العدد الواحد والعشرون - نيسان2007

ثقافة المواطنة

زهير فياض
الاحد 15 نيسان (أبريل) 2007.
 

الأزمات الوطنية الكبرى التي نشهدها اليوم ليست وليدة الصدفة، و لا هي بنت ساعتها بل هي نتاج مسار طويل من الخلل في النظرة الى الأمور أدت الى ما أدت اليه من التباسات معقدة في فهم المسائل الوطنية الأساسية المتعلقة بالهوية والانتماء والاستقلال والسيادة والوحدة وحق تقرير المصير، وقضية الحرية ، ومفهوم "المواطنة". 

هنالك ميل مستهجن وغير مبرر لدينا للتغاضي عن الخلل البنيوي الذي يعتري حياتنا الوطنية، وهناك اتجاه لاعطاء التبريرات السطحية للضعف الذي نحن فيه، وللتراجع وغياب المبادرة، وللقدرية والاستسلام للأمور المفعولة، والتخلي عن الدور في احداث ثغرة في جدار الهزيمة الروحية والنفسية التي يعيشها بعضٌ من ساسة، وبعضٌ من حكام، وبعضٌ من مثقفين، وبعضٌ من شعبٍ أوهنوا روح العزيمة فيه لكثرة ما أحبطوه، ولشدة ما ضللوه، ولقوة ما مارسوا عليه من ضغوط طالت في أحايين كثيرة لقمة عيشه، ومستقبل حياته وحياة أولاده، حتى وصل بعض الشعب الى الكفر بالقيم والوطن، وفقد نسبةً كبيرة من الأمل بامكان الاصلاح والتغيير المنشود.

ولكن، وبرغم الخيبات المتكررة التي أصبحت جزءاً من حياتنا اليومية، لا بد من انتفاضة تقلب المعادلات، وتحيي الأمل من جديد، وتنير شعلة الايمان المتوقدة في قلوب الطيبين من أبناء شعبنا المؤمنين بالقدرة على تجاوز المحن الصعبة وظروف الضعف والوهن والتراجع والعبثية والفوضى المتفشية في طول هذه البلاد وعرضها باتجاه تفعيل كل الطاقات والامكانات التي تزخر بها أمة العطاء لرسم طريق الخلاص والتحرر ، وصياغة الحاضر والمستقبل بارادة لا تلين، وبتصميم أكيدٍ على مواجهة التحديات.

لقد دقت ساعة الحقيقة، ولا مجال بعد اليوم للهروب منها، و "الحقيقة" تقف أمامنا "عارية"، وهي تدفعنا لنأخذ زمام المبادرة، لأن ننظر في عين الشمس ونقبل "التحدي"، تحدي أن نكون مواطنين فاعلين مؤثرين في مجرى الأحداث التي تحيط بنا، مواطنين طلقوا ثقافة القدرية وآمنوا بثقافة الفعل، وجسدوا هذه الثقافة في الممارسة الحياتية وفي السلوك اليومي، مواطنين يؤمنون بثقافة "المواطنة"، أي ثقافة الانتماء الى الوطن، ثقافة الانتماء الى الأمة، ثقافة الانتماء الى المجتمع الذي يحتضن أبناءه بمعزلٍ عن اللون أو العرق أو الطائفة أو المذهب، أو العشيرة أو القبيلة، ثقافة الانتماء الى الحياة القومية والانسانية بدل ثقافات التغريب عن الوطن، وعن الهوية، وعن التراث، وعن القيم وعن الذات.

ليس صحيحاً أننا "مخلوقات طائفية"، وليس صحيحاً أن الطائفية متأصلة في كينونة ذواتنا الا بقدر ما نرفدها من أسباب التجذر.

الظاهرات والحالات التي يعيشها الانسان تصبح جزءاً من وعيه،وهي نتيجة طبيعية للتربية التي ينشأ عليها، وهذه حقيقة وجب أن تؤخذ على محمل الجد، فالطائفي هو انسان تربى تربية طائفية، والمذهبي هو انسانٌ نشأ على المذهبية، والعشائرية تغذيها تربية عشائرية، والقبلية هي حالة في الوعي تؤسس لها ثقافة قبلية، و"المواطنة" التي ندعو اليها لا بد أن ترتكز على ثقافة "المواطنة" و على الوعي بحقيقة الانتماء الى" الوطن" بأبعاده المختلفة...

"المواطنة"
-  وبكل بساطة - هي شعور الانسان بأن الحياة التي تجمعه مع الأخر على مساحة الأرض التي يتحرك فيها هي حياةٌ واحدة يتولد منها الشعور بالانتماء الى الجماعة، الى الأرض، والى الدولة التي تحكم العلاقة بين هذه الأطراف في الواقع الاجتماعي.

"ثقافة المواطنة" هي ثقافة الحياة بأبعادها ورموزها ومعانيها المتنوعة، وهي ثقافة البناء والتعمير، وثقافة الوحدة والتعاون والتضافر والتآزر والاندماج في حركة الحياة الواحدة، وهي الى ذلك ثقافة الاستقرار والسلام لأنها تلغي الفروقات، والامتيازات، وتعمق قيم العدالة والمساواة والتآخي بين أبناء الوطن الواحد.

ونحن في "تحولات" نعمل في هذا الاتجاه، لتعميق وتعميم ثقافة الوحدة والتوحد، ثقافة بناء مجتمع قادر وقوي وفاعل ومحصن بالعوامل الذاتية، وقادر على تجاوز المصاعب والتحديات، مجتمع يعطي لأبنائه الطمأنينة والسكينة والشعور بالاستقرار الروحي والنفسي، ودعوتنا هي لأن نعمل سوياً لكي تعلو "ثقافة المواطنة" على كل الثقافات الجزئية، وأن نكون تلك الارادة الانسانية التي تقود حركة التغيير عملاً بالقول المأثور "لا يغير الله ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم".