العدد العشرون - آذار 2007

ولادة البياض

نعيم تلحوق
السبت 10 آذار (مارس) 2007.
 

 

اهداء: إلى التي صرخت جرحها

قبل أن تأخذ الرحمة أنفاسها:

قتلوك يا ولدي...

 

-1-

كان صبحٌ،

والعتم فيه فصيح،

كنت أوزّع أيامي على مقلب الوقت،

أضناني الفراق، وأنت بعيدة الخدّين..

لم يصفح الفجر لي..

ولا الوقت أعانني على ردّ هزيمتي

لأرقد على حافة صوتك..

حين أبلغوني أني قتلت،

استفقت..

كنت أعلم أنك تدركين مصابي،

وإني بلا شفاعات كنتُ..

غفرت لربي كي يتيقظني العمر

فأستمده منك..

لكنه لم يكن عمري!!

حينها أبلغوني،

أنّكِ ارتجفت قبل الرحيل

وأنكِ غنَّيتِ المدى

فكرة المستحيل..

مَن يعشْ يرَ..

ومداد روحك حبر سطَّره البياض.

يا مَن يدرك أني انتهيت..

وبأن غطاء العمر كفّنه الردى،

وأني بلا دفء صرتُ..

وأنكِ كنتِ كما كنتُ - صريع رؤاي..

أحتمل العمر وتحملين سواي..

تركضين خلف المتاهة تضيئين غرّتي،

روحكِ تتحدى الشمس،

قلبك تكسره المسافة

أنام على صحوة العمر..

وتنامين على طرّاحة الخلق..

كأن الأحلام تراود نزوعها الطبقي

باتجاه اللغات..

وأنت لا تعرفين سوى لغة البصمات..

وقد جمّعتها عنكِ حوانيت الزفرات،

حتى بدت أجمل الأغنيات..

وجهك لا يعرفني،

اختصر المعرفة وتصيَّد الجهات...

وأنا أقابل حُرفتي بموت يطابق سنيني،

لكنه خافت العبرات..

مَن يكن قلبي؟!

لست أدري؟!

واللظى ناهش الوجد

وأنا فاقد الصرخات..

يا ويلي،

كيف تنشدين قهر الموت باللحظات...

وعيناي لمّا تزل تتابع مواويلك حتى السُبات..

هاتِ ما عندك من صفات،

قلبي أوجاع الأثير، ادخلي مضجع الروح شعاعاً

فلن يظن أحد بعدها أن الله مات..

-2-

صَمتَتْ وفي قلبها طَرْقٌ

يبعد الشبهة عن غرّة الأيام

تيبَّسها الظرف،

وفي قلبها حسرة العشق،

انتبه يا بني "لا توقع يديك في الظلم"

أنتَ بيدري المسروق

وأنا أهوى ديدنك يغرّد كعصفور أبيك،

فلا تضحك من يقيني..

أنا متهمة بالقهر والعناد،

أخاف أن يقتلوك..

وقلبي لا يحتمل جراح الشك والرماد..

-3-

لستُ زمنك، ولا أُجاريك،

لكني أفهمك،

اسمع ما بك رغم وجع الفراق،

أنادي على نسوةِ يدلّلنك، يشتممن رحيقك

ومجد قلبي بك كمجد النخل للعراق،

لست أفضل يُتمك

أبيعُ قلبي لشيطان أيامك

كي تضحك لتلتفت نحوك السماوات..

أنا أموت يا بني،

استدرك نفسك من مهالك المكظومين،

وتعب الساعات التي لا تشتري رحمة..

ولا تدرك صلاة..

أمك ترحل يا ولدي،

لم تعد صبية الدار..

صارت أمكنتها تزهو بها الأفلاك،

ولا أظنك تبخل إذ ما كنت أراك،

أنا أم يا ولدي،

أقف مع الحق حين يكونك،

ومع الباطل حين لا أراك

لأحمي أيامك من أيامي..

فلا تخشَ صراخ دمي

أني أحاول أن أفديك كصبي..

وأنت تحاول أن تشاكس كنبي

 

-4-

كانت مساحة البيت فارغةً،

وكنتِ تترصدين هواي عنوة..

وأنا ألعب بالزمهرير ورقصة الناي...

كنتُ أحبك، وأنت تعلمين أني أناور،

تأكدني ظنِّي بأنك تسمعين لهاثي،

وبأنك تغارين إذا ما أخبرت أحداً عني،

تقصفين إلى فراشك خلسةً...

