العدد الواحد والعشرون - نيسان2007

مفهوم الإنسان عند الإمام الخميني

يحيى فوزي
الاحد 15 نيسان (أبريل) 2007.
 

في المنظومة الكونية غير المتناهية والزاخرة بالأسرار والرموز، ثمة ظاهرة تستحوذ على اهتمام الإنسان أكثر من أي شيء آخر هي: (معرفة الإنسان نفسه). ونظراً إلى أن معرفة الإنسان، بما هو اعقد ظواهر عالم الخليقة، ذات صلة وثيقة بمعرفة مبدأ الوجود ومنتهاه، لذا كان اكتساب هذا العلم على الدوام أحد أكثر العلوم المهمة النافعة التي اهتم بها مفكرون كبار أمثال الإمام الخميني (قده). الإنسان في فلسفة الإمام كائن معقد ليس بوسع أحد إدراك كنه وجوده ومعناه الحقيقي غير الملهمين ممن حباهم الله تعالى بنعمة الإلهام واكتساب العلوم الربانية. يهتم هذا البحث على نحو الإجمال، بدراسة شخصية الإنسان في ضوء آراء وأفكار الإمام الخميني (قده) من خلال ثلاثة محاور هي: كينونة الإنسانية، وحركية الإنسان، وأبرز سماته النظرية.

كينونة الإنسانية

أولاً: ينظر الإمام الخميني (قده) ﺍﻟﻰ الانسان ككائن جامع يتمتع بكافة مراتب الوجود سواء العينية اوالمثالية اوالحسية، وينطوي في كيانه عالم الغيب والشهادة. يرى بإن الإنسان مولود عالم الطبيعة وينتمي إلى هذا الماء والتراب، وقد إنغرس حب الدنيا في قلبه منذ بداية نشوئه. ومن جهة أخرى هو (وليد علم الاسماء) ،فإذا ما نهل من معين العقل الصافي ورحيق الوحي المختوم، كان بمثابة شجرة طوبى التي (أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربّها). وهذا يعني أن قلب الإنسان هو بمثابة مرآة ذي وجهين، يتجه الأول نحو عالم الغيب حيث تتجلى فيه الصور الملكوتية. ويتجه الآخر صوب علم الشهادة وتتجلى فيه الصور الملكية. ومثلما تشكل الغفلة عن المنـزلة السامية (الجانب المعنوي والذاتي) للإنسان، انحرافاً تترتب عليه اضرار جسيمة؛ فإن إهمال المنـزلة الدانية (الجانب المادي والظاهري) للإنسان يعتبر أيضاً غير صحيح وتترتب عليه مضار عديدة. ونظراً لأن المدارس المادية عاجزة عن إدراك ما وراء هذا العالم بما في ذلك ما وراء طبيعة الإنسان ولا تؤمن سوى بالبعد الحسي للإنسان فحسب، لذا فهي ترى نمو الإنسان وتطوره من منظار الادراكات المادية والأمور العينية. وفيما يؤكد التصور الباطل لهذه المدارس على أن الأمر العيني لا يتعدى عالم الطبيعة، فاننا نجد عالم الطبيعة أكثر عوالم الوجود وضاعة، وان ثمة عوالم أخرى كثيرة، غير عالم المادة، تمتلك حظاً اوفر من العينية مقارنة بعالم الطبيعة. ثانياً: الكينونة الإنسانية تتجلى في روح الإنسان وليس في جسده. وانطلاقاً من هذا الأصل القويم يرى الإمام: أ. إذا كان روح الإنسان سالماً وحراً وقوياً، فلا خشية من مرض جوارحه وأعضاء بدنه، لأن الحياة الروحية مقدمة على جميع ابعاد الحياة الأخرى. ب. نظراً إلى أن الخلود يختص بالروح المجردة، والفناء من نصيب الجسد المادي، لذا فإن كل ما هو زائل وليس له حظ في البقاء، لا يمكن أن يكون معياراً للسعادة، لأنه يتخلى عن الإنسان ويهجره حين موته. وعليه فإن ما يميز الأشخاص عن بعضهم البعض يكمن بالضرورة في طهارة الذات والجوهر. ج. إن أعمال الإنسان التي تتسم بالحسن والقبح، والصلاح والفساد، والفضيلة والرذيلة؛ إنما هي وليدة أبعاده الروحية. فالأعمال بحسب الظاهر لا تختلف كثيراً عن بعضها البعض، وان ما يميزها: النيات، والمقاصد، والأغراض والدوافع والغايات، التي تعكس في الحقيقة روح العمل. ولعلّ هذا ما دفع علماء الأخلاق للقول: إن حسن أثر الأفعال أو سوء تأثيرها في روح الإنسان، يكون رهن (النية) وليس تحقق ذات العمل. د. إن الاكتفاء بتلبية الاحتياجات الجسدية وقضاء الحوائج المادية، لا يروي ظمأ الإنسان الأصلي المتمثل في ظمئه الروحي، ولن يهدأ من قلقه واضطرابه فحسب؛ وانما يقود إلى مسخ الإنسان أيضاً. ثالثاً: إن تحقق موجود باسم (الإنسان) هو حصيلة تلازم الروح والجسد، حيث يرتكز الأول إلى عالم الطهر، فيما يستند الثاني إلى عالم التراب. وبناءً على أصالة الروح وتوجهاتها، وفرعية الجسد وتبعاتها، ذمّ الإمام بصفته أحد كبار اتباع مدرسة التوحيد والأنبياء الإلهيين، المكان الطبيعي لبدن الإنسان المتمثل في عالم الشهادة. ويتضح سرّ هذا الذم للجميع عند ظهور سلطان الآخرة، وتجلي الحقيقة بعد زوال الحجب عن رؤية القلب، وإفاقة الأبصار من نوم الغفلة، ونهوض الأرواح من مقبرة الجهالة. وفي مقابل ذلك اكدت هذه الفلسفة على منـزلة الروح العينية للإنسان، التي هي تجسيد لعالم الغيب، لأن الكمال النهائي للإنسان، والذي يمثل الهدف الغائي من خلق الإنسان ، ليس أكثر من عروج طائر الروح القدسي إلى عالم الملكوت ولقاء الله. وما لم يتخل السالك عن حبه للشهوات الدنيوية، ويتحرر من سجن الطبيعة المرعب، وما لم يطهر قلبه بنبع العلوم الروحانية وتنتفي الأنانية نهائياً من وجوده، لن يتسنى له مشاهدة جمال المحبوب من دون حجاب وحد الاطلاق.

