العدد الواحد والعشرون - نيسان2007

الرهان اللاهوتي- السياسي

ترجمة الدكتورة ماري شهرستان
الاحد 15 نيسان (أبريل) 2007.
 

إن كتبة هذا المقال غير متفقين حول العلاقات التي تمت بين الاسلام والغرب منذ القرون الوسطى حتى يومنا هذا، إلا انهما متفقان حول موضوع واحد وهو: رفض طرح المسألة في إطار "صدام الحضارات"، بل يضعانها في الميدان السياسي والفلسفة السياسية، الأمر الذي يبدِّل المفهوم بأكمله، إذ ان "صدام الحضارات" يقابل ذاتين متجانسين يعرِّضان هويتهما واستمراريتهما للخطر. فلمواجهة هذا التلفيق الذي يدعمه ويرعاه المتطرفون من كل الجهات، يقدّم لنا التحليل السياسي خيارات ونضالات ومطالبات واستراتيجيات معاكسة. وإذا حصل في العمل السياسي صراعات، في مقدمتها الصراع على السلطة، فإن هذه الصراعات  لا تضع الثقافات او الحضارات في مواجهة بعضها بعضاً بل الأنظمة التي تحوي في داخلها أشخاصاً وطبقات وأحزاباً متعارضة. هذا معناه ان الحرية والسيطرة ليست سمات ثقافية خاصة بمجتمع ٍ ما، بل هي رهانات حاضرة في جميع المجتمعات أي كان نمطها، وهي أمور لم تُحَل بشكل ٍ نهائي أبداً. صحيح ان المظهر العام المعاصر يبدو أحياناً وكأنه يغيب عن فئات سياسية تقليدية، فترى الأمة- الدولة التي كانت لفترة طويلة قابضة على السيادة، تجد نفسها اليوم وقد تجاوزتها سلسلة من متعددة الجنسيات أو من الخاصة. وتستمر العولمة في قلب معالمنا بإنشاء تشكيلات هجينة وخطرة، لكن إذا اردنا ان نكون على مستوى هذه الحقائق الجديدة، ينبغي الدفاع عن الفكرة السياسية ضد ثقافة مُحصِرة تكاد توقعنا في مغامرات إيديولوجية تدفعنا إلى التعصب.

وفي مواجهة مسألة حسّاسة كمسألة العلاقة بين الإسلام والغرب، لا يمكن للفلسفة السياسية ان تكتفي بنداءات حكيمة إلى التسامح واحترام "الهويات"، بل على العكس من ذلك ينبغي ان تسعى جاهدة كي تعرض وتواجه بوضوح ٍ تام الاختلاف بين الإسلام والغرب، ووضع الفاعلين أمام مسؤولياتهم. 

ويوجِّه الأديب التونسي عبد الوهاب المؤدب نداءً إلى العالم العربي - الإسلامي. وهو يواجه بعض الذهنيات التي تريد حماية الديانة الإسلامية من الانتقادات فتحجبها عن الجدل الديمقراطي، بجواب ٍ ذي سوية عامة حول معنى التسامح، فيقول:

"طالما اني ولدتُ مسلماً، فانا لا أريد ان تتم حمايتي بواسطة الرقابة، ولا بإخفاء المتنازع عليه الناجم عن أصولي. أتمنى أن يتم الاعتراف بي وان تحدَّد هويتي في المواجهة وجهاً لوجه [...]. ويستحسن ألا نتجنب العملية الإرشادية التي تتجرأ وتحلِّل المعطيات في نصوص ذواكرنا المشتركة، كي نصل إلى مفهوم مبني على المعرفة متجاوزاً اصولنا، حتى نتبيّن الحقيقة من التزوير العدواني او اللاواعي"، والتحقق من نقاط الخلاف المتنازع فيها والتمتع بالحرية".

وفقاً لما سبق، يبدو لنا ان عقدة الخلاف بين الاسلام والغرب تقع في مستوى المسألة اللاهوتية- السياسية.

لقد دخل الغرب في العصر الحديث فاصلاً سلطة الكنيسة عن الدولة، وهو مع التمسك بالحرية السياسية والدينية، حرض على انبثاق انظمة تكون فيها السلوكيات حرة، وحيث الحكام لا يحكمون المؤمنين بل مجموع المواطنين. هذا الحدث ليس فيه أي بداهة ويسجل انفصالاً في تاريخ البشرية الطويل، التي لم تفصل في حياتها قانون البشر عن قانون الآلهة. ففي بلاد الاسلام، بينما كان مفكرو الاندلس في القرن الثالث عشر يحاولون التمييز وموافقة العقلانية مع المعتقد، وقوانين الحقوق ووصايا الإيمان، لم يتمّ أبداً الفصل بين السياسة والديانة بشكل ٍ حقيقي، لا في التاريخ ولا في الذهنيات.

فإذا سعى الاسلاميون الاصوليون إلى إقامة انظمة لاهوتية لإعاقة التحديث الجاري، فإن جزء من الرأي العام وبعض المفكرين تواقون إلى الديمقراطية. وتكون مهمة الفلسفة السياسية هي التنوير ودعم هذا التطلع، لكن دون فرض نموذج حداثي معين. 

 

مارتان لوغرو وألكسندر لاكروا

مجلة الفلسفة الفرنسية