العدد العشرون - آذار 2007

غالية

لين هاشم
السبت 10 آذار (مارس) 2007.
 

اهداء: الى كل غالية أراها في مرآتي

 كانت تجلس على طرف السرير الخشبي الكبير وصوت المياه الجارية في الداخل يصم أذنيها ويجعل خفقات قلبها تكاد تخلع صدرها وتفر بعيدا" عن الغرفة المشؤومة. لم تكن تعرف ما عليها أن تفعل، نظرت الى وجهها في المرآة، لم تعرف نفسها. منذ ساعات كانت عيناها صافيتين وصفحة وجهها بيضاء وشفتاها هادئتين، الآن باتت عيناها غارقتين في الكحل والسواد، ووجنتاها وشفتاها ملطخة بالأحمر كالدم. منذ ساعات، كان شعرها الكستنائي مسدلا" على كتفيها هكذا، بتلقائية وعشوائية، والآن غدا مرفوعا" وخصلاته ملفوفة حول بعضها تتخللها ورود بيضاء صغيرة. جفلت، ابتعدت عن المرآة وعادت الى السرير. توقف صوت المياه في الداخل. أحست بخطر قريب وبخوف يشنج معدتها ويسري مؤلما" في جسدها الطري. شعرت بوحدة قاتلة، كوردة رميت تحت الأقدام ولم يسل عنها احد.

"غالية" خائفة ووحيدة، تركها كل العالم، عروسا" في ليلتها الأولى وطفلة في الثالثة عشرة.

جفف على مهل شعره الخفيف وجسده الضخم بمنشفة سوداء ورماها على الكرسي. كانت عيناها تراقبانه بانكسار وذعر، ونظراتها ترجوانه ألا يقترب منها. مشط شعره أمام المرآة وصب قطرات العطر في كفه ممرا" اياها فوق رقبته وخديه وأذنيه ثم نظر اليها مبتسما" كاشفا" عن أسنان عريضة غير سوية. اقشعر بدنها وشعرت بالاشمئزاز. جلس بقربها وقال بهدوء: "لا تكوني عنيدة وتكبري راس، أنت لي وعليك أن تحبيني وتطيعيني، ستتعلمين ذلك مع الوقت". أمسك ذراعها بقوة وألصق قبلة فوق شفتيها، أبعدت رأسها بسرعة وسرى احساس مخيف بالقرف في داخلها. ابتسم باستخفاف وقال: "قلت لك انت لي، وسأفعل بك ما أشاء". عرفت أن لا خلاص لها، وأنه لا محالة سيأخذ ما يريد، ولم يكن جسدها يحتمل المزيد من الضرب، أرسلت نظراتها المنكسرة الى ما خلف زجاج الشباك قبل أن يغلق هو الستائر. أحست بيده الثقيلة الباردة تقتحم ظهرها على مهل، اجتاحتها رغبة بالتقيؤ، أو الهروب، أو الانتحار. ألقت برأسها المنهك على الوسادة واستسلمت، حز الذل والألم جسدها الصغير، بكت بصمت وتمنت أن ينتهي كل شيء بسرعة.

 

الطرحة السوداء

"هيك عندما يرحل أبوك، يدوسك كل العالم". تزوجت أمي بعد وفاة أبي وكنت ما أزال في التاسعة، لم اعترض، لكني كنت كلما رأيته اشتقت لوالدي بشدة. كانت أمي امرأة "عاقلة"، أو بالمعنى الأصح "خاضعة"، من النساء التقليديات اللواتي لا يرين للفتاة مكانا" سوى في المطابخ و "بيت الزوج". كان همها الترويقة والغداء والعشاء، شأنها شأن أخواتي الثلاث وبقية نساء الحي. أما أنا، فكنت أستفيق مع الدجاجات كما يقولون وان لم يكن لدي ما أفعله، الا أني لم أستطع يوما" أن انام الى وقت متأخر. كنت أقضي معظم وقتي بالقراءة، كتب جرائد مجلات...كل ما تقع عليه يدي. كان حلمي أن أكمل تعليمي وأنال الشهادة، أي شهادة وأعمل. هل كان هذا كثير علي ان أطلبه؟

مضى عامان، بدأ الجيران يتهامسون "بنت ناديا كتير حلوة"، "بنت ناديا واعية وبتقرا كتب كتير". كنت كلما مشيت في الشارع تبعتني النظرات والغمزات والتعليقات، وكان كل شباب الحي يريدونني. أما أنا، فلم أكن أرى أمامي سوى الدرب التي يجب أن أسلكها للوصول الى ما أريد. كان في داخلي رغبة جامحة في التغيير، في الخروج من هذه الأجواء التاريخية والدخول الى العالم الحقيقي، أن أتعلم وأعمل وأعيش، كان فيّ زخم وطاقة وتمرد بقدر ما كان في تلك النساء استسلام وخضوع وركود وتخلف. هذه الآمال والطموحات بانت باكرا" في عيني وأخذت حيزا" مهما" من أحاديث الجارات مع والدتي "بنتك حلوة وواعية، بكرا بتكبر وبتشتغل ولا تعرفين الى أين تودي بها الطرقات".

