الطيب تيزيني:مطالبة الأصوليين بالدولة الدينية أمر غير محتمل

العدد 4 - تشرين أول 2005 : هيام الجندي
الثلاثاء 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 
يصعب اختصار مفكر وفيلسوف، بأهمية طيب تيزيني، في عدة سطور، لكن يمكن رسم مساره الفكري بها، بخطوطه العامة فقط. فالمتأملون في سيرته الفكرية، سيلاحظون، دون أدنى ريب، أنه كان دائماً في طليعة الذين أدركوا الإشكاليات المعقدة لعالمنا العربي، ومن ثم العمل على إيجاد آليات معرفية للتعاطي معها. فلم يخل حراك ثقافي أو فكري أو سياسي إلا وكان له فيه بصمة ورأياً، محافظاً على نزاهة أخلاقية مشهودة، ومواقف فكرية متميزة.

العلمانية ليست نظريةً في الإلحاد!

الايديولوجيا لا تنتج دولة!
مطالبة الأصوليين بالدولة الدينية أمر غير محتمل
العلمانية تضبط العلاقة بين الدين والدولة ولا تلغيها بين الدين والمجتمع!

فشل المشروع النهضوي العربي

في الوقت الذي عجزت فيه الحكومات العربية، ومؤسساتها الرسمية عن صوغ مشاريع نهضوية، نجد أن من تصدى لهذه المهمة مجموعة من الأفراد، وكان مشروع طيب تيزيني من أبرز تلك المشاريع. ولم تكن مصادفة أن يتم اختياره عام 1998 قبل مؤسسة الكونكوردرية الفلسفية الألمانية الفرنسية على اعتباره احد أهم فلاسفة القرن العشرين، وإنما أتى ذلك تقديراً له، على اسهاماته الجادة في الفكر العربي والإنساني.

وها هي تحولات تفتح صفحاتها لهذا المفكر (الفيلسوف) عبر حوار يتناول محاور عدة، من فكره ومشروعه، بادئةً بسؤال ملفها المحوري، الذي يتحدث عن العلاقة بين الدين والدولة العلمانية:

العلمانية ليست نظرية الإلحاد

يتحدث السؤال عن خطاب ديني متشدد راهن، في الحقل الإسلامي خصوصاً يريد إعادة إحياء الدولة الدينية الذي كان سائداً نمطها في عصور سبقت. أرى أن هذه الصيغة تحتاج بعض التدقيق انطلاقاً من أن الدولة في الأساس إنتاج حديث أتى في سياق بروز نظام اقتصادي برجوازي ورأسمالي، وهذا يصح خصوصاً حينما نتحدث عن بعض آليات الدولة مثل السلطات الثلاث ومبدأ التداول السلمي للسلطة على نحو أو آخر ومبدأ المهمات المناطة بالدولة تجاه المجتمع ومبدأ الدولة وحضورها في نطاق من المجتمع المدني وأظن أن هذه الحيثيات لم يكن حضورها وارداً ولا الوعي بضرورة حضورها وارداً في الصيغة المنهجية الدقيقة. إضافة إلى ذلك يصبح القول بأنه بالأصل لم توجد دولة دينية.

هذا يصدق على ما وجد في التاريخ الإسلامي. لقد كانت هناك إمبراطورية مؤسسة على إمارات أو مقاطعات أو ايالات، ولم تكن في مجملها بناءً دولتياً،وثالثاً في الأصل الحديث على دولة دينية حديث زائف بالاعتبار الإصطلاحي فإذا اعتبرنا أن الإسلام كالمسيحية وغيرها ايديولوجيا فإن الايديولوجيا لا تنتج دولة هذا بالرغم ن وجود محاولات في التاريخ المذكور تشير إلى وجود مجتهدين ومنظرين حاولوا مناقشة ما اقتربوا منه تحت أسم الأمة الإسلامية، ولكنهم لم يصلوا إلى للدولة كنظام سياسي يقوم على آليات سياسية واقعية وليس على تصورات دينية سلبية أو إيجابية، وهذا بدوره يضعنا أمام القول بأن مطلب الأصولية الدينية الإسلامية والمسيحية وغيرها في التأسيس لدولة دينية إنما هو أمر غير محتمل على الأقل في مبدأ واحد من مبادئ الدولة وهو الفعل السياسي، فالسياسة نظام قائم على مفاهيم ومبادئ نظرية وعملية تتأسس على النظرية النسبية وعلى علاقات الدولة الخصوصية، لأن الفكر الديني بأسسه فكر إطلاقي انطلاقاً من القول بأنه خطاب إلهي وليس خطاباً بشرياً.

