المثقف العربي بين الدين والعلمانية

العدد 4 - تشرين أول 2005 : زياد خالد
الثلاثاء 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.
 
تبدو ولادة المتنور العربي وكأنها تتفق وتتناسب مع مرحلة تاريخية، تميزت بمحاولات بناء الدولة الحديثة. وإذا اعتبرنا بروز محمد علي في مصر وإيفاده البعثات العلمية إلى أوروبا، ثم بروز المتنورين السوريين واللبنانيين حول منتصف القرن الماضي، كعلامات دالة على بدايات هذه النهضة. فإن انقطاع هذه المرحلة التاريخية يمكن تأريخه بعام 1881 عام التدخل الإنكليزي في مصر والفرنسي في تونس. إن معالجتنا هذه تتجه نحو جعل النهضة مرحلة محددة من التاريخ والمشاريع، وقد تطلبت وأسهمت ببروز المتنور ـ المثقف العربي وفقاً لمقتضياتها.

إن السمات الرئيسية لمثقف مرحلة النهضة تتردد بتوفيقية بين الشرق والغرب، بين الإسلام وأوروبا، بين الشريعة والعلم. هذا ما نجده لدى ممثلي النهضة أمثال (طهطاوي ومبارك والتونسي). كما نجد لدى النهضويين ميلاً إلى تقديم مبدأ الأمة أو الدولة على الدين، كما لدى (الطهطاوي والبستاني). والميل الأبرز لدى النهضويين هو التوسع في الاختصاص فخاضوا في ميادين منوعة ومتضاربة من الأدب إلى العلوم ومن الأخلاق والتربية إلى السياسة والتاريخ. ويبعث النهضويون التاريخ البعيد، أو إحدى مظاهره، ليواروا انحطاطاً قريباً. هذا ما فعله الطهطاوي حين كتب سيرة ساكن الحجاز وألمح إلى مجد الفراعنة، وكتب التونسي نقلاً عن سيديو عن أمجاد العرب الأوائل. وأشار مبارك إلى أن نهضة أوروبا ما كانت لولا نهضة العرب. وبعث اللبنانيون من يازجي وبستاني وشدياق وسواهم أمجاد اللغة والآدب العربية القديمة فإذا أراد النهضويون أن يوفقوا بين الشرق والغرب، فقد أرادوا أن يعانقوا بين الماضي البعيد والمستقبل المنشود المتمثل على الوجه الأخص بعلوم أوروبا. إلا أن أبرز ما يميز المثقف بالإضافة إلى ما تقدم، هو إسناده جميع هذه السمات والمعطيات إلى اللحظة الحاضرة التي يعيشها، فهو يستمد مبادرته من مشروع الدولة الماثل أمامه. إنه يقبل هذه القطيعة التي تقيمها الدولة مع الماضي، ويبررها ويدعمها ويستند إليها. فهو ينتقي العناصر التي تبرر وتسند مشروع الدولة والنهضة بإغفال منطق العالم التقليدي الذي يقوم على تسلسل متصل من الماضي إلى الحاضر، فيقيم منطقاً يستند إلى ارادوية تريد أن تنشئ أساسها من مستلزمات الحاضر بقطعه عن الماضي. وفي هذا يقوم الطلاق بين العالم التقليدي الفقيه والمتصوف من جهة وبين المتنور المثقف الحديث من جهة أخرى.

إنكسار مشروع الدولة الحديثة واصطدامه بالتدخل الأجنبي يكسر في نفس السمات البارزة للمتنور النهضوي. فتهتز مشروعية التوفيق بين الشرق والغرب، بين الإسلام وأوروبا، بين الماضي البعيد والمستقبل. كما يحوم الشك حول العلوم المنوعة والمتضاربة التي كان يروج لها النهضوي. وعلى هذا النحو يتلاشى المتنور النهضوي وتتبعثر اطروحاته دون أن تختفي نهائياً لتعود وتبرز مجدداً على نحو مختلف. إلا أن انكسار مشروع الدولة الحديثة القوية، واختفاء المثقف النهضوي سيفسح المجال أمام نموذجين متضاربين: الأول يتمثل بالإصلاحي ونموذجه الأفغاني وعبده ثم رضا، ويبدو هذا النموذج وكأنه رد فعل على النهضوي ونقيضه، فهو يستوعب مسألة الحداثة والمعاصرة التي طرحها النهضوي، فيعيد تقويمها من ضمن إطار السؤال لماذا تقدم الغرب وانحط الشرق، كما أنه يرفض التوفيق بين الإسلام وأوروبا باسم أصولية إسلامية، فيعيد بذلك طرح مسألة الإيمان والدين بعد أن غيبها النهضوي. ويأخذ عن النهضوي ضرورة إقامة الدولة القوية إلا أنه ينسبها إلى الإسلام وليس إلى شيء آخر، وأخيراً فإن الإصلاحي، أكثر من النهضوي، يجاهر بنقد الفقهاء التقليديين والمتصوفة المبتدعين باسم السنة القويمة.

لكن الإصلاحي ليس وريث النهضوي. وإذ يستوعب الأسئلة والقضايا التي طرحها فلكي يقدم إجابة مناقضة لها. لا شك بأن المهمة التي ألقاها على عاتقه المثقف الإصلاحي شائكة وصعبة، فهو يريد أن يحرر مفهوماً معاصراً للدولة الإسلامية ليجابه به الدولة الحديثة ذات النمط الأوروبي. فيناصب بسبب ذلك أطرافاً متعددة العداء. فهو خطر قائم على السلطة القائمة والمستعمر الجديد وأجهزة العلماء ذاتها. وبخصوص العلماء فإن الإصلاحي يستفيد من ضعفهم إلا أنه يعجز عن استيعاب وظيفتهم واحتوائهم. لهذا نجده يتجه إلى عامة الناس ليكسب التأييد وليقيم نمطاً جديداً من الممارسة، إلا أن الإصلاحي لم يستطع أن يحتكر تمثيل الشرعية الدينية.

إن العلماني نقيض الإصلاحي، والذي ينبثق مثله، كرد فعل على الاحتلال وفشل النهضوي، يجعل من الأسئلة التي طرحها النهضوي خاصة، بعد أن فندها الإصلاحي ورفضها. يلتزم العلماني بمبدأ الدولة الحديثة. ويلفظ الدولة الدينية الأوتوقراطية. إن توفيقية النهضوي يقوضها العلماني حين يأخذ العلماني بطرفها الأقوى فالتوفيق بين الشرق والغرب يعني السير في نهاية المطاف في ركب حضارة الغرب، والتوازن بين الإسلام والعلم يعني التسليم في النتيجة بمنطق العلم. وحين لا سبيل إلى الإمساك بالماضي التليد والمستقبل المنشود. فإن التطلع إلى المستقبل المتمثل بأوروبا يصبح وجهة النظر الوحيدة.

يمكن إيجاد التماثل بين منطق العلماني وبين متطلبات الدولة الاستعمارية. إن العلماني يسهم في شكل سلبي أو إيجابي في مشاريع الإدارة الاستعمارية التحديث الإداري وتأسيس المعاهد العلمية بما في ذلك الجامعة ولا يجد سلاحاً لمحاربة المستعمر سوى سلاحه نفسه: الديمقراطية في السياسة، العقلانية في العلم، التقنية في العلم. النظام في الدولة والإدارة الخ.

إن المثقف العلماني معزول شعبياً، وليس لأفكاره صدى بين الجماهير. وهو لا يخاطب عامة الشعب إلا لكي يلفت انتباه النخب السياسية إلى أفكاره ومعتقداته ومواهبه. إلا أنه يملك قوة تأثير يكتسبها عن طريق تأييده لكل خطوة تتخذها الدولة لتنمية مؤسسات منفصلة عن الأجهزة التقليدية الدينية وخصوصاً في مجال التربية والتشريع، فهو يريد ويؤيد فصل الدين عن الدولة, الأمر الذي أنجز دون الاضطرار إلى جهوده. ومع تأسيس الجامعة يجد المثقف العلماني مجالاً لنشر أفكاره عبر الطلاب. فتصبح الجامعة حصناً للعلمانيين دون أن تكون إنجازه الخاص. إلا أن الجامعة، بالإضافة إلى الإدارة الحكومية، التي أنشأتها الدولة الاستعمارية ثم الدولة المستقلة، تكون جسر ارتباط بين المثقف العلماني والدولة، وتقوم هذه التبعية على مستويات: أن المثقف العلماني يعتقد بأن كل تقدم لا يصير إلا من خلال المؤسسات التي تخلقها الدولة. إن العلماني هو أول المؤهلين لإدارة وتسيير هذه المؤسسات. إن الدور الذي لعبه المثقف العلماني في فترة ما بين الحربين ليس قليلاً. وإحصاء هذا الدور يحتاج إلى مراجعة فترات متلاحقة