العدد الواحد والعشرون - نيسان2007

احتلال العراق والمخطط الصهيوني الأميركي للمنطقة

زياد المنجد
الاحد 15 نيسان (أبريل) 2007.
 

نستطيع أن نسلّط الضوء على ماهية وأبعاد المخطط الصهيوني- الأميركي على المنطقة باستذكار مقولتين، إحداهما لبرنارد لويس الأب الروحي للمحافظين الجدد والثانية لعرّاب السياسة الأميركية في العالم في سبعينيات القرن الماضي هنري كيسنجر.

بشّر لويس في إحدى كتاباته أن الحروب القادمة في الشرق الأوسط لن تكون بين الدول بل ستكون داخلها(1). و كتب كيسنجر في مذكراته قائلاً:" من يريد السيطرة على الأمة العربية والإسلامية، عليه أن يدمّر إرادة الأمة العراقية، فهي الحلقة الرئيسية فيه"(2).

كلام لويس يعطينا أبعاد المخطط المبيّت للمنطقة العربية بجعل الصراع داخل الدول أي بين المكونات الاجتماعية لها، بحيث تكون الصراعات بين هذه المكونات الاثنية والقومية، مما يؤدي بالنتيجة إلى تفتيت تلك الدول إلى كيانات طائفية وعرقية متصارعة، ويؤدي إلى نتيجة أخرى حتمية هي نسيان صراعنا مع الكيان الصهيوني الذي سيلعب دوراً رئيسياً في مد أطراف هذه الصراعات بكل الوسائل التي تكفل استمرارها، والانتهاء الى تشكيل كانتونات طائفية وعرقية.

هذا بالضبط هدف مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي سنتحدث عنه بالتفصيل كإحدى الحلقات الرئيسية في مشروع استهداف المنطقة العربية.

أن ما سبق يعطي تفسيراً لاستهداف واحتلال العراق، كحلقة أولى من حلقات متعددة لتنفيذ هذا المخطط عملاً بنصيحة كيسنجر، للسيطرة على العالمين العربي والإسلامي.

التنسيق الأميركي- الصهيوني لاحتلال العراق

كان التنسيق الأميركي- الصهيوني كاملاً في الحرب على العراق، فقد أطلع بوش المجرم شارون على خطته الحربية ضد العراق قبل خمسة أشهر من اندلاع الحرب، ووعده بأن يبلغه بقرار الحرب قبل يومين من بدأها(3).

وللدلالة على بهجة الصهاينة بهذه الحرب، أصدر حاخامات اليهود، بعد انقضاء الأسبوع الأول منها، فتوى اعتبروا فيها العراق جزءاً من أرض إسرائيل الكبرى، وطالبت الفتوى من الجنود اليهود في القوات الأميركية والبريطانية المشاركة في الحرب على العراق، أن يؤدوا صلاة خاصة، كلما أقاموا خيمة، أو شيدوا بناء وألزمت الفتوى الجنود اليهود بتلاوة الدعاء التالي كلما شاهدوا بابل:" (مبارك أنت ربنا ملك العالم لأنك دمرت بابل)"، وهذا يدل على مدى الحقد الذي يكنونه لبابل، التي ارتبط اسمها بالسبي البابلي.

كما صرح أحد الحاخامات بعيد انطلاق الحرب قائلاً: "(عرب بلا عراق أفضل من عرب في العراق)". وما أراده الأمريكان من احتلالهم للعراق هو فتح أبوابه أمام الصهاينة. هذا ما حصل من خلال تواجد المخابرات الصهيونية في مفاصل مؤسسات العراق التي أنشأها الاحتلال، إضافة إلى مقرات المخابرات الصهيونية المنتشرة في البلدات ، والتي تحصّنت بشكل متين يجعل من الصعب حتى على الحكومة العراقية أن تعرف ما بداخلها. هدف الاحتلال أيضاً إلى فسح المجال أمام التغلغل الاقتصادي الصهيوني في العراق المحتل، وليس أدل على ذلك سوى دعوة نائب وزير الخزانة الأميركية جون تايلور في منتدى دافوس الاقتصادي، الذي عقد في الأردن، الإسرائيليين لاستغلال الواقع الاقتصادي الجديد في العراق.

هذا التغلغل الصهيوني، سيشكل حلقة مهمة وأساسية في البرنامج الصهيوني- الأميركي لاستهداف المنطقة العربية، وتحقيق وبناء دولة الطوائف انطلاقاً من العراق، لتعميمها على المنطقة عن طريق تحقيق الشرق الأوسط الجديد.

تحاول بعض القوى في العراق اعطاء الطابع الطائفي للحرب السياسية الدائرة بينها وبين أطراف أخرى، بتشجيع من الصهاينة والاحتلال الذي سخّر ما لديه لإشعال الفتنة الطائفية، وأنشأ أجهزة متخصصة أطلق عليها فرق الموت وبشهادة الغربيين أنفسهم. ولقد سلط ماكس فولر(4) في إحدى مقالاته بعنوان :(التضليل الإعلامي وفرق الموت في العراق المحتل) على تركيبة هذه الفرق، وأشخاصها، وارتباطها الكلي بال "سي أي ايه"، والتي اتخذت من وزارتي الداخلية والدفاع العراقيتين مكاناً لعملها، إحداها مكلفة بقتل الشيعة والأخرى بقتل السنة، من أجل تحقيق الاقتتال الطائفي الذي سينتهي في حال نجاحه، إلى دولة الطوائف، الممهدة لبناء الشرق الأوسط الجديد والرامي إلى دمج الكيان الصهيوني في المنطقة، كمقدمة لتوليه القيادة، وإعادة رسم خريطة جديدة للمنطقة، لتجزئة الوطن، وإضعاف الأمة، وإعادة تشكيلها من شعوب، وقوميات، وأديان، وحضارات مختلفة، لخدمة مصالح الإمبريالية الأمريكية والصهيونية، بقصد السيطرة عليها والتحكم بصياغة حاضرها ومستقبلها.

الشرق الأوسط وسيلة لتحقيق الهدف

وضمن هذا الشرق الأوسط، يتنبأ برنارد لويس بأن الدول العربية هي الأكثر تعرضاً لخطر التفكّك(5)، وأنها ليست الوحيدة، فالاتجاه نحو التفكك سيزداد بتشجيع من الشعور الاثني والشعور الطائفي المتناميين مع الترويج لفكرة حق تقرير المصير لهذه الأقليات التي تشكل تلك الدول. وأكد لويس في إحدى مقالاته، عام ،1992 أن غالبية دول الشرق الأوسط مصطنعة وحديثة التكوين وهي مكشوفة لعملية التفتيت، خاصة في حال إضعاف السلطة المركزية التي يؤدي غيابها إلى تحقيق عملية التفتيت فليس هناك برأيه مجتمعا" مدنيا" حقيقيا" يضمن تماسك الكيان السياسي للدولة، ولا شعورا" حقيقيا" بالهوية الوطنية المشتركة أو ولاء للدولة الأمة.

ولذلك طالب لويس الإدارة الأميركية، في عدة مقالات، بعدم إظهار الضعف تجاه العرب والمسلمين، ودعاها إلى صرف المخاوف من إثارة غضب الشارع العربي، فهو يرى "أن لا شيء مهماً في تلك المنطقة من العالم سوى الإرادة الحازمة والقوة".

وظهرت أصوات أخرى تنادي بإعادة تقسيم الشرق الأوسط، فلقد وضع رالف بيترز، وهو مقدم متقاعد في الاستخبارات العسكرية الأميركية، مخططاً لإعادة تقسيم الشرق الأوسط عبر مقال نشرته مجلة القوات المسلحة الأميركية في عدد حزيران 2006 يقول فيه: إن ظلماً فادحاً لحق بأقليات الشرق الأوسط، نتيجة اتفاقية سايكس- بيكو ويذكر منهم الأكراد، والشيعة العرب.- ومسيحيي الشرق الأوسط والبهائيين وغيرهم.

وينطلق بيترز من أن كراهية شديدة موجودة بين الجماعات الدينية والاثنية في المنطقة، ولذلك يجب أن يعاد تقسيم الشرق الأوسط انطلاقاً من تركيبته السكانية غير المتجانسة القائمة على الأديان والمذاهب، والقوميات، والأقليات حتى يعود السلام إليه.

ويقدم بيترز خريطته للشرق الأوسط الجديد، فيتحدث عن تقسيم العراق إلى ثلاث دول، كردية في الشمال، وشيعية في الجنوب، وسنية في الوسط، وكذلك السعودية وباقي الدول العربية.

هذه الأفكار التي تخدم مشروع الصهاينة، وتلقى تشجيعاً من اللوبي الصهيوني في أميركا، لاقت أيضاً رواجاً ممن يسمون بالمسيحيين الصهاينة المنتمين إلى الأكثرية البروتستانتية في أميركا، والواقعة تحت تأثير هذا اللوبي، وما جعلها أكثر تحمساً للكيان الصهيوني من اليهود أنفسهم، فرفعت شعاراً يقول: لكي تكون مسيحياً جيداً، عليك أن تدعم إسرائيل. ويبلغ عددهم قرابة 35 مليوناً في الولايات المتحدة، ويسمون بالطائفة التدبيرية، منظمون تنظيماً جيداً، ولهم سفارات في كثير من العواصم، يجتمعون باستمرار لمراجعة أعمالهم وما تحقق منها. وينتمي إلى هذه الطائفة أيضا" القس اجراهام الابن، الذي ردد القسم لجورج بوش الابن، وكذلك المحافظون الجدد، الذين سيطروا على القرار في عهد بوش الابن، والذين أخذوا على عاتقهم تنفيذ المشروع الصهيوني في المنطقة العربية، وتحقيق الشرق الأوسط الجديد.

وتحت تأثير المحافظين الجدد، حددت إدارة بوش برنامجاً سياسياً واضح المعالم في الشرق الأوسط، استند أساساً إلى البنود التي تضمنتها استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة، والتي تم إعلانها في العشرين من أيلول عام 2002، والقاضية بعدم ظهور قوى منافسة للولايات المتحدة، إقليمياً أودولياً، وانتهاج أسلوب الضربة العسكرية الوقائية ضد دول يحتمل أن تصبح عدواً للولايات المتحدة مستقبلاً. وتعدّ سياسة الحروب الاستباقية، التي وضع بوش فيها نهاية لسياسة الاحتواء، التي اعتمدتها الإدارات الأميركية لخمسين عاماً مضت، نتاج مهم لتأثيرات المحافظين الجدد، وبهذا لم تعد الولايات المتحدة بحاجة إلى التعرّض لهجوم ما لكي تشن الحرب، بل إنها تستطيع شن هجوم بعمل استباقي بمجرد الشعور بخطر محدق عليها، أو على أحد حلفائها، ويمكنها الانفراد بالاستباق، أو تقدم عليه مع أطراف متعددة، وهذا ما حصل في الحرب الأميركية ضد العراق. وللاستفادة من سيطرة المحافظين الجدد على السلطة في أميركا وتسخير توجهاتهم العدوانية لصالح المشروع الصهيوني في المنطقة العربية، باشرت قوى الشر الصهيوني بوضع الخطط لتنفيذ ما تحلم بتحقيقه.

ولتجسيد المخطط على أرض الواقع، عقد اجتماع مشترك، بين المجلس اليهودي العالمي في نيويورك ومنظمة ايباك الصهيونية عام 1982 حضره رئيس الوزراء الصهيوني السابق اسحق رابين. وتم في هذا الاجتماع الاتفاق على خطة لتقسيم 7 دول عربية، خمس منها حدد العام 2020 للانتهاء من تقسيمها وهي السودان والصومال والعراق وسوريا ولبنان، واثنتان حدد العام 2030 للانتهاء من تقسيمهما، وهي مصر والسعودية. وقد اقترح رابين في ذلك الاجتماع، دمج المرحلتين والانتهاء من مشروع تفتيت تلك الدول عام 2025.

ولو نظرنا إلى الواقع، لوجدنا أن المخطط يحقق تقدماً على الأرض فالصومال أصبح بحكم المجزأ، والسودان يعيش حالة إرباك، وما صدور قرار مجلس الأمن 1706 القاضي بإرسال قوات أممية إلى إقليم دارفور إلا مقدمة لاستهداف السودان. والعراق اليوم يعيش مقدمات التفتيت، ولقد تحسّب الاحتلال إلى عدم تحقيق مشروعه بإثارة الفتنة الطائفية، فعمد إلى نشر ثقافة الفيدرالية بين الأوساط السياسية التي تتحكم بالسلطة الحالية، وعمد إلى تضمين الدستور العراقي، الذي وضع بإشراف أميركي وفق مبدأ الفيدرالية الذي يقضي بتقسيم العراق الى ثلاث دويلات تحت غطاء قانوني.

لقد شكل احتلال العراق قاعدة لانطلاق المشروع الصهيوني- الأميركي نحو سوريا ولبنان، إلا أن الاحتلال اصطدم بواقع لم يكن في الحسبان.