والوجه الآخر في ذلك يتمثل في معتدل ديني أو علماني يسعيان إلى التأسيس لمشروع يضبط العلاقة بين الدين والدولة فهذا الأمر نفسه يمكن أن يكون له مستقبل ما يشرط أن تتم تضبط مواقعهم الدينية، على الصعيد الواقعي المشخص والثاني يقوم على أن الدين إنما هو الإعتبار الديني نفسه دين هدى للناس وليس شريعة اقتصادية وسياسية وزراعية وغيره، ولذلك أقصى ما يمكن أن يطلب من مثل هذا المشروع أن ينتج رؤية دينية تحول دون تحول الدين إلى قوة معيقة وذلك عبر فتحهِ باتجاه مصالح البشر المتباينة والمتصارعة دون أن يكون حكماً عليها وإن ظل يمارس دور الضوابط الأخلاقية العمومية، التي نتشخص وفق المصالح ويضاف إلى ذلك التعثر في أوساط العلمانيين، حيال هذه المسألة مع أنهم يحاولون الآن أن ينتجوا منظومة من المعارف التي تنطلق من أن العلمانية ليست نظرية في الإلحاد، وإنما هي وإنما هي نظرية سوسيو ثقافية، وسياسية تعمل على ضبط العلاقة بين الدولة والدين، دون أن تلغي العلاقة بين الدين والمجتمع على نحو يقوم على الحرية والتعددية ورفض الإستئثار بالقرار الايديولوجي أو الديني أو السياسي.

فشل المشروع النهضوي العربي

هل يعود فشل المشروع النهضوي العربي، إلى عوامل اجتماعية سياسية أم أن هناك خلل في البنية الفكرية، الأيديولوجية؟ السؤال يأتي ليحصر أسباب فشل المشروع العربي في حقلين اثنين كلاهما ينتمي إلى الداخل العربي، وهذا في عموم الموقف صحيح، لكن إذا وضع هذا الأخير في سياقه من التحولات التي طرأت على الواقع العربي منذ أواخر القرن الثامن عشر ـ نرى أن هذه المرحلة كانت بداية ظهور الأشكال الباكرة للمشروع المذكور ـ فإننا سنلاحظ أن هنالك من العوامل الأخرى ما ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار لوضع اليد على عملية الفشل المذكورة. هذا يترتب عليه أن نأخذ بحسابنا الشرط التاريخي الذي كان مهيمناً في حينه، أما هذا الشرط فقد تمثل في أن المرحلة المذكورة ظلت حتى حينه بمنأى عن عمليات التدفق الاستعمارية باتجاه العالم العربي، وهي مرحلة قصيرة نسبياً تكاد أن لا تتجاوز العقد من السنين، في هذه المرحلة كانت اتجاهات النهوض العربي قد أخذت تفصح عن نفسها بأسباب وآليات داخلية، مما جعل من هذا النهوض حالة مفتوحة توحي بآفاق مفتوحة.

لكن هذا لم يطل إذ أن عملية التحرش والتدخل الغربي الاستعماري أخذت تطرح نفسها خصوصاً مع دخول نابليون إلى مصر، وقبل الحديث على هذه المرحلة الجديدة، ينبغي القول: بتشديد منهجي تاريخي بأن تلك المرحلة كانت تمثل رهاناً مفتوحاً على إنجاح المشروع العربي من داخله ودون عوامل كابحة متحددة من الخارج الغربي، إنما بعد ذلك سيصبح التحدث ضرورياً عن أن الواقع العربي خصوصاً في مصر، سوريا، العراق، تونس لم يعد يتحرك بآلياته الداخلية في الغالب الأعم إلا عبر حالة أولية من الإملاءات الاستعمارية الوافدة. ها هنا يكف الحديث عن مشروع عربي ينمو من داخل البنية العربية، ودون كوابح خارجية تذكر، ليبدأ الحديث عن مشروع عربي أخذ يتلقف الاختراقات المتتالية مع تدفق الغرب الاستعماري باتجاه هذا العالم العربي. في المرحلة الأولى كان هنالك حد أدنى وأساسي من الاستقلالية، في حين أن هذه الاستقلالية أخذت تتراجع لصالح عملية التدفق الخارجية تلك.

