس خربشاتي البريئة، فأخدش وجوه صفحات بيض، كانت و لا شكّ تسلّمني نقاءها ببراءة رائعة ايضاً.. لا زلت أذكر ذلك الطفل الذي يمسك بدفتر صغير، كقلبه و هو يخطّ حروف الكلمات و معانيها، بما يجده في بطون الكتب المدرسية، مكوّناً بذلك معجمه الاول.. و دفتر آخر يدوّن به ما يحفظ من أشعار تعنّ له هنا و هناك.. من هذه اللحظات اللاهثة شعرت أنّ ثمّة شيئاً ما يحيط بي و يسكنني، بيد أنه شيء لا يمتلك ماهية الاشياء و لا كينونتها، و هكذا أخذت بوادر الوعي تتشكّل صعوداً مع اتّساع أفق التجربة، حتى بدأ الشعر يفرض مهيمناته الابداعية بجمال باذخ لا يدانى ؛ لأكتشف أنه يلازمني كقدر آخر، أحيا به و أغذّ الخطى معه، صديق لا يكذبني، و كاذب أصدقه..

 

 

وهل أحسست - ذات مرّة - أنّ الشعر خذلك، فلم يستجب لك للتعبير عن قضية شغلتك او اهتممت بها، و بالصورة التي تريد و ترغب ؟

 

بعيداً عن مسألة الغاية في الشعر، و ما تثيره من ملابسات في.. ألمع.. و الضدّ..أجد أنّ الشعر انما يعبّر عن الحياة بأساليب جمالية و تأثيرية، من خلال ذات الشاعر و علاقته بالآخر
-  أيّاً كان - و هذا بالضبط هو ما يحدّد نسبة الخذلان او عدم الاستجابة. انها عندي ترتبط بمقدار ما يتوفّر عليه النص من صدقه الفنّي جماليّاً، و ما يحرزه من بواعث الدهشة في النفس، دون اللجوء الى صيغ اسلوبية جاهزة، و قوالب جامدة..
قد لا تختلف عن و لا تخالف السائد في سكونه و نمطيته، و الشاعر كثيراً ما يتعرض الى الاخلاء و الكسل الشعري، حتى لتمرّ الايام و هو لا يمارس عذابه الجميل في دهشة القصيدة. و لا شكّ أنّ هذا يشعره بحالة من الاحباط النفسي، لكنه متى أدرك أنّ الشعر لا يُطْلَب ـ لانه حينئذ سيفقد شرطه - انما يأتي عفو الخاطر، تفتّحت أمامه عوالم الابداع و الخلق.. و هكذا أنا، ربما لم تخذلني القصيدة، بهذا المعنى ؛ بل هي قد تؤثر الانزواء و التخفي أحياناً،فما يكون مني الاّ انتظار لحظتها القدرية وفجائيتها ،مستنفَر الحواسّ لاقتناص شواردها الندية.. لتجيء كما أريد وأرغب.

 

 

 

حاول البعض من النقاد منذ عقود، تصنيف الشعر والادب، بعامّة الى أدب نسائي أو أنثوي، وأدب رجالي، حتى لتشعر أنك أمام ( بوتيك) يعرض بضائع للنساء و أخرى للرجال.. هل تتّفق مع هذا التصنيف ؟

 

انّ قراءة أثر ابداعيّ ما، لديّ، لا يحددها منظور تجنيسيّ نوعيّ، وفق ثنائية الرجل - المرأة، أو المبدع - المبدعة. ما يهمني فعلا، هو ما يكون عليه النص ذاته بما تفرضه قيمته الابداعية، لانّ خاصية الابداع لا تختلف لدى الرجل عنها لدى المرأة، طالما يتعلّق ارتباطها بالمخيلة الانسانية ،و هي ترسم مدياتها الكونية، و الذات و هي تقيم علائقها الروحية مع الاشياء.. انّ تصنيف الادب حسب هذه الثنائية، فيه اساءة بالغة لهذه الذات المبدعة لدى الاثنين (الرجل والمراة)على حدّ سواء ؛ لاننا بفعلنا هذا انما نحاول ان نمنح تكويناتنا صورة أحادية باستبعادنا الآخر الذي تتشكّل به هذه التكوينات، و الذي يتوجّه اليه الخطاب في آثارنا الابداعية غالباً.. انّ النقد كثيراً ما يجانب التقدير السليم في وسائله الاستقرائية و هو يحاول أن يتلمّس سبلاً اكثر اقتراباً لجسّ نبض العلاقة بين المبدع كرجل، و المبدعة كامرأة.. لأنّ الابداع الانساني لا يمكن أن يقنّن باشتراطات نقدية ليكون لدينا هنا أدب نسوي و لدينا هناك أدب رجالي..

 

 

 

 

 

الشاعر علي عطوان الكعبي - العراق

 

من مواليد بغداد، صحفيّ و شاعر

حائز على بكالوريوس علوم اقتصاد من الجامعة المستنصرية.

له في الشعر : ـ في دائرة المستحيل - مجموعة شعرية صادرة عام 2001، بغداد.

-هكذا نزدهي بالمباهج - مجموعة شعرية - صادرة عام 2005، بغداد - هولندا.

عضو اتحاد الادباء العراقيين.

عضو مؤسس لبيت الشعر العراقي 2005.

له العديد من الدراسات في الثقافة و الادب نشرت في مجلات و صحف عراقية و عربية.

شارك في العديد من المهرجانات الادبية و الثقافية.

ترجمت بعض نصوصه الى الانكليزية و الروسية.

**


 

من قصائد الشاعر علي عطوان الكعبي

 

أمنيات.. في ضمير المستحيل

 

أريد من الله

وسط الخراب

و قد لفّني معشر..

في الكفن

.. أكون كما بذرة، في التراب

.. لعلّي

سأثمر يوماً وطن

****

أريد من الحرب

أن تخجلا

 و تمنحني أرجلي..

و الأكفّ

و أن لا تبرج

"لابن" جلا

فيركبها ساعياً، دون خفّ

****

 

أريد من..

 الشعر..

 جسّ الذهول

فانّ القصيدة نور

و نار..

أغنّي

 كأني بقايا رسول..

 و كل الغنا دمعة..

 و احتضار

 

 ****

 

أريد

من الحب عمق

 الجنون..

 لعلّي..

 أنال لقلبي عقلا

فقد تبتلى، بالمشيب..

 السنون

و حبّ الجنون يخلد طفلا..

 

****

أريد

من الحزن

و هو ينام، قريرا..

بقلبي

و صار صديقي

لماذا

اختلقت الخصام اذا ما

ألاقيه، معتذرا..

في طريقي..

 

****

أريد..

 من الطير..

 و هو الطليق

 بألاّ يُغَرَّ بشكل..

 القفص

فكفٌّ تريه الغِذا

في الطريق..

 على حدّ سكينها

كم رقص..

 

 

 

حاورته : مريم خريباني _ بيروت