 

ثم نطق لسان أم فاروق، خطابة الحي، بالكلمة الذهبية: "زوجيها، الزواج بيكسرلها رأسها". وكان العريس جاهزا" لديها، صديق زوجها، يملك شقة" وسيارة" ومحل أدوات منزلية، لا ينقصه سوى العروس.

أذكر اليوم الذي زارنا فيه "عدنان" للمرة الأولى، كان يرتدي بذلة" سوداء ويحمل أكياسا" لم أعرف حتى اليوم ما كان بداخلها. جلس مع زوج أمي قليلا" ثم ما لبثت أن نادتني أمي الى غرفة الجلوس، دخلت وفي داخلي شعور بأن مؤامرة ما تحاك ضدي. ما زلت أذكر لمعة عينيه وابتسامته المخيفة حين التقت أعيننا للمرة الأولى، وما زال صوت أمي يرن في أذني حتى اليوم: "سلمي على خطيبك". كان هذا اليوم نهاية لكل ما حلمت به أبدا"، الجامعة أغلقت أبوابها في وجهي، وفتح عدنان بدلا" منها أبواب شقته وأدخلني اليها بالقوة.

كان عدنان يكبرني بثلاثين عاما"، وكان طوال فترة ما سمي بخطوبتنا، يحاول أن يتقرب مني ويدعوني للخروج بشكل منتظم. كان يفعل المستحيل لرؤيتي أبتسم له، ولكني لم أكن لأقدر على ذلك، كنت أمقته أكثر فأكثر. كلما قال لي "أحبك" أجبته "أنا لا أطيقك، أتركني في حالي". كل ذلك وظل مصرا" على الحصول علي، وكان عنادي وتصلبي يزيدانه اصرارا".

بعد ثلاثة أشهر جاء اليوم الموعود، يوم الزفاف. منذ الصباح الباكر أيقظتني والدتي "امامك نهار طويل هيا"، "لا أريده، لا أطيقه، أكرهه!"، وما ان أنهيت جملتي حتى نزلت الصفعة على خدي الأيمن. كان يوم زفافي حدثا" شغل نساء الحي كلهن، وبدون متحمسات كأنه زفافهن، الجميع يتبادلون الابتسامات والغمزات والهمسات، الجميع فرحون، الا أنا. كان شعوري كشعور من اقتربت نهايته وبدأ يعد العدة لموعد الدفن الأخير، لم أكن قادرة على تصور نفسي زوجة لعدنان، أعيش في منزله وأعد طعامه وأنام في فراشه. انه كابوس يطبق على عنقي ويخنقني بقسوة.

اكتملت التحضيرات ووصل عدنان ومعه المأذون لكتب الكتاب. الذي حصل في ذلك اليوم لم أفهمه حتى اليوم. أمسكني عدنان من يدي وأدخلني الى المطبخ مغلقا" الباب ثم سحب عصا الغسيل الخشبي وهوى به على جسدي كثور هائج، على ذراعي وقدمي وظهري. لسبب ما لم أقدر على الصراخ، ربما هو كبريائي واصراري حتى آخر لحظة على ألا أمنحه نصرا" يفرح به، فكنت أتلقى الضربة وأبتلع الصرخة بألم مضاعف. حين شعر بالتعب وباتت أنفاسه متقطعة، رمى العصا من يده وقال: اسمعيني جيدا"، حين يسألك المأذون تقولين نعم، وان حاولت أن تلعبي بالنار، يا ويلك، ستذوقين أضعاف ما ذقته الآن، أفهمت؟".

كان ذلك المشهد عينة من الحياة التي كانت تنتظرني مع عدنان لاحقا". قلت "نعم" ومرت ليلة الزفاف عادية كما كان مخططا" لها، وغدوت زوجة لعدنان وأنا في الثالثة عشرة من عمري.

