العدد الواحد والعشرون - نيسان2007

أسامة حمدان: نحن وحزب الله جبهة عمل واحدة في معركة واحدة

حاوره: سركيس أبو زيد - زهير فياض
الاحد 22 نيسان (أبريل) 2007.
 

مهما تفرقت وتباعدت وجهات النظر، تبقى المقاومة مصدر اجماع بين الحركات التحررية في المنطقة. وبالرغم من الصبغة الدينية التي تكتنف هذه المنظمات، الا أنها تبقى بعيدة كل البعد عن الممارسات الطائفية أو المذهبية، واحدى هذه الفصائل هي حركة المقاومة الاسلامية "حماس" في فلسطين المحتلة. لقد استفادت الحركة من تجارب بعض الحركات المجاورة المماثلة، فأصبحت ذات خبرة عالية في مجالي الدبلوماسية والعسكرية، وأمسكت بمفاصل وخيوط الداخل الفلسطيني، وما زالت تناور وتفاوض وتحاور دون أن تتنازل أو تعترف.

حول هموم المقاومة وشجونها، وآفاق المرحلة القادمة في فلسطين والأمة، وعلى ضوء مجريات الصراع، كان هذا الحوار مع ممثل حركة حماس في لبنان الأخ أسامة حمدان:

 

  بدايةً، من المعلوم أن حركة حماس لها بعد ديني، بينما نلاحظ أن هذا البعد موجود أيضاً لدى حركات أصولية أخرى لا نجدها معنية أو مهتمة بشكل أساسي بالصراع مع العدو الصهيوني، في الوقت نفسه نجد أن حزباً مثل حزب الله له بعد ديني اسلامي ولكن مذهبي أخر، يؤمن بقوة أن اسرائيل هي العدو الأساسي، الى أي مدى هناك عملية تباعد أو تقارب بين هذه الحركات المختلفة مذهبياً والنابعة من مشارب أصولية مشتركة؟

 

-  أولاً، دعني أقول أن حركة حماس علاوة على أنها حركة مقاومة فلسطينية بالمعنى الوطني، هي أيضاً حركة اسلامية، ونحن نعتقد أن المعنى الأساسي في الاسلام هو الدين وما يتضمن من تعاليم وقيم تدعو دوماً الى الوسطية والاعتدال، والى السلام والتضامن، واحترام الآخر، والاعتراف به، وتدعو أيضاً الى تحديد واضح لمن هو العدو ومن هو الصديق. في هذا السياق، نحن نعتقد أن العدو وبشكل محدد هو الاحتلال الصهيوني لفلسطين، ونحن نعتقد أن هذا العدو يجب أن يقاوم بكل الوسائل المتاحة حتى ينهي احتلاله لفلسطين بشكل كامل، وفي السياق عينه نحن ننظر الى الأمة بكل ألوانها المذهبية أو الدينية أو حتى السياسية على أنها الأمة التي ننتمي اليها، ونتحالف مع قواها الحية، فنحن جنباً الى جنب نخوض معركة التحرر الوطني، ولذلك ترى أنه مثلاً في فلسطين لم تكن ولن تكون أزمة بين أبناء الشعب الفلسطيني على أساس اختلاف الأطياف الدينية أو المذهبية حتى لو اختلفت مشاربهم السياسية. الأزمة تكون على قاعدة كيف نتعامل مع الاحتلال بين من
-  ربما في لحظة ضعف - يرى ضرورة، أو يرى مصلحة في التسليم بوجود هذا الاحتلال والتعامل معه على أساس أنه حقيقة باقية، وبين من يرفض الاعتراف به من هذه الزاوية بل يرى أنه واقع لا بد أن يزول. في هذا السياق، نحن ننظر بقلق الى محاولات عديدة تجري الآن لاحداث فتنة في واقع الأمة على أساس مذهبي أو طائفي، ولكن يجب أن يفهم الجميع أن هذه الأمة عاشت أكثر من 14 قرناً متلونة بهذه الألوان، وفي اللحظات التي ضعفت فيها هذه الأمة وتحولت ألوانها الى نقاط اشتباك، وفي اللحظات الأخرى التي كانت فيها الأمة قوية، كانت هذه الألوان كلها مجتمعة متضافرة متعاونة تشكل لوحة واحدة في مواجهة الاحتلال والعدوان، وأنا أشير هنا الى غزو الفرنجة، أو كما تسميه المراجع الغربية "الغزوات الصليبية" ، عندما جاء الفرنجة الى بلادنا قتلوا في هذه البلاد المسلم والمسيحي، وقاتلهم جنباًَ الى جنب المسلم والمسيحي، حتى جاء دحرهم، وانتهى احتلالهم، اذ لم يتخيل أحد في هذه المنطقة ولو للحظة، أن الفرنجة ومسيحيي بلادنا جسم واحد وان كانوا ينتمون الى الدين نفسه، ولم يتعامل معهم أحد على هذا الأساس، وانما كانت النظرة أن المسيحيين من أبناء هذه المنطقة هم كالمسلمين في ما تعرضوا له من عدوان، وأيضاً ما قاموا به من واجب الدفاع، وأن المعتدي وبغض النظر عن دينه بقي معتدياً حتى جرى دحره وطرده من بلادنا بجهد المسيحيين والمسلمين معاً. أنا أعتقد - ومن هذا المنطلق- انه يمكن الحديث عن طبيعة العلاقة بيننا وبين حزب الله، أو بيننا وبين حركات وطنية وقومية تناضل من أجل دحر الاحتلال وتصفية آثار العدوان، فكلانا في جبهة واحدة في معركة واحدة، أما القوى أو الحركات التي تعتقد أنه بالامكان التعايش مع الاحتلال، فبيننا مشكلة لا بد أن تحل وبينهم على قاعدة نتفق علىيها قوامها هذا الاحتلال الى زوال، وأن وجوده في هذه اللحظة لا يعني وجوده الى الأبد.

 

  على صعيد التحالف مع حزب الله، هل هو مجرد التقاء سياسي أم أنه قاسم مشترك فقهي أو ديني، وهل هناك ثقافة دينية مشتركة؟

-  دعني أكون صريحاً، نحن نعتقد أن العلاقة مع حزب الله ليست مجرد علاقة سياسية عابرة، نحن ننتمي الى هذه الأمة وكما أشرت حتى لو حصلت بعض الخلافات بين بعض أبناء هذه الأمة، ففي النهاية نحن ننتمي الى ارثها وثقافتها وقيمها، ولا يمكن أن نسلخ أحداً عنها كما ولا يمكن أن ننسلخ نحن عنها، لذلك نعتقد أن الموضوع الأساس هو الاسلام الذي ننتمي اليه - نحن وحزب الله- وان حصل تباين حول بعض المسائل الشكلية، فهذا يدل على التنوع الذي يدخل في باب نقاط القوة، ونجد في هذا التباين أحياناً خدمة" لقضايا الأمة ومشروع مواجهتها للاحتلال سواء على مستوى الأخوة في حزب الله، أو حتى على مستوى القوى ذات البعد الوطني والقومي والتي ربما لا تحمل ذات الموروث الفكري الذي نحمله، ولكنها تنتمي الى هذه الأمة وتدافع عن تراثها وحضارتها وثقافتها وتواجه المحتل بطرق مختلفة الى جانبنا.

  على صعيد التصنيف العقائدي، أو على مستوى تدريب الكادر السياسي هل تستعينون بخبرات أو دروس لحزب الله أو غيره من التنظيمات الأخرى ؟

-  دعني أقول أنه في اطار الحركة الاسلامية هناك أدبيات مشتركة، وانتاجات فكرية مشتركة نستعين بها وتشكل لنا نبراسا يضيئ الطريق. في الموضوع الاقتصادي مثلاً، هناك كتاب "اقتصادنا" للسيد محمد باقر الصدر، وهذا ربما درسه كل أبناء الحركة الاسلامية بغض النظر عن انتماءاتهم التنظيمية، لا سيما الأخوان المسلمين دون أن يشعر أحد بحرج في هذا الجانب.

  ما هو الفارق الأساسي بين حركة حماس الاسلامية والاخوان المسلمين مثلاً وبين بعض الحركات الأصولية الأخرى مثل حركة طالبان والزرقاوي وغيرها من التنظيمات التي ترفع راية الاسلام أيضاً، خصوصاً أن بعض هذه الحركات ذات أصول مشتركة مع الأخوان المسلمين؟