فالاحتلال تحسّب لكل شيء قبل فعلته إلا أن شيئاً واحداً لم يكن في حساباته وهو ظهور المقاومة العراقية بهذا الشكل، فقد خدعه عملائه حين أوهموه أن الورد العراقي سيكون باستقبال جنوده، معتقداً أنه سيمر مرور الكرام على العراق متجهاً نحو الغرب، منهياً آخر قلاع القومية في الوطن العربي. وقد مهد لهذا العمل بإصدار قانون محاسبة سورية، وإصدار مجلس الأمن القرار 1559 ومن ثم اغتيال الحريري، وقبلها كيل الاتهامات لسورية بتصدير ما يسميه "بالإرهاب" إلى العراق عبر حدودها، وإعطاء الضوء الأخضر للقوى العميلة له في لبنان بالتحرك حيث ظهرت قوى الرابع عشر من شباط، وبدأت الحملة ضد سوريا ودورها القومي، إلا أن هذا التحرك اللبناني بدا وكأنه سابق لأوانه بسبب فشل الاحتلال في العراق من تحقيق أهدافه، والانتقال إلى هدفه الثاني أي سورية، وهذا ما يفسر عدم استطاعة قوى الرابع عشر من شباط تحقيق أي من أهدافها المعادية.

إلا أن ذلك لا يعني ابتعاد الخطر عن بلدنا، فالخطر قائم وينتظر أصحابه تحضير بدائل الاستهداف، وستكون المحكمة الدولية التي تصر الأطراف اللبنانية في المخطط على إنشائها، بناء" على الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، إحدى البدائل لاستهداف سوريا، وتحقيق واستكمال المخطط الصهيوني- الأميركي للمنطقة. أمامنا أيام صعبة وعسيرة، ولا أريد أن أكون متشائماً، إنما المتتبع للمنهج الصهيوني الأميركي يدرك هذا الأمر ولمواجهة هذه الأيام علينا أن نعدّ العدّة، وأن نكتسب مما حصل في العراق دروساً، وأولها الحرص على الوحدة الوطنية وتعميقها، وزيادة التلاحم بين القيادة والشعب، وهي مسؤولية مشتركة يجب على الطرفين تفعيلها. لقد علمتنا الأحداث أن الاستقواء بالشعب هو الأنجع للتصدّي لعدوان الغزاة، وأن الأمر ليس بكثرة السلاح ونوعيته، إنما بخلق الإنسان المقاوم، المؤمن بالدفاع عن وطنه، وخلق هذا الإنسان يحتاج إلى شعوره بالانتماء إلى الوطن وبأنه جزء فاعل فيه، والإيمان المطلق بأن الوطن للجميع، وحماية أمنه وسلامته هي مسؤولية الجميع بغض النظر عن الخلاف في وجهات النظر بين الحاكم والمحكوم.

ويجب أن نتعلم من أخطاء الماضي، وأخطاء الغير، وتجربة العراق ماثلة أمامنا، فهي دروس مفيدة لتحصين وضعنا الداخلي، وتفويت الفرصة على الأعداء المتربصين بنا. مهما كان الاختلاف في الرأي، ومهما كان الانتماء للمذهب أو العشيرة أو القومية، يجب ألا ننسى أن الانتماء للوطن أغلى من كل الانتماءات، فبدون وطن حر لا يمكن لأي منا أن يمارس شعائره، أو أن يعبّر عن أفكاره، لذلك يجب علينا أن نعمل على ترصين الوحدة الوطنية بأبهى صورها، وهي مسؤولية الجميع، حكاما" ومحكومين.

 

الهوامش:

(1) انظر مقالة الكاتب/ عصام لقمان "حروب في دول المنطقة لا بينها"، موقع شام برس، في تاريخ 3 /2/2007.

(2) انظر مقال لمحمد علي الحلبي (لماذا العراق؟)، صحيفة المنار الالكترونية.

(3) المصدر السابق.

(4) انظر كتاب دز فاضل الربيعي " الخوذة والعمامة ".

(5) برنارد لويس، مستقبل الشرق الأوسط.

(6) مقال لبرنارد لويس ، مجلة فورين افيرز ،1992.

(7) انظر: عبد الوهاب المسيري، الشرق الأوسط الجديد في التصوّر الأميركي الصهيوني ، المؤتمرنت ، في تاريخ 2/11/2006.

زياد المنجد

صحفي وباحث في الشأن العراقي

مدير مكتب قناة الرافدين الفضائية في دمشق