كانت كل ليلة تمر، أصلي أن تكون الأخيرة، وكل يوم يطل، أحلم بالقفز عن الشرفة ووضع حد لهذه الجريمة. نعم، انها الجريمة التي لن اسامحهم يوما" على ارتكابها، جريمة تركي وحيدة فريسة سهلة لهذا الوحش. طوال سبع سنوات، كان كل شيء يتم بالغصب وبالقوة، هذا اذا ما لم يمارس رجولته علي بحزامه أو عصاه أو كف يده. كنت أخافه مخافتي للشيطان أو لشبح الموت، لم أكن أجرؤ على النظر في عينيه، واذا ما أجبرني على ذلك، كانت دقات قلبي تحتاج الى وقت لتعود الى طبيعتها. لا شيء غير الخوف يعلم الطاعة، وهكذا علمني عدنان أن أطيعه طاعة عمياء.

بعد سنتين من زواجي، حملت وأنجبت "كريم" الذي غير مولده مجرى حياتي. في تلك الفترة، كان عدنان يزداد عنفا" وأذى وتجبرا"، ومع أن كل الأسباب كانت تدعوني للرحيل، الا أني كنت أصر على البقاء والتحمل والصبر كي لا يكبر كريم بدون أبيه كما حدث لي، ولو كان أبوه عدنان.

ليلة عيد مولد كريم الخامس وبعد احتفال اقتصر عليه وعلي، عاد عدنان الى المنزل ثملا". كنت نائمة" والى جانبي كريم، أيقظتني صرخة طفولية فهببت مذعورة لأجد عدنان ممسكا" برقبة الصبي محاولا" خنقه موجها" كلامه الي: "بات هذا الآن يأخذ كل وقتك وأصبحت أنا رجل كرسي بالنسبة لك، سأريحك منه أنظري". في تلك اللحظة، حلت بي قوة لم أعرف من أين أتت، ومرت أمام عيني سبع سنوات من الضرب والذل والمهانة، مرت أمامي صورة نفسي في الليلة الأولى، كم من الألم والوجع حملتها لي يداه. هذا الحقد الذي في داخلي نسف خوفي منه، وبات الانتقام غاية تبررها كل الوسائل. انقضضت عليه أضربه بكلتا يدي على قدر ما وهبني الله من قوة في تلك اللحظة، حتى أفلت كريم وصفعني بكفه الغليظة على وجهي فوقعت أرضا". لم أكترث، هرعت مجددا" الى ابني، التقطته بين ذراعي وركضت هاربة من المنزل تاركة" عدنان يتوعدني.

كنت مستعدة لقضاء أيام عمري معه شقية وبائسة فقط من أجل كريم، أما وقد باتت وحشيته تطال ابني، فهذا ما لم أكن لأحتمله لحظة" واحدة. كانت الساعة تقارب العاشرة، قصدت منزل أمي وقضيت الليلة هناك. كان قد مر يومان على وجودي هناك حين جاء زوج أمي وقال لي بالحرف الواحد: اسمعي يا غالية، كان بودي أن أستقبلك لوقت أطول لكن الناس يتكلمون، بتعرفي، تركت بيت زوجها والله أعلم لماذا...وهذه الأمور، اضافة" الى ان مكان الزوجة بيت زوجها وأنا لا أرضى أن يكون بيتي ملجأ" لك هربا" من زوجك". هكذا ببساطة قالها لي، وكما رموني أولا" مرة رموني ثانية بضمير مرتاح، دون عناء محاولة التكفير عما اقترفته أيديهم بحقي. بماذا أجيبه؟ هل هناك ظلم أكثر من هذا؟ نساء الحي اللواتي شاهدنني أذبح على مذبح عدنان يوم كنت في الثالثة عشرة وكن يبتسمن، ولم يعرفن ما حدث لي طوال هذه السنوات وما فعله عدنان بي وبابني، يتهمنني اليوم بشرفي . هن طاهرات وأنا دنسة.

في المنفى

 