-  لا، ليست كل الحركات الاسلامية من أصول مشتركة، بل هناك اختلافات أساسية عميقة في النظرة الى المسائل، وهذه مسألة قديمة. صحيح كان هناك ومنذ الستينيات خروجا" لبعض الأشخاص من تنظيم الأخوان المسلمين، ولكن الاشكالية عميقة، وهي باختصار تتمحور حول طرحين مختلفين في مقاربة المجتمع الذي ننتمي اليه، فالبعض يطرح عنوان محاكمة المجتمع الذي ننتمي اليه على قاعدة الاختلاف المذهبي أو حتى السياسي، في حين أننا نطرح عنوان اصلاح المجتمع وليس محاكمته. وأذكر أن وفي فترة زمنية ماضية، أصدر المرشد الثاني لحركة الأخوان المسلمين كتاباً مشهوراً اعتمد ككتاب تثقيفي لدى الأخوان وخلاصته أننا مأمورون بحمل الفكرة الاسلامية الى الناس، ولسنا معنيين بحال من الأحوال باصدار أحكام على الناس والمجتمع. وبالتالي، هذا المجتمع - في المحصلة- هو مجتمعنا، ويجب أن نكون حريصين عليه، ومن يحمل فكرتنا يجب أن يحملها لصالح المجتمع، ومن يخالف فكرتنا يجب أن لا ننظر اليه نظرة العداء، وانما ننظر اليه  باعتباره ابن هذا المجتمع، وان كنا نتمنى أن يكون الى جانبنا، في حين أن من خرج على هذه الفكرة كان ينظر الى الناس من موقع محاكمتهم، فتورط في اتهام المجتمع بالفسق والانحراف، وقد وصل الى حد اتهام بعض أفراد هذا المجتمع بالردة والكفر، ونتج عن ذلك جملة من الأفعال التي لا نقرها ولا نجد ما يبررها لا في الشرع الاسلامي ولا في حتى في الفقه الاسلامي، وهي تشكل اساءة للاسلام. الأصل أن الذي يحاسب هو الله، والحقيقة أن المجتمع بطبيعته متعدد الألوان، وهذه الألوان تشكل لوحة مشهدية رائعة متناغمة، متفاعلة لما فيه خير هذا المجتمع وخير هذه الأمة. ومهمة المسلم هو أن يعمل على الاصلاح، وأن يحمي وحدة المجتمع، ولا يسمح باضعافه أو تفكيكه تحت عنوان اصلاحه، وهذه مسألة حقيقية يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار. وهذا ما حصل على مر التاريخ الاسلامي، عندما كان من يتولى مسؤولية المجتمع يرعى لحمته ويحفظ وحدته كان المجتمع متماسكا"، وعندما انقلبت الأمور الى حد ذهب فيه البعض الى حد التكفير واخراج الناس أو اتهامهم بالخروج على الدين كان المجتمع ضحية الفتن الداخلية المدمرة. أرجع الى أصل الفكرة، الى أصل الموضوع، الهدف يبقى اصلاح المجتمع، وكلُ منا يسعى لاصلاحه من موقعه الفكري أو العقائدي أو الديني وهذا يؤسس لتنافس بنّاء يخدم قضية المجتمع على قاعدة وحدته وتماسكه الداخلي.

  بالعودة الى الواقع الفلسطيني، ترك تشكيل حكومة الوحدة الوطنية ارتياحاً كبيراً في أوساط الشعب الفلسطيني، ما هي عناوين المرحلة القادمة فلسطينياً؟

-  في الواقع، شكل تشكيل حكومة الوحدة الوطنية انجازاً كبيراً في حد ذاته حيث جاء ليتوج مرحلة صعبة من حوار داخلي واجهته عراقيل مختلفة، ولدى هذه الحكومة مهمات كبيرة تجاه الشعب الفلسطيني، وهي ستعمل جاهدةً لتحقيق طموحات هذا الشعب المشروعة في الحرية والاستقلال وانهاء الاحتلال. 

  هل نستطيع القول أن نجاح تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية قد أفشل مشاريع الفتنة على الساحة الفلسطينية وأنهى ظاهرة الاقتتال الداخلي، أم أن خطر الفتنة ما يزال قائماً؟

-  مجرد تشكيل حكومة الوحدة يعني أن لغة الوحدة غلبت لغة الانقسام، وأن ارادة المصالحة الداخلية انتصرت على ارادة الفتنة، وأستطيع القول أننا فوتنا فرصة الفتنة على أعداء الشعب الفلسطيني، وأصبحت الحرب الأهلية وراءنا، بالطبع هناك بعض القوى التي قد تكون متضررة من الوحدة والوئام، وهي ستعمل على محاولة ايقاظ الفتنة من جديد، وقد تحصل بعض المشاكل، لكن ارادة الوحدة هي الأقوى. في المحصلة، الوحدة ليست قراراً أو اتفاقاً وحسب، بل هي جهد متواصل في الزمان والمكان لحماية مصالح شعبنا العليا والدفاع عنها.

 

  نعرف أن الادارة الأميركية لم تشجع على قيام اتفاق مكة، واللجنة الرباعية الدولية بدورها وضعت شروطاً قاسية كأساس لفك الحصار عن الشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية، ومن بين هذه الشروط "الاعتراف بدولة اسرائيل" و "مسألة المقاومة". كيف تعامل البيان الوزاري لحكومة الوحدة الفلسطينية مع موضوع الاعتراف وحق المقاومة؟

- البيان الوزاري ينطلق من حقيقة ثابتة تؤيدها كل الأعراف والقوانين والمواثيق الدولية والانسانية وهي حق أي شعب في مقاومة الاحتلال، هذا هو المبدأ ولكن الآليات والأساليب والطرق والوسائل تختلف وتتنوع وهي رهن اللحظة السياسية وظروفها ومعطياتها، ولكن الأصل هو الحق في المقاومة وهذا عامل اجماع فلسطيني بمعزل عن المسائل التفصيلية. أما في موضوع الاعتراف، هناك فارق بين الاعتراف بحقيقة قائمة وواقع قائم. وبين الاعتراف بشرعيته، ولكننا ننطلق من مبدأ أن الواقع القائم ليس واقعاً أبدياً لا يمكن أن يزول. والاحتلال بهذا المعنى هو واقع لا يمكن التعايش معه، ويجب أن يزول. شهدت هذه المنطقة تاريخياً استقراراً عندما زال عنها الاحتلال وان كان لفترات بسيطة، وكانت تهتز وتضطرب مع وجوده، هذا هو تاريخ هذه الأمة ولكن المطلوب فقط استخلاص العبر. 

  تتفق حركات التحرر الوطني والقومي والاسلامي في أمتنا على أن الصراع الأساسي لا بل الجوهري في منطقتنا هو الصراع ضد المشروع الصهيوني الذي يشكل خطراً كبيراً على الأمة، وفي سياق هذا الصراع، نجد مفردات كثيرة ترد في الأدبيات السياسية المتداولة مثل "التسوية" "السلام العادل والشامل" ..الخ، كحركة حماس ما هو مفهوم "التسوية" وما هو مفهوم "السلام"؟ ما هي آفاق المرحلة الحالية ؟ هل هي تسوية؟ هل هي سلام؟ أم استمرار للصراع؟

-  دعني أصارحك. نحن نعتقد أن السلام غير ممكن مع بقاء الاحتلال، فطالما بقي الاحتلال لن يكون هناك سلام، وسنستمر في نضالنا حتى استعادة كامل حقوقنا على كامل أرضنا الفلسطينية، الكيان الصهيوني كيان غير طبيعي نشأ بالقوة والاكراه وبطرد السكان الأصليين من أرضهم وقراهم ومدنهم، والمنطق يقول أنه لا حل طالما بقي الاحتلال وبقي اغتصاب الحقوق، فالحل هو أن يسلم أعداؤنا بحقنا في تحرير أرضنا، عدا ذلك وهمُ وسراب.

  حققت المقاومة في لبنان خلال حرب تموز الأخيرة انتصاراً نوعياً على الآلة العسكرية الاسرائيلية، وعلى العقل السياسي الذي يقف وراءها. ما هي -برأيكم- مفاعيل هذا الانتصار على الساحة الفلسطينية؟ أي كيف يمكن للمقاومة الفلسطينية أن تثمر ايجاباً هذا الانتصار فلسطينياً؟

-  في الواقع، المعركة هي معركة واحدة، والخطر الصهيوني هو خطر على كامل الأمة على تعدد ساحاتها، ونحن ننطلق من مبدأ ترابط الساحات، وأي انجاز يتحقق في أي مكان في هذه الأمة سينعكس ايجاباً على كامل مواقع الأمة، كما أي هزيمة في أي مكان ستترك آثارها السلبية على كامل الأمة، أما كيف نثمر، فهنالك في المبدأ حقيقة أكدتها حرب تموز هي أن لدى شعبنا قدرات وامكانيات هائلة اذا ما وظفت في الاطارالصحيح تفعل فعلها، ومن أهم المفاعيل المباشرة لحرب تموز هي التداعيات النفسية الروحية التي زادت من منسوب الثقة بالنفس لدى شعبنا، فعلينا أن نضع نصب أعيننا الانتصار في أي معركة مستقبلية في فلسطين أو العراق، ومن المهم دائما" أن نراكم هذه الانجازات وأن نواكب هذه الانتصارات الموضعية لنضعها جميعاً في خانة الانتصار الكبير القادم.