ثم تعاودين متابعة أقدامي في السرير..

كان صدر البيت فسيحاً لفنائهم،

لكنه صغيرٌ على لوعتي،

وأنت تنفضين يدك على خيالي، حين يلتاع قلبي

فأغمر شعرك المكنوز بارتماءات ثقيلة،

أصابعي تمشّط ما بقي من سنين،

وتضحكين من يديّ:

"أمك ختيرت يا بني، رحلت أيامها".

لم يكن وجهي ملقاك،

كان قلبي دنياك،

وما صبّرني يتمي سوى أنّه ترجّاكِ..

كي ينام خدّك على أحلامه المرجومة بالأوهام،

وها قد فعلتِ، كي يرتاح الله من صدى الأحلام،

أقول بكيتُ، لم أبكِ،

كانت الصرخات تعلو شأني،

ويصارعني نعاسي،

وعلى وجنتيك استفاق حلم "النبي الخلاسي"..

واختلف العناق في مشاكلة الأرحام،

أنا أمّ الصبي الذي لم ترحمه الأفخاذ ولا العشيرة،

حتى استفاق على سطر من حبر البياض،

وعينين من دواء العشق

وصراخ الغريب التي تمنّع عن مراقصة الأشجار،

وثوى نحو محجريك يكابد الريح بالأخطار..

أنا هو...

صبيُّ وعدك الطافح بالنكبات،

مَن يدلُّه على طُهر يلبِسُه قمع الرغبات؟!

لم أرَ مَن ينتظرني بعد،

ولم أظفر بتقوى النبوءات،

لأعيد ما استطاعته الأحلام مني،

وأغنّي.. أمّي،

يا قصيدة لم تكتبها بعدُ اللغات..

(...)

أين أخبّئ وردتي

حين تصير الجريمة شتاتا"،

وحين الدمار يطوف الأغنيات؟!

 

-5-

لست أدري ما الذي أعاقني عنك،

وأنا ألمُّ خطاياي،

راكضاً صوب يقيني،

كنتُ قبلها، تعرفني الأشياء،

وكادت هامة الصبح تبصر خلاصاتها،

وفرحتي أن تعتقيني..

حين هجمت الصبايا على حائط البيت،

يعاتبنني،

كنت تعرفين أني مسيح غرامي،

وأني شفيع البلاغات،

وأن صداقاتي عداوات كثيرة،

لا تبصرها الأسفار..

فسيّان ان اصطفيت قهري،

أو كان دمي الإعصار..

كنت أخشى عليك وطني..

ويخشى وطني عليك من الإصرار..

(...)

 

-6-

قضيت العمر، أدقّ الباب يا وطني،

فما رأيت مَن يفتح إلاّ مقابر الوثن،

سمعت حينها ما استعادتهُ كبوتي،

ورحت بالصراخ أُغلق منافذ البدن..

ما عاد صوتي الذي كنت أضمره،

بل صار رقصاً يلاطف حضرة الكفن..

(...)

دائماً أشك بغرابتي،

ولا وقت لديّ، للصراحة،

فما أدهشني أحد،

كانت دهشة القبر أبلغني..

(...)

خمسون عاماً،

والرب يسألني،

ألَم تمت بعد،

وكنت دائماً أردّ الجواب،

أَلا تستدرك موتك بالنوم،

فلِم إذاً تمتحن صبري بالصوم؟

وحدك تعلم،

إني استعرت كل الأوطان،

وأنفقتها على شهوتي،

حتى لم يبق في جيبي وطن..

لِمَ تسألني

وكأسك مترعة بالأجوبة،

وصدري مليءٌ بالعفن؟

ألا تقوى على ردِّ ظلامتي عنك

فتعفيني من القبائل والأعراق،

المذاهب والأطياف،

فتعيدني إلى صدر أمي،

لألقي عليها السلام..

فأحبس ضحكتي في وجه من حطام..

كان سؤالي:

لماذا لا تفهم موتك يا بني،

وتقرأ دفتر صمتك

قبل الصيام؟

دعني أفكرك بأن لله باب

واحد،

ولأمّك ألف باب..

فلا تصرخ في فمي

يا زارع الفردوس قبيل اليباب،

أيامي طويلة معك،

فلا تجزع إذا اغتصب

الليل هامتي في وضح النهار..

غنِّ ما شئت تغني،

ولا تدع العمر ينشد على بابك

لحن السراب..

 

نعيم تلحوق