حملت أغراضي بهدوء وغادرت منزل أبي الى الأبد، وأقسمت ألا أعود الى بيت لفظني كل من فيه. لم يكن لدي مكان أقصده سوى منزل شقيقتي الكبرى "نهى" ففعلت. كانت شقيقتي متزوجة من تاجر أقمشة منذ ما يقارب الثلاثة سنوات دون ان تنجب منه، فأصبحت أنا "مدبرة المنزل" لديها، أطبخ وأغسل وأكوي وأمسح وأكنس. مرت خمسة أشهر على هذا الحال وكنت راضية" طالما أن كريم في مأمن ويتابع دراسته وطالما أن كرامتي مصانة وجسدي بعيد عن متناول عدنان. ثم كانت تلك الليلة التي اقتنعت فيها أن أنوثتي نقمة وجمالي لعنة. كانت شقيقتي في زيارة لدى احدى الجارات وعاد زوجها "رافع" من العمل، كنت أحضر له العشاء حين باغتني من الخلف ودفع بي الى الحائط ضاغطا" علي بجسده، رأيت في عينيه نظرة عدنان ذاتها، ففي تلك اللحظة، كل الرجال متشابهون. لم أجرؤ على الصراخ كي لا تسمع شقيقتي وأكون سببا" في خراب بيتها. قاومته بقدر ما استطعت لكني عجزت عن الافلات من بين يديه، ولم ينقذني سوى جرس الباب. كان شابا" ممشوق القوام يرتدي بذلة سوداء، ما ان أطل حتى طالعتني ابتسامته الهادئة ونظراته القوية، عرفت فيما بعد أنه محامي "رافع" يتابع له قضية تتعلق بعمله. في تلك الليلة قررت الرحيل عن منزل شقيقتي في أول فرصة تسنح لي، وبت أرافقها الى أي مكان تذهب اليه متحاشية البقاء وحدي. أخذ المحامي "عمار" يتردد على المنزل محاولا" التقرب مني الى أن أخبرته بقصتي مع عدنان ووعد بمساعدتي. كان أول وعد يقطعه لي أحد ويفي به، وجد لي عملا" في مكتب صديق له وأمن لي شقة صغيرة انتقلت اليها أنا وكريم. في تلك الفترة كانت قضيتي مع عدنان تتنقل بين المحاكم والقضاة وبي أمل بالخلاص والنصر، للمرة الأولى في حياتي. كنت أراه يوميا" اما في مكتبه او في منزلي، وكان في حضرته الكثير من الرجولة والأمان والدفء، وفي نظراته قوة جبارة تتحول رقة" حين تتجه الي. مرت سنة نشأت خلالها قصة حب عاصف بيننا أنا وعمار، كنت أرى فيه الحياة الجديدة التي لطالما حلمت بها وخلت أنها الى الأبد ماتت مع عدنان. غدا عمار أملي ويومي وغدي وصباحي ومسائي، وبات هو رجل البيت، يهتم بكريم ويوصله الى مدرسته ويعيده، يشتري حاجات المنزل، يدعونا للخروج أيام العطلة. كنت أرى في عينيه وأتلمس في كلماته شوقه الى انتهاء قضيتي وحصولي على الطلاق كي أصبح له وحده في كل كياني. معه، أحسست للمرة الأولى بمعان جميلة لم أعتادها، بالشوق واللهفة والرغبة بلمسة يده، انه الحب الأول.

فجأة"، بلا مقدمات ولا أعذار اختفى عمار. مضى أسبوع ولم يظهر، خط هاتفه مقفل ومكتبه كذلك. قصدت منزله فأخبرني صاحب الدكان المجاور أنه سافر الى دبي للعمل هناك. في ذلك اليوم اقتنعت بأن قدري التعاسة ولا شيء غيرها، لم أعرف ان كان علي أن أشتاق اليه أم أكرهه أم ألوم نفسي لتصديقي بأن الحياة قد تمنحني فرحا" وحبا". كانت لدي مسؤوليات كبيرة، ومجددا" رميت في الضياع وحدي ولم يسل عني احد. هذه المرة، لم يكن امامي سوى القوة، الضعف هنا كان يعني النهاية. كلفت محاميا" آخر لمتابعة القضية وحصلت على الطلاق وعلى حق حضانة كريم. علمت في ما بعد أن عمار عاد الى لبنان وتقدم لخطبة فتاة قريبته، لم آبه، فشدة العذاب تخدرنا وطعم المرارة يجعلنا نعتاده. كما داستني الحياة بلا رحمة منذ الطفولة، دست على قلبي ومشاعري الى الأبد.

 

...واستمر الحلم

 

اليوم، كلما وقفت "غالية" امام المرآة تشعر بنفور مخيف من وجهها الذي كثيرا" ما عذبها، ومن جسدها الذي استهلك بعنف وقسوة لامتاع رجل هو أكثر من تكره وتمقت، ما زالت حتى اليوم تشعر بلمساته فوق جسدها وبشفتيه الغليظتين تترك آثارها المقرفة عليه. هل هناك ذل وقهر أكثر من هذا؟

الحلم الذي انقطع منذ سنين، عاد ليستمر اليوم. "غالية" عادت الى الدراسة في احدى الجامعات بمساعدة من مدير عملها وما زالت تعمل وتربي ابنها كريم. "غالية" رغم صغر عمرها، في ملامحها حزن دائم وألم مزمن وصمت عميق، يسألها زملاؤها لم هي قليلة الكلام ونادرة الضحك، فلا تجيب. "غالية" التي رخّصت ثمنها الحياة بقيت غالية...ولم يكسروا رأسها.

 

لين هاشم