العدد الواحد والعشرون - نيسان2007

فقه الحياة

سركيس أبو زيد
الاحد 15 نيسان (أبريل) 2007.
 
New Page 1

أنا من القائلين بضرورة فصل الدين عن الدولة. وأطرح سؤالا" جديدا": هل يمكن ايجاد مساحة مشتركة بين المؤمنين بالدين ودوره وتأثيره وبين المقتنعين بالدولة المدنية وحقوق المواطنية والتمييز بين عالم الماورائيات والمجتمع المدني. هل توجد منطقة وسطى يلتقي فيها الديني بالعلماني؟ هل نحن قادرون على ابداع فقه حياة يوحد البعد الديني بالبعد المدني للانسان، ويوحد التشريع ومؤسسات الدولة المدنية والقوانين الوضعية؟

أنا من القائلين أيضا" بضرورة المقاومة لمواجهة الاحتلال ومشاريع الهيمنة والتسلط والتبعية وكل أشكال الظلم والاستبداد ومشتقاته.  وأطرح السؤال التالي: للمقاومة أسباب عديدة ودوافع متنوعة من دينية وقومية وانسانية، فهل يمكن توحيد مرجعياتها؟ هل يمكن ابداع فقه مشترك لمعتقدها وفلسفتها ورؤياها؟

أسئلة مشروعة والجواب كامن في الواقع، في الحياة، من ساحات النضال، وأولا"، من مفهوم الحرية.

جميع التيارات والاتجاهات تتغنى بالحرية وتدعو اليها وتبشر بها وتزايد باعتناقها وكأنها مطلب مطلوب من الآخر أن يطبقه. اما نحن، فنكتفي برفعه كشعار أو اطلاقه كدعاء بينما قيمته الفعلية تبدأ من اعتناقه ذاتيا" واعتماده أولا" في السلوك والعمل. مهما تباينت الآراء والمفاهيم حول الحرية يبقى الحوار ضرورة ملحة بين كل الأطياف من اجل توحيد قاعدة النظر الى الحرية، ويمكن اختصارها بما يلي:

حق الاختلاف وحرية الاختيار، تتباين وجهات النظر حول الحرية السياسية وحرية التعبير وضوابطها والقوانين الناظمة لها، اما القاعدة الأساس التي تجمع هذه الآراء كلها رغم اختلافها، فهي التوافق على بناء دولة مدنية تحترم حق الاختلاف وتصون حرية الخيار. دولة مدنية قائمة على حرية المعتقد الديني وحرية الالتزام السياسي وحرية الاختيار الاجتماعي. المؤمن له حرية اختيار مرجعيته الدينية كما للعلماني حرية اختيار مرجعيته القانونية في الأحوال الشخصية.

لذلك، لا بد من لاهوت مشترك يجمع بين المواطنية ومواجهة الهيمنة. لا بد من فقه حياة يوحد الديني والعلماني في صيغة توفر للمواطنين على تباين مشاربهم أن يعيشوا معا" ولو مختلفين.

للوصول الى هذه الحالة، لا بد اولا" من حركة اصلاحية تنويرية داخل الحركات الدينية حتى تضيف الى البعد الجهادي والمقصود تحديدا" بالجهاد، هو الجهاد ضد مشروع الاحتلال الاسرائيلي والهيمنة الأميركية، بعدا" مكملا" هو بناء دولة مدنية على قاعدة المواطنية مما يحصن المواجهة ضد العدو الخارجي بنهضة توحد المجتمع على تنوع مواطنيه في معركة التنمية والبناء.

 

وثانيا"، لا بد من حركة تصحيحية نضالية داخل الحركات العلمانية حتى تضيف الى البعد الاصلاحي والمدني بعدا" مكملا" هو مواجهة مشاريع الهيمنة والاحتلال والتسلط الخارجي، مما يحصن المجتمع المدني بهوية وطنية جامعة.

ويبقى السؤال هل فقه الحياة ممكن؟ أو فقه المذاهب ولاهوت الطوائف أقوى؟

الانسان هو القيمة والأساس، وبقدر ما يعي ويريد، يبدع طريق المقاومة والنهضة وصولا" الى الحرية المنشودة. والمشاركة العملية في حركة الصراع تنتج من الواقع فقه الحياة الذي يوحد القوى الايجابية في المجتمع ويبعد السلبيات وادوات التفرقة والتنابذ. وبالتالي، اتجاه الحياة الجديد هو الأقوى والأقدر وبالتالي، فقه الحياة هو الممكن في مسيرة المواجهة والبناء.

 

لا حرية مع الفقر والظلم. فقه الحياة هو ان نسير معا" للوصول الى الحرية والعدالة الاجتماعية مهما اختلفت مفاهيمنا الدينية أو العلمانية ومهما تنوعت الحالات والأسباب.

سركيس أبو زيد