حركية الإنسان

أولاً: ترى الفلسفة الإلهية عند الإمام أن الإنسان ولكونه يتمتع بكافة الخصائص الأخلاقية الممدوح منها والمذموم على حد سواء ﻣﻨﺬ ولادته بما يتناسب مع استعداده ومؤهلاته، ويتحلى بالقدرة على اكتساب الملكات الصالحة والرذيلة، ﻫﺬﺍ من جهة. ومن جهة أخرى، أن مجموعة قواه الباطنية بما فيها قواه الفكرية وتوجهاته الفطرية والطبيعية، وتبعاً لذلك استعداده للتربية،ليس لها حدود وغير متناهية. لذا فهو كائن عجيب وموجود اعجوبة بوسعه أن يصبح كائناً إلهياً ملكوتياً، وحتى إماماً لأفواج الملائكة، إذا ما توفرت له التربية السليمة. وعلى العكس من ذلك، إذا ما تربى تربية فاسدة تقوده للانحراف عن ركب الإنسانية، فسوف يهوى إلى الدرك الأسفل من مراتب النقص والشقاء، ويمسي كائناً جهنمياً شيطانياً ومصدراً لمختلف أنواع الانحراف والضلالة. وعليه، وخلافاً لما عليه الكائنات الأخرى، تعتبر المسافة بين الإنسان الكامل والناقص شاسعة للغاية. وان حاجة هذا الحيوان الناطق للتربية تفوق حاجة أي كائن آخر. إن ما يحدث في مرحلة بداية ظهور الإنسان، هو الولادة الأولية، التي يسمونها بمثابة (الولادة الحيوانية). وبعد هذه المرحلة، وإذا ما شكلت متابعة الميول النفسانية والرغبات الحيوانية عقبة دون تجلي الحق في كيان الإنسان بمختلف المستويات، وعملت الكدورة وظلمة هوى النفس على إخماد نور العقل وسراج الإيمان لديه بالكامل، لن تتحقق الولادة الثانوية التي يطلق عليها بـ (الولادة الإنسانية). ثانياً: من أجل أن يمتلك الفرد القدرة على محاسبة نفسه في كل يوم، بل وفي كل لحظة، ولكي يدرك مدى ابتعاده عن الولادة الأولية واقترابه من الولادة الثانوية، الإمام معياراً لذلك ينص على: كلما رأى الإنسان أنه يقترب من الأفق الحيواني في اهتماماته ولذائذه، بما في ذلك الطعام والشراب أي أن يأكل ويشرب ويلبس ويحيا دون أن يفكر بمصدر المأكل والملبس وكيف حصل عليه (حلال أم حرام)، يجب أن يدرك بأنه ليس أكثر من حيوان، وأنه لم يقترب بعد من حدود الإنسانية. وقد ورد في الحديث بأن الكافر لديه سبع مِعاء، والمؤمن له مِعاء واحدة وهي عبارة عن قانون الإسلام. وفي المقابل إذا ما تحكم بصادرات مملكة الروح ووارداتها، وراقب الخواطر والمخاطر القلبية، وصان حرم القلب لئلا يتعدى حريم الروح بكامل وعيه، ولن يرد العتبة غريباً دون ارتداء لباس الإحرام؛ فليعلم أن شجرة الإنسانية قد نمت وترعرعت في كيانه وأثمرت، ويكون شاكراً لله تعالى على ذلك.

أبرز السمات الفطرية للإنسان

أولاً: يتحلى الإنسان بالعديد من التوجهات الفطرية بنحو يمثل كل واحد منها مصداقاً للقلب أولاً، ومظهراً من مظاهر حب الإنسان (للكمال المطلق) ونفوره من (النقص) ثانياً، الذي لا يقتصر وجوده على كيان الأفراد فحسب، وانما هو موجود لدى كافة الكائنات بدون استثناء. ثانياً: إن هدف العشق الفعلي للإنسان هو (حقيقة الكمال المطلق) وليس توهم ذلك. والسرّ في ذلك هو أنه ليس بوسع أي شيء إرواء ظمأ الإنسان غير إدراك ساحة الكمال المطلق، ولن يقرّ له قرار ما لم ينل الكمال المطلق. ثالثاً: على الرغم من أن يد التغيير والتحول لن تطال الأحضان السامية للفطرة وميولها، غير أن الإنسان، وبوحي من الغفلة والجهالة، يتجاهل أحياناً أنه كائن يتوجه بميوله الباطنية السامية نحوه سبحانه، ويتعلق بمن سواه وينصاع له. في حين أن قافلة الأرواح وركب القلوب تمضي في آفاق الكمال المطلق ولم ولن تبحث عمن سواه. وعليه فان الكائنات كلها، وليس الإنسان وحده، مجبلة على الفطرة التوحيدية. وكما مرّ من قبل، فان أي فرد، وفي كل خطوة أو حركة يقدم عليها، انما ينشد الكمال على الرغم من أنه قد يخطئ في ذلك غافلاً أو أساء التقدير. رابعاً: إن عشق البشرية الحالي للكمال المطلق، يعد أحد الأدلة المحكمة على اثباته. وتوضيح ذلك هو أن العشق الحالي عبارة عن حقيقة تستلزم إضافة. وبناءً على التلازم الموجود بين المضاف والمضاف إليه، فان تحققه يكون رهن تحقق الطرف الآخر المتعلق به والمضاف إليه. وعليه لا بد من وجود (الكمال المطلق) كي يتعلق به قلب الإنسان ويتجلى عشق الإنسان له عملياً. كما أن الكمال المطلق هو جزء من (الوجود المطلق) الذي يجسد تحققه الكامل تجلياً له، وليس ذلك سوى الله سبحانه. خامساً: نظراً إلى أن الإنسان خلق مجبولاً على التوحيد وان (فطرته الاولية) استنارت بنور التوحيد، لذا فان أي توجه له إلى ما سوى الله تعالى، يعتبر ميولاً للفطرة الثانوية التي هي حصيلة سوء اختيار الإنسان ذاته.