من هنا يمكن القول بأن أسباب إخفاق المشروع العربي لا تكمن في داخل الواقع العربي نفسه، وبهذا نكون قد أقصينا القول الذي يرى أصحابه أن السبب كامن في الداخل، لأن العرب ليسوا في أساس الأمر مهيئين للإنجاز الحضاري، وقد أخذ المستشرقون الأوروبيون في قسم كبير منهم ينمون تلك المقولة بحيث أوصلوا إلى القول: الأوروبيون وحدهم قادرون على إنجاز مشاريع حضارية لأنهم مهيئون لذلك في بنيتهم الطبيعية، على عكس العرب والشرقيين المهيئين بفطرتهم ـ كما يقول اولئك ـ للبقاء في البعد الزماني المكاني الثابت بإطلاق تقريباً.

أردت من ذلك الإشارة إلى أن الدعوة الآن إلى إنتاج مشروع عربي راهن في النهضة والتنوير إنما هو أمر محتمل وليس مغلقاً.

ظهرت القومية بوصفها فكرة فقط، مسنودة على معطى ثقافي وتراثي، دون وجود حوامل اجتماعية حقيقية لهذا المشروع، بحيث لم يكن الواقع الجيوسياسي يسمح بذلك، بخلاف النهضة الأوروبية التي كانت البرجوازية المستنيرة حاملها ما رأيك؟

لا أظن أن الأمر كما صيغ في السؤال، أي أن الفكرة القومية نشأت دون حامل اجتماعي وسياسي ينهض بها، لكن ما يقال كذلك هو أن مثل هذا الحامل الاجتماعي والسياسي كان في طور التكون ويصح هذا خصوصاً على المراحل الأخيرة من الصراع العربي في نطاق الإمبراطورية العثمانية وضدها، إذ أن أحد تجليات هذا الصراع الكبرى ظهر خلال مطلبين كبيرين برزا في الحركة العربية والإسلامية بعطبيعة الحال، وهما الاستقلال عن هذه الإمبراطورية سياسياً

أولاً: تحديث العالم العربي اجتماعياً اقتصادياً ضد الإمبراطورية المذكورة، ولقوى مذكورة في الغرب تمثلت هذه الحدود في إنجاز المهمة الوطنية والقومية من طرف والمهمة التحديثية التقدمية من طرف آخر، ومعروف أن ما حدث في مصر وسوريا ولبنان والعراق وتونس كان يشير إلى ذلك، فمشروع محمد علي في مصر وما وازاه في سوريا والبلدان العربية الأخرى كانا يسعيان إلى تحقيق الاستقلال العربي عن الإمبراطورية العثمانية وعن الهيمنة الغربية القادمة، وكذلك إلى إعادة بناء الاقتصاد والجيش والصناعة والثقافة، والذي وقف في وجه هذين الطموحين والذي تمثل في الغرب الرأسمالي الاستعماري، وفي أوساطاً كثيفة من الإمبراطورية العجوز وتبلور في معاهدة (كوتايه) عام 1841 إذاً في بواكير الموقف، ولكن بعد البدء بمشروع عربي للنهوض كان الغرب قد أحكم القبضة شيئاً فشيئاً وعمل على تفكيكه ولا يحسبن المرء أن السبب الأول في إخفاق المشروع العربي يتمثل في الخارج فهذا الأخير، وإن مارس دوراً كبيراً في الإخفاق إلا أن البنية العربية الداخلية التي لم تكن قد نضجت بعد باتجاه المشروع النهضوي حتى حينه، هي التي كانت سبباً أولاً في اقتحام الغرب لها، وهذا نفهمه منهجياً تحت مقولة جدلية للداخل والخارج.

من هنا لا تصح المقارنة بين المشروع العربي المذكور والمشروع الأوروبي النهضوي البرجوازي لأن الظروف التاريخية ليست متماثلة بينهما، فما إن بدأ العرب في تحقيق مشروعهم في مرحلة ما قبل غزو نابليون لمصر وحتى مرحلة الغزو حتى وجدوا أنفسهم مع هذه المرحلة الأخيرة في حصارٍ متنامٍ من قبل غرب كان يتعاظم قوة اقتصاديةً وصناعيةً وثقافيةً وحربيةً.

وهذا بدوره وقف حائلاً أمام استكمال المشروع العربي باستقلاليةٍ مناسبة من داخله، أما المشروع الأوروبي فكان منذ القرن الرابع عشر من بدأ في نهوضه خصوصاً وأن منافسين آخرين ما كان لهم حضور فاعل، خصوصاً كذلك بعد أن كان العرب يعيشون مرحلة التصدع الشامل مع أواخر القرن الثاني عشر.

النهضة الأوروبية نمت مستقلة دون خصوم من الخارج، أما النهضة العربية فقد أخذت بعد فترة قصيرة من نشأتها تعيش حالة الصدام والاختراق من الخارج.

وهذا الأمر ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار المنهجي العميق حين يجري البحث في تأثير الخارج الأوروبي في الداخل العربي منذ غزو نابليون لمصر.

في بداية مشروعك راهنت على الطبقة العاملة في إنجاز مشروع النهضة العربية، توسمت خيراً في الانتفاضة، وراهنت عليها بوصفها أحد مداخل المشروع العربي الجديد. أين أنت الآن من ذلك؟ تحديداً بعد أن أطلقت مصطلح الحطام المفتوح، ألم يعد لديك من تحديدات أكثر دقة لحامل المشروع النهضوي العربي؟!

هنا حاجة لتدقيق هذا السؤال وخصوصاً فيما يتصل بالرهان على الطبقة العاملة، من أجل إنجاز مشروع النهضة العربية، أنا لم أكن أراهن منذ السبعينيات على نهضة عربية بقدر ما كنت أراهن على ثورة عربية، نظراً إلى مشروع التغيير في معظم العالم، كان هناك في حينه، يتمثل في العمل من أجل ثورة اجتماعية تؤسس لتشكيلة اجتماعية اقتصادية وسياسية جديدة، قد كان هذا واضحاً من خلال الحامل الاجتماعي الذي كان يدعى إليه، فالطبقة العاملة كانت هي هذا الحامل الاجتماعي.

أما بعد ذلك خصوصاً بدءاً من مرحلة اكتشاف النفط السياسي في السبعينيات، فقد أخذت المعايير والأطراف الدولية في التغير بحيث أن مشروع ثورة عربية كان يتجه إلى التفكك، هي نظم عربيةٌ أخذت تستبد بالسلطة والثروة وبالإعلام وبالحقيقة، يداً بيد مع نتائج المرحلة النفطية التي راحت تحث حالة من الفساد والإفساد، وتنتج من ثمة مجتمعاً استهلاكياً يتجه نحو إفساد الفقراء والمفقرين، خصوصاً ومنهم الطبقة العاملة والفئات الوسطى، وسوف يتبلور هذا الوضع لاحقاً مع اكتمال أولي لحالة ابتلاع المجتمع العربي في معظم أقطاره وبعد ذلك مع تفكك الاتحاد السوفيتي ومجموعته، ويأتي مع هذا وذاك نشوء النظام العالمي الجديد الذي راح يحكم القبضة على شعوب العالم، فكان من نتائج ذلك دخول العالم العربي وخصوصاً الشعوب حالة من الإحباط والتفكك والتذرره وهذا بدوره وضع مشروع الثورة موضع تساؤل، ثم موضع استهجان، بسبب من نشوء قوىً عالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية في وجه حركة التحرر العربية في شقيها الوطني والقومي والاجتماعي الديمقراطي.

منذ ذلك الحين وحتى الآن يكاد البحث يضع يده على احتمال جديد يحل محل الرهان على ثورة اجتماعية يكون حاملها الاجتماعي الطبقة العاملة والفقراء والمفقورون عموماً.

نعني بذلك بروز الرهان على مشروع نهضة عربية جديدة، أما الحابل الاجتماعي لهذا المشروع، فلا يقتصر على تلك الطبقة العمالية، وعلى تلك الفئات الوسطى، وغنما يكتسب صيغة المقولة التالية:

من أقصى اليمين الوطني والقومي الديمقراطي إلى أقصى اليسار الوطني القومي الديمقراطي، بما في ذلك القوى الدينية التي ربما راح فريق منها يقترب من بعض مبادئ الديمقراطية، وخصوصاً مبدأ التعددية السياسية والحزبية وربما كذلك مبدأ التداول السلمي للسلطة. إذاً الأمر هنا اختلف على نحو حاسم يصل على حد القطيعة النسبية بين المشروع الأول والثاني، أو ربما كان مناسباً أن يقال أن المشروع الثاني النهضوي ينطلق من الحامل الاجتماعي للمشروع الأول الثوري، لكن دون أن يتوقف عنده، أي ينطلق باتجاه كل أطياف المجتمع العربي الوطنية والقومية الديمقراطية.

هل توافق على أن العرب آثروا الوحدة القومية على الديمقراطية مما أدى إلى خسران الوحدة والديمقراطية معاً ؟

وضع المسألة على هذا النحو المطروح في السؤال، قد يبعدها عن مسارها المحتمل، فالعرب في البدايات، كما أشرت كانوا يتجهون نحو بابين اثنين، كانوا يدركون أن الواحد منهما لا يمكن الدخول منه بمعزل عن الآخر، وهما باب التوحيد الوطني والقومي، وباب الحداثة، ولكن كان عليهم تحت وطأة العوامل الداخلية الموغلة في التخلف، ووطأة التدفق الغربي الاستعماري، ثم الإمبريالي، إضافة إلى تعاظم الخلاف ما بين القوى الوطنية والديمقراطية، والقومية من طرف وقوى التغير الديمقراطي الاجتماعية من طرف آخر.

كان ذلك كله من الأسباب التي وضعت فريقاً من العرب أمام ذلك الخيار الثنائي إما الديمقراطية وإما التغيير، ولعل ظروف الوضعية العربية خصوصاً منذ بدء الصراع العربي الإسرائيلي كان يظهر الأمر وكأن قيادة هذا الصراع إلى نتائجه المثمرة مرهونة أولاً بتحقيق الوحدة القومية، ومن هنا نفهم لماذا نشأ الشعار التالي: (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) لكن مع انقضاء عقود تبين أمران أن صوت المعركة هذا كان مخترقاً من قبل نظم سياسية وحكام عرب سعوا إلى إعادة بناء العالم العربي وفق استحقاقات المشروع الإمبريالي الصهيوني أما الأمر الثاني فظهر في التفريط بعملية التغيير والحداثة في آن واحد، يجيء ذلك بعد أن اكتشف جيل من العرب المتأخرين أن كلا الأمرين التوحيد والتحديث مرهون بالآخر وأن تحقيق توازن استراتيجي أولي مع إسرائيل يقتضي النهوض بهذين الحقلين كليهما، وهي مسألة أخذت تتحول في العقدين الأخيرين إلى حالة من الشجب للتاريخ العربي خصوصاً منذ عام (1848) فلقد اتضح لهؤلاء أن الوحدة الوطنية في البلد العربي الواحد ناهيك عن الوحدة القومية أمر مستحيل إن لم يتم في سياق تغيير وتحديث ديمقراطي يحقق أربعة أمور هي تلك التي ألغاها وأطاح بها الاستبداد العربي ونعني بها السلطة والثروة والرأي العام والحقيقة، فبسم ذلك الشعار المأتي عليه، طبق هذا الاستبداد الرباعي عربياً بحيث أفضى إلى انكسارات متتالية على الصعيدين الوطني والقومي وإلى إخفاقات هائلة على صعيد التنمية والديمقراطية والحداثة وحقوق الإنسان، وخصوصاً الحقوق السياسية والثقافية للمرأة والرجل كليهما.

في مثل هذه الوضعية التي أوصلت إلى حطام عربي شامل، أخذ النظام العالمي الجديد المؤمرك يؤسس لانهزامات لا تتوقف عند مسائل التنمية والاقتصاد والسياسة والثقافة بل هي تسعى إلى طرح المسألة بالاعتبار الوجودي أما هذا الاعتبار الأخير فيتجسد في أن النظام المذكور يهدف الآن إلى ابتلاع العالم العربي، وعوالم أخرى وإعادة بنائها وفق آلية السوق الكونية (العولمة).

ولذلك نلاحظ على الصعيد الثقافي أن أسئلة الفكر العربي السياسي والمعرفي قبل نشأة النظام العالمي تبلورت بمثل الصيغة التالية: كيف يمكننا أن نحقق الوحدة والتقدم، في حين أن أسئلة الفكر العربي الراهن أي بعد نشأة النظام العالمي الجديد قد أكتسبت صيغة أخرى قد تكون التالية: تعبيراً عنها: كيف نبقي على الوجود العربي هوية وطاقة تاريخية مفتوحة والأمر بهذا وذاك أنتج تعقيداً هائلاً وضع الوطن برمته على كف عفريت يتأسس على إملاءات خارجية متتالية وعلى إصرار على رفض الإصلاحات الديمقراطية من الداخل.