شهادة دانيال بايمان أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي

شهادة دانيال بايمان أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي

ترجمة: غسان يوسف
الاحد 15 نيسان (أبريل) 2007.
 

شهادة دانيال بايمان أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي

واللجنة الفرعية للإرهاب ومنع إنتشار الأسلحة النووية

واللجنة الفرعية للشرق الأوسط وجنوب آسيا

مدير مركز الدراسات الأمنية والسياسية في جامعة جورج تاون

وزميل سابق في مركز سابان للشرق الأوسط في مؤسسطة بروكنفر

 

أتوجه بالشكر إلى رئيس اللجنة وأعضائها على إتاحتهم الفرصة لي كي أتحدث عن تحديات البرنامج النووي الإيراني للولايات المتحدة والذي يجعل من إيران تهديداً مخيفاً. على الرغم من هذا الخطر، فإن خيارات الولايات المتحدة في أحسن الأحوال تبدو محدودة. إن تورط الولايات المتحدة في العراق أضر بالنفوذ الأميركي في المنطقة وحسن موقع إيران التفاوضي، وعلى السياسة الأميركية أن تقر بضعفها النسبي بينما هي تجهد في الضغط على طهران. كانت جهود الولايات المتحدة للإطاحة بالنظام الإيراني ضعيفة. إن محاولة تغيير النظام والقصف وأشكال العنف الأخرى والضغط يحتمل أن تفشل، بل سيؤدي عكس ما هو مطلوب. إن إستراتيجية دولية بقيادة الولايات المتحدة، من أجل الضغط الإقتصادي على طهران وعزلها دبلوماسياً، تبدو الآن أفضل جهد ممكن، إذ يجب تغيير هذه الإستراتيجية من أجل تقوية الأصوات الإيرانية القلقة من البرنامج النووي الذي يؤدي إلى عزل إيران دولياً وتدهور إقتصادها.

 

لماذا تسعى إيران لإمتلاك الأسلحة النووية؟

إن الإكتشافات الأخيرة للهيئة الدولية للطاقة النووية أرغمت الحكومة الإيرانية على الإقرار بمدى برنامجها النووي، خصوصاً رغبتها في تطوير الدورة الكاملة لتخصيب اليورانيوم. هذا الإقرار عزز إعتقاد الولايات المتحدة بأن إيران تسعى لبرنامج نووي وأسهم أيضاً بإقناع الدول المشككة بهذا السعي، خصوصاً في أوروبا. مع أن معظم التقارير تقول أن إيران يمكن أن تمتلك السلاح النووي في غضون بضع سنين، فإن ثقتي في ذلك ضعيفة: إيران بعيدة جداً عن إمتلاك السلاح النووي، لكنه من المحتمل أن تحقق خرقاً نووياً أساسياً.

لقد سعت إيران للبرنامج النووي منذ عقود واستمر هذا السعي تحت قيادة النظام الديني، ولإيران اليوم مجموعة دوافع لإمتلاك هذا السلاح.


 

1- ردع الولايات المتحدة:

يعتقد العديد من القادة الإيرانيين أن الولايات المتحدة مصممة على تدمير الجمهورية الإيرانية، والقيادة الإيرانية معادية للولايات المتحدة في وقت يتسع معسكر العداء. الرئيس أحمدي نجاد-الذي يحظى بالإنتباه الكثير نظراً لتصريحاته النارية، ومرشد الثورة الإمام خامنئي، وعدد كبير من القيادات الصاعدة يرون أن الولايات المتحدة معادية وأنه يجب الإنضمام إلى تحالف مناهض لها، وربما ترؤس هذا التحالف.

أكثر من 25 سنة من الجهود الأميركية لعزل إيران وإضعافها وتغيير النظام فيها أدت إلى تخوف دائم من أهداف الولايات المتحدة. إن وجود القوات العسكرية الأميركية في الخليج بعد إنتهاء الحرب العراقية- الإيرانية أثار قلق العسكريين الإيرانيين.

إن غزو العراق وإحتلاله والإطاحة بنظام صدام حسين والإنتشار الأميركي في أفغانستان وآسيا الوسطى وفي بعض الأحيان في باكستان، خلق تهديداً قوياً لإيران. إن القوة العسكرية التقليدية لإيران متخلفة كثيراً عن القوة الأميركية، وقد أظهر الإيرانيون في مناسبات عديدة احتراماً حكيماً للقوة العسكرية الأميركية، ولهذا يرى القادة الإيرانيون أن السلاح النووي هو الضامن الوحيد لأمن نظامهم.

 

2 - توسيع نفوذ إيران الإقليمي:

يعطي السلاح النووي إيران قوة رادعة في مواجهة خصومها الإقليميين في العراق وباكستان حيث يزداد العنف المعادي للشيعة. ومن أهم عناصر هذه القوة الرادعة هو قدرتها على استعمال سلاح نووي لبسط نفوذ إيران على المنطقة بكاملها. وتريد إيران من برنامجها النووي أن يصبح وسيلة للدفاع عن العالم الإسلامي ضد إسرائيل.

 

3 - الدلالة على وضع إيران القوي:

السلاح النووي هو الرمز النهائي لقوة الدولة. سوف تبدو إيران قوة أساسية وستعامل على هذا الأساس، وسوف يعتبر ذلك مصدراً لفخر القيادة الإيرانية والشعب الإيراني.

 

4 - إكتساب دعم سياسي في الداخل:

مع تصاعد أزمة الملف النووي الإيراني على الصعيد الدولي أضحى هذا الملف موضوع خلاف داخل إيران. لقد إعتبر مؤيدو البرنامج النووي أنه يعبر عن هيبة إيران وعزتها وأن العالم يسعى لإخضاعها. إن أي تراجع في دعم البرنامج النووي سيعرض الساسة الإيرانيين الذين يتبنون هذا التراجع للإتهام بالتفريط بأمن إيران والتعرض لكرامتها والمتاجرة بقوتها.

عندما نقيِّم الآراء السياسية داخل إيران حول الملف النووي، من المهم أن نميز بين البرنامج النووي والسلاح النووي. ومع أن إزدواجية إيران في التعامل مع الوكالة الدولية للطاقة النووية تسمح بالإستنتاج بأنها تسعى لإمتلاك السلاح النووي، فإن هذا يؤدي إلى إعتزاز العديد من الإيرانيين وإعتباره انجازاً وطنياً عظيماً، ومن المحتمل أن يكتفي الجمهور الإيراني ببرنامج نووي إذا كان يضمن عدم تحوله إلى إنتاج السلاح النووي.

لأن هذه الحوافز قوية وتزداد قوة في السنين الأخيرة، فإنه من الصعب لهذه التغييرات المحدودة في السياسة الأميركية أو في البيئة الإقليمية أن تغير رغبة إيران في إمتلاكها للسلاح النووي. مثلاً، إذا وافق القادة الإيرانيون على إتفاقية أمنية إقليمية فإن ذلك يلغي باقي الأسباب للسعي نحو السلاح النووي.

هناك إتفاق داخل إيران حول الحصول على القوة النووية يقابله خلاف حول الثمن الذي يجب أن تدفعه إيران. البعض الأول من القادة، ومنهم الرئيس نجاد، لديه إلتزاماً عقائدياً بالبرنامج ووضعوا فيه كل رصيدهم لتحدي الغرب. لكن البعض الثاني يعتبر أن البرنامج (النووي) الإيراني لا يستحق المجازفة بالعقوبات الإقتصادية. اما أن البعض الثالث فيعتقد أن البرنامج هو حاجة لكنه يريد أن يحتفظ به كآخر خيار من أجل تفادي العقوبات. هذه الإختلافات تعتبر مصدراً لقوة الموقف الأميركي.

 

إدراك مخاطر إيران النووية:

إن إيران النووية خطر على المنطقة، ويجب على الولايات المتحدة أن تجعل من وقف البرنامج النووي الإيراني أولوية. وعلى الولايات المتحدة أن تدرك ما لن تفعله إيران إذا امتلكت السلاح النووي.

إيران النووية ستصبح أقوى في المنطقة وفي العالم لأنها ستكون أكثر أمناً من إنتقام الولايات المتحدة أو القوى الأخرى، إذ يمكن أن تستعمل قواها التقليدية أو تدعم الإرهاب بشدة دون أن تخاطر بالنظام، ويمكنها أن تدعم المعارضين وتضغط في الخلافات الثنائية مع جيرانها، وأن تتصرف بهجومية وضراوة بالإستناد إلى سلاحها النووي.

من وجهة النظر الأميركية، سوف تكون إيران أقوى في مسألتين أساسيتين: العراق ودعم الإرهاب. إيران تدرك تماماً التفوق العسكري الأميركي وهي تجنبت المواجهة المباشرة منذ عقود، لكنها تبقى أحد أكبر داعمي الإرهاب. لقد وضعت حدوداً لأتباعها ولكنها بالرغم من ذلك قدمت لهم الدعم. إيران دعمت عدداً من الفصائل العراقية المتورطة بالعنف لكنها، في المقابل، إمتنعت عن استخدام كامل قوتها. إيران قدمت السلاح والتدريب لبعض الميليشيات، وبعضها هاجم القوات الأميركية، وفي المقابل شجعت القيادة الإيرانية الجماعات الشيعية للإشتراك في الإنتخابات وجهود الإعمار.

إن نجاح البرنامج النووي الإيراني سوف يثير إنتشار السلاح النووي في المنطقة وسائر أنحاء العالم. فالسعودية وتركيا وبعض القوى الإقليمية تبدي قلقها من البرنامج النووي الإيراني ويمكن أن تحذو حذوها. كذلك الأمر بالنسبة لدولٍ كثيرة بعيدة عن إيران حيث ستسعى لإمتلاك السلاح النووي إذا كان ذلك يكلف عقوبات محدودة من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.

مع أن هذه الإحتمالات تثير القلق وهي كافية لوضع البرنامج النووي الإيراني في أولويات الولايات المتحدة، فإن إيران لا يبدو أنها ستتحرك إذا إمتلكت هذا السلاح. لا يحتمل أبداً أن تقوم بهجوم على الولايات المتحدة أو على إسرائيل أو على حليف عربي مستخدمةً السلاح النووي. ومع أن إيران ترغب بأن تكون قائدة إقليمية وأن تقوض النفوذ الأميركي، فإن الضربة النووية لا تخدم أهدافها. إن سلوك النظام يظهر أنه يدرك تماماً الدمار الذي سيلحقه الإنتقام من إيران في حال بادرت بتوجيه ضربة، كما أن القادة الإيرانيين، وبعكس زعماء كوريا الشمالية، لا يرغبون بتعريض حياة ملايين مواطنيهم للخطر.

ولا يحتمل أيضاً أن تزود إيران الجماعات الإرهابية بالسلاح النووي، لأن ذلك سوف يثير رد فعل كبير ضدها حتى لو حاولت إنكار مسؤولياتها. وليس مفاجئاً أن تكون إيران قد امتنعت عن تزويد المنظمات التابعة لها أو عملائها بأسلحة نووية أو بيولوجية. إن التنظيمات التابعة لإيران لا تسعى وراء السلاح النووي، كما تفعل القاعدة. حزب الله اللبناني مثلاً يبدو أنه يتفهم الخط الأحمر الذي رسمته الولايات المتحدة والقوى الدولية حول الإستعمال الإرهابي لهذه الأسلحة. والأكثر من ذلك فإن تكتيكات حزب الله الحالية ونظام أسلحته تمكنه من إحداث خسائر كبيرة يمكن أن تخرج هذه الخيارات من النافذة فقط في حال تهديد جدي لإيران مثل الغزو العسكري.

أخيراً عندما نبحث في إحتمال إستخدام إيران للسلاح النووي فإنه وبكل بساطة ليس لدينا فهم كامل للنوايا الإيرانية حول المسائل النووية. وهذا لا يعني إنتقاداً لمجموعة الإستخبارات الأميركية، بل وكما اعتقد، إن صناع السياسة في إيران ليس لديهم إستراتيجية وإجماع حول إمكانية إستخدام سلاح لم يتملكوه بعد.

 

خيارات سياسية فقيرة:

اقترح عدد من القادة وصناع القرار مجموعة سياسات من أجل التعامل مع الملف النووي الإيراني. ومن أجل التغطية على الضعف يمكن إعتماد عدد من الخيارات في الوقت نفسه (والخيارات التي تضعف الأخرى يجري تجنبها)، لكن حتى إعتمادها مع بعضها له حدود لا يمكن تجاوزها.

أولاً: المحادثات مع طهران:

إن التحادث مع طهران حول برنامجها النووي (أو حول العراق والإرهاب ومسائل أخرى) هو حساس والأمال ضعيفة وقد أشارت مجموعة دراسات العراق (بيكر-هاملتون) لضرورة التحادث مع أعداء الولايات المتحدة من أجل تحقيق أهدافها. وتحدث بالمنطق نفسه علي لاريجاني رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني -في معرض تطرقه إلى موضوع التحادث مع الولايات المتحدة- عندما قال: "إن العمل مع العدو هو جزء من فن السياسة".

المحادثات تخدم عدة أهداف، فهي تساعد الولايات المتحدة على إيصال موقفها إلى إيران من أجل كسب تفهم واقعي لمواقف إيران حول مسائل متعددة. يمكن للولايات المتحدة أن تقنع أو ترغم إيران بشكل أفضل. بالإضافة إلى ذلك، إن المحادثات تقر حقيقة يقبل بها كل الشرق أوسطيين: إيرن دولة إقليمية قوية، ويجب أن نفهم إهتماماتها وأهمها إحراز التقدم في جميع القضايا الساخنة في المنطقة. إن الإقرار بذلك يساعد في التخفيف من القلق الأمني. أخيراً، إن إجراء المحادثات سوف يقلل من قلق حلفاء الولايات المتحدة من أنها تتخذ مواقف متحيزة ضد طهران ويجعل من الأسهل كسب تأييدهم من أجل خيارات أخرى أقوى.

هناك أسباب بعيدة المدى من أجل التحادث مع إيران، إن معظم الشعب الإيراني وحتى العديد من القادة يسعون لتحسين علاقتهم مع الولايات المتحدة. القادة بشكل خاص يسعون إلى فوائد العلاقة الجيدة دون أن يدفعوا الثمن في مجال تغيير السياسات، ولكن من المهم أن نذكر أن العداوة ليست ثابتة، وهذا شائع لدى غالبية الإيرانيين. هناك نوايا صادقة تجاه الولايات المتحدة بشكل يفاجئ البعض. وهكذا يسمح للقادة الإيرانيين أن يغيروا سلوكهم تجاه واشنطن مما يعطيهم مكاسب سياسية.

لكن يجب أن نكون واقعيين حول ما يمكن أن تحققه هذه المحادثات في الجو السياسي الراهن. لقد أظهرت إيران منذ زمن عدم قدرتها على تطوير موقفها فيما يتعلق بالولايات المتحدة ولا يوجد سبب لأن نتوقع ذلك حالياً.

بالإضافة إلى البرنامج النووي، إن طهران تبدو ملتزمة بتقويض النفوذ الإقليمي للولايات المتحدة، وبمحاربة إسرائيل وبدعم المجموعات الإرهابية. إن التقدم على جميع هذه الجبهات غير واقعي.

إن موقف الولايات المتحدة الضعيف في المنطقة، يحمل في طياته كل هذه المشاكل. إن الصعوبات التي واجهتها الولايات المتحدة في العراق تركت القوات الأميركية في وضع الإنتشار الواسع النطاق وتركت السياسة الأميركية في وضع غير مقبول في المنطقة. يعتقد العديد من الإيرانيين أن موقف الولايات المتحدة المرجح هو مزيد من السعي لتدهور الأوضاع. أما إيران فقد وجدت أن نفوذها يقوى في العراق وهيبتها الإقليمية تزداد بمواقف الرئيس أحمدي نجاد المتحدية لواشنطن. إن توقيف العناصر الإيرانيين مؤخراً وإنتشار مجموعة حاملة طائرات جديدة في الخليج تعتبر رسالة شديدة اللهجة إلى إيران، ومع ذلك فإنها لم تتسبب في إرغام إيران على إعادة تقييم سياستها تجاه الولايات المتحدة والنظر إليها أنها تفاوض من موقع الضعيف (مع أنه جرى تنبيه إيران أنه في حال فشل التحادث مع الولايات المتحدة فإن ذلك يعرضها للخطر).

يجب أن نتحدث إلى إيران ويمكننا أن نتحدث، كما أنه يجب أن لا نتوقع أن المحادثات وحدها قد تحقق أهداف الولايات المتحدة.

 

ثانياً: الضغط الإقتصادي:

إن شد الخناق الإقتصادي على إيران هو من أفضل الخيارات السياسية مع العلم أنه محدود. تعاني إيران من مشاكل إقتصادية تجعل من الإستثمارات الأجنبية ضرورية للنهوض بالإقتصاد. على الرغم من الإرتفاع في أسعار النفط، نرى إيران تعاني من نسبة عالية من البطالة وهي في ازدياد مع تكاثر دخول الشباب إلى سوق العمل، والفساد شائع في مختلف المستويات الحكومية. المنشآت النفطية الإيرانية مترهلة، الإقتصاد مركزي جداً ويتعرض للمشاكل بسبب دور المؤسسات شبه الحكومية، التضخم عالي جداً، وزادت سياسات الرئيس نجاد منه، وإرتفعت أسعار الموارد الغذائية بنسبة 25 %. إيران بحاجة إلى استثمارات أجنبية تقدر بعشرات المليارات من الدولارات من أجل تغيير هذا الوضع.

العديد من القادة الإيرانيين بمن فيهم الذين لا يكنون مودة للولايات المتحدة يدركون طبيعة هذه الأزمة العميقة.

كان للتهديد بإجراءات عقابية إقتصادية دولية الدور الأساسي في إقناع إيران بتخفيف دعمها للإرهاب الدولي في منتصف التسعينات ويمكن أن يساعد في إبطاء وتيرة البرنامج النووي. في منتصف التسعينات، أدت سلسلة من الهجمات الإرهابية الإيرانية في أوروبا والشرق الأوسط إلى درجة نادرة من التوحد بين القوى الغربية كان له زخم يسمح بفرض عقوبات إقتصادية شاملة أو حتى دعم ضربات عسكرية أميركية. وخوفاً من أن يؤدي تزايد العقوبات إلى الإضرار بالبرنامج الإقتصادي وعزل النظام الإيراني، أوقفت حكومة الرئيس رفسنجاني أعمال اغتيال المنشقين في أوروبا وأصلحت الأمور مع دول الخليج، ومع أنها لم تنجح في وقف الإرهاب بشكل تام فإن الضغط الدولي الذي قادته الولايات المتحدة أضر بإيران بشكل ما. كما أن الضغط المالي عبر جهود واشنطن الناجحة لمنع تمويل إيران من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي جعل مشكلة الديون الإيرانية تزداد.

مع أن الضغط المماثل يعطي نتائج إلا أنه من المحتمل أن لا يؤدي إلى نتائج كبيرة. في منتصف التسعينات كانت أسعار النفط في أدنى مستوى لها حيث جعلت القيادة الإيرانية من الإنفتاح والنمو الإقتصادي أولوية لها. اليوم أسعار النفط أعلى بكثير وأعطت النظام مجالاً للتنفس بالنسبة للإصلاحات والإستثمارات الأجنبية. يضاف إلى ذلك أن العديد من القادة الإيرانيين لديه شكوك حول السيطرة الأجنبية ويحبذ سياسة الإكتفاء الذاتي، وهي فلسفة إقتصادية أظهرت أنها مدمرة للإقتصاد ولم تحقق أية نتيجة سوى أنها تجعل من الضغوط الإقتصادية أقل تأثيراً على المدى القصير.

واليوم هناك دعم قليل للعقوبات الشديدة، فالعديد من الدول لا تشارك الولايات المتحدة قلقها حول البرنامج النووي وتخاف من خسارتها لفرص الإستثمار في إيران. ولحسن الحظ، إن سياسة أحمدي نجاد المتطرفة والتعامل الغامض في الملف النووي دفع الدول الأوروبية وحتى روسيا لإنتهاج سياسة أكثر مسؤولية جعلت بالإمكان التهديد بعقوبات متواضعة. يمكن لذلك أن يتغير بسهولة.

تظهر التطورات الأخيرة في إيران أن الإقتصاد سوف يتقدم إلى أعلى سلم الأولويات، ولقد أظهر مؤيدو أحمدي نجاد في الإنتخابات البلدية التي جرت في 15 كانون الأول الماضي ضعفاً، وإذ وصلت إلى المسؤولية شخصيات براغماتية. كما أن الصحف المحافظة انتقدت الرئيس نجاد، وكل من الرئيس السابق رفسنجاني -رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام- وآية الله أحمد جنتي -رئيس مجلس صيانة الدستور- انتقداه بسبب سياسته الإقتصادية وإدارته للسياسة الخارجية. إن العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة، أدت إلى قيام 50 عضواً من البرلمان ومنهم بعض الإصلاحيين إلى الطلب من الرئيس نجاد تفسيراً لسياسته.

ثالثاً: الضربة العسكرية:

من المفهوم أن ضربة أميركية لمنشآت تخصيب اليورانيوم في ناتانز ومنشآت تحويل اليورانيوم في أصفهان أو أهداف أخرى سوف تؤدي إلى نكسة للبرنامج النووي الإيراني. ليس واضحاً ما إذا كانت الولايات المتحدة تملك المعلومات الإستخبارية اللازمة لإستهداف هذه المواقع. في إشارتها إلى إيران، وجدت لجنة الإمكانات الإستخبارية الأميركية لأسلحة الدمار الشامل أن الولايات المتحدة لها "دخول محدود إلى المعلومات الحساسة حول العديد من تلك الأهداف ذات الأفضلية الإستخبارية العالية"، والأكثر من ذلك فإن توجيه ضربة بذخائر تقليدية يمكن أن لا يتسبب بنكسة للبرنامج النووي حتى لو كانت المعلومات الإستخبارية صحيحة. لقد تخوفت إيران منذ زمن طويل من هذه الضربة، فالعديد من منشآتها هي إما تحت الأرض أو مخبأة أو يصعب تحديدها. في السنوات الأخيرة، عززت طهران بعض المواقع الحساسة من أجل تمكينها من مقاومة القصف.

يمكن للضربة أن تتسبب بمفاعيل طويلة الأمد قد تؤذي مصالح الولايات المتحدة فيما يتعلق بالبرنامج النووي. من الأرجح أن تؤدي الضربة العسكرية الأميركية إلى إقدام إيران على مضاعفة جهودها من أجل حيازة السلاح النووي. إن ذلك يثبت عدائية الولايات المتحدة ويضعف الأصوات المعتدلة التي تعارض البرنامج النووي. بالإضافة إلى ذلك، سوف تشوه الضربة العسكرية صورة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والمجتمع الدولي حيث ينظر إليها اليوم على أنها تفرح بالضغط على الزناد ولا ترغب بالعناق الدبلوماسي.

والأخطر من ذلك، يمكن لإيران أن ترد. مع إحتمال استثناء العراق، تبدو إيران أنها لا تستهدف الأميركيين بالإرهاب منذ هجوم الخبر عام 1996 مع أنها تحتفظ بالإمكانات لمثل هذه الأعمال. إيران تعتمد الإرهاب وسيلة للردع وتضع السفارات الأميركية ومنشآت أخرى أهدافاً للرد إذا ما مارست الولايات المتحدة الضغط. إذا هاجمت الولايات المتحدة إيران يمكن لها أن تنتقم عبر الهجوم على منشآت أميركية حول العالم.

بالإضافة إلى قوات حفظ السلام الأوروبية المنتشرة في لبنان حيث يتواجد حزب الله حليف إيران القوي، وهذا يؤمن مجالاً لضرب أي حليف يساعد الولايات المتحدة عسكرياً. يبدو العراق المسرح الأكبر للإنتقام الإيراني، فأية ضربة عسكرية أميركية ستؤدي إلى زيادة النشاط الإيراني في العراق وتحول بعض المناطق المسالمة نسبياً إلى مناطق حرب توازي أسوأ بقعة في الأنبار. يتحدث المعلقون الإيرانيون صراحة عن 140 ألف رهينة أميركية في العراق وهم يرون الوجود العسكري الأميركي في العراق مصدراً لقوتهم.

رابعاً: تغيير النظام:

حاولت الولايات المتحدة جاهدة تغيير النظام في إيران من خلال السياسة والإعلام ومن خلال دعم مجموعات المعارضة مع تمويل محدود نسبياً. لم تحقق هذه الجهود أي تقدم. إن النظام الإيراني قد تخندق دفاعياً بشكل قوي وأجهزته الأمنية اخترقت مختلف الحركات المعارضة وحققت نجاحاً معتبراً في ذلك المجال. إن أقوى مصادر المعارضة تأثيراً على النظام الإيراني هي محلية وعملت بشكل واسع من داخل النظام ودون دعم من الولايات المتحدة. والأكثر أهمية في هذا المجال أن الشعب الإيراني يتمتع بروح وطنية عالية جداً، ولديه تململ من النظام الديني وسيطرة رجال الدين، الا إن لدى الإيرانيين حساسية من التدخلات الخارجية، ولهذا فإن الدعم الأميركي للمعارضة يؤدي إلى إضعافها وإضعاف أية قوة أخرى نساعدها.

إن محاولات تغيير النظام تؤثر على مفاهيم القادة الإيرانيين من براغماتيين وعقائديين، ومع أن الأموال المنفقة هي قليلة جداً، فإنها تدعم النظرة القائلة بأن الولايات المتحدة ترغب بتدمير الجمهورية الإسلامية وتعطي الذخائر اللازمة للمحافظين لإضعاف الأصوات التي تطالب بالتعاون مع الولايات المتحدة.

شكل النقاش حول إيران

تسهم القرارات السياسية الأميركية بإثارة نقاش في داخل إيران حول كيف وهل نواجه الولايات المتحدة والمجتمع الدولي حول الملف النووي وكذلك العراق والإرهاب ومشاكل أخرى.

مع أن معظم الإيرانيين يحبذون البرنامج النووي، فإن العديد منهم لا يرغب بالتضحية بالنمو الإقتصادي من أجل الخيار النووي. إن معسكر الإصلاحيين في إيران ضعيف ومعظم قياداته ضعيفة، وعلى أي حال فإن عدداً من النخب الإيرانية، وهي جزء من النظام الديني، تعتقد أن تركيز الحكومة يجب أن يكون على النمو الإقتصادي وليس المواجهة مع الولايات المتحدة. يواجههم في ذلك عدد من العقائديين، ولكن لا يبدو أن أي معسكر قادر على السيطرة على الحكومة بشكل تام. وهنا تواجه الولايات المتحدة نقطة توازن صعبة: يجب أن تضغط على إيران بشدة ولدرجة تشعر أن التهديد حقيقي ولكن في الوقت نفسه لا تضغط كثيراً لتقنع البراغماتيين أن العداء الأميركي لإيران لا يتغير وأنه لا سبيل أمام إيران إلا ببناء السلاح النووي.

يمكن للتهديدات الأميركية بالعقوبات والعزل أن تقوي معسكر الإصلاحيين والبراغماتيين الإقتصاديين، ولكننا لا يمكن أن نراهن على نجاحهم. إن عوامل عديدة تحدد هذا النقاش يقع بعضها خارج سيطرة الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك وعلى الرغم من جهود وكالات الإستخبارات الأميركية، فإن الحكومة الأميركية تفتقد لمعلومات كافية حول أبرز اللاعبين السياسيين الذين لا يظهرون إلا بعد إتخاذ القرار.

ومع النقص الكبير في المعلومات حول سياسات النظام الإيراني، يبقى أفضل رهان للولايات المتحدة أن تضع خياراتها حول إيران: عدم القيام بالعزل أو الضغط الإقتصادي إذا ابتعدت عن برنامجها النووي مقابل الضغط الدائم إذا استمرت بتحدي المجتمع الدولي. ومع أنها (أي الولايات المتحدة) تنزع دائماً إلى العمل من خلف الستار، فإن السياسة الأكثر فاعلية هي السياسة المعلنة بحيث يستطيع جميع الإيرانيين أن يفهموا الخيارات المتاحة أمامهم عوض أن يقوم رجال الدين بتزويدهم بمعلومات تسهم في دعم المواقف الرافضة.

يجب أن يستمر الضغط الدبلوماسي والإقتصادي ويجب أن يكون جماعياً حتى يصبح فعالاً. لقد توصل البراغماتيون والعقائديون إلى تسوية سياسية وهي محاولة فصل الولايات المتحدة عن باقي الدول الكبرى. في هذه الحالة تحتفظ إيران بأجندتها العقائدية المعادية للولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تحافظ على العلاقات التجارية وتؤمن الإستثمار من أجل تطوير الإقتصاد الإيراني.

إذا واجهت إيران جبهة متحدة، كما حصل في منتصف التسعينات يمكن أن يحصل ثانية اليوم، فإنه من المحتمل أن تتراجع. إن محاولة الولايات المتحدة الأخيرة لوقف الإستثمارات الأوروبية واليابانية في القطاع النفطي الإيراني هو وسيلة حساسة لفرض الضغط على إيران.

يجب أن يحترس القادة الأميركيون من الضغط العسكري، فالتوقيفات الأخيرة لعناصر الإستخبارات الإيرانية ومسؤولي الميليشيات في العراق ونشر حاملة طائرات جديدة ينذر برد فعل ضد الولايات المتحدة ويقوي موقف المتشددين العقائديين في طهران. بالإضافة إلى أنه يبدو من غير الواضح ما إذا كان الأميركيون يريدون أن يرفعوا من تهديداتهم إذا قررت إيران التصعيد ضد الولايات المتحدة في العراق والقضاء على التحدي الأميركي. إن هذا النوع من الخداع (البلوف) يجعل من الضغط العسكري في المستقبل أصعب.

القوى الإقليمية والقوى الإقتصادية الكبرى في أوروبا وعدد من اللاعبين مثل الصين وروسيا اليابان هي أدوات هامة في الجهد من أجل عزل إيران. لذلك يجب على واشنطن أن تتشاور وبعناية مع هذه القوى من أجل إطلاق تهديدات جدية حول المخالفات الإيرانية في الحاضر والمستقبل. يجب أن تضع الدبلوماسية الأميركية الملف النووي كأولوية في علاقاتها مع هذه الدول حتى لو كان ذلك على حساب باقي الشؤون.

الضغط المستمر ضروري. حاولت إيران في الماضي أن تتملص من العقوبات بتقديم تنازلات رمزية أو تعلن تخليها عن سياسة مثيرة للجدل، فيما تقوم بأتباعها بشكل سري. يمكن لإيران أيضاً أن تعتقد أنه بإمكانها إعادة إطلاق البرنامج النووي حال حدوث خلاف بين الولايات المتحدة وسائر القوى الكبرى حول مسائل في السياسة الخارجية. إن تقدم إيران في النشاط النووي حتى الآن يعني أنه يمكن إستئناف هذا النشاط من موقع متقدم حتى لو كان هناك ثغرة كبيرة اليوم. وهكذا فإن مجموعة العصي المستخدمة في تهديد إيران يجب أن تكون لها مصداقية في السنوات المقبلة، يجب أن يتصاعد الضغط طالما إستمر التحدي الإيراني. يجب أن يرغم القادة الإيرانيون على الإقرار أنه ليس عليهم فقط أن يعانوا من العزل والعقوبات الإقتصادية، ولكن إن هذه المعاناة سوف تزداد إذا بقوا على وضعهم الحالي في التحدي.

يجب أن يبقى البرنامج النووي الإيراني أولوية استخبارية، وهذا ضروري قبل البدء بأي عقوبات وهو يساعد على جعل أي خيار عسكري أكثر ملائمة في حال فشل باقي الخيارات.

إذا أظهرت إيران علامات التراجع يجب أن تظهر الولايات المتحدة ليونة كافية لتسمح لها بذلك. يجب أن تحظى الإدارة بدعم الكونغرس من أجل تقديم عدد محدد من الجزرات كرد على التغير الحقيقي في السلوك. مثلاً، يمكن للولايات المتحدة أن توافق على مسألة الأرصدة المالية المحتجزة منذ عهد الشاه محمد رضا بهلوي. إن خطوة كبيرة كهذه ليست تنازلاً هاماً، لكنها تسمح للمتشددين الإيرانيين بإنقاذ وجوههم وتعطى البراغماتيين ذخيرة حين يناقشون أن عداوة الولايات المتحدة ليست دائمة إذا لم تجعل إيران من برنامجها النووي أولوية. كذلك يجب أن تحضر الولايات المتحدة نفسها من أجل صرف النظر عن تغيير النظام، إذا بات واضحاً أن إيران سوف تقدم تنازلات بارزة مقابل ذلك، وإعلانها أن هذه التنازلات موجودة على طاولة المفاوضات ضروري من أجل تهدئة مخاوف حلفاء واشنطن وعدم إبقائها معنية فقط بالمواجهة.

في الوقت نفسه، يجب على الولايات المتحدة أن تحصن نفسها ضد الفشل، يجب أن يبدأ التخطيط حول خطوط حمر أميركية بالنسبة للعراق وإسرائيل والمملكة العربية السعودية وعدد من الدول ذات الأولوية في الإهتمام. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تبدأ واشنطن المفاوضات مع حلفائها الإقليميين من أجل محاولة وقف موجة إنتشار الأسلحة النووية في المنطقة، وهذا يتطلب ضمانات أمنية إضافية ويعيد تشكيل الإعتبارات اللازمة لتموضع القوات العسكرية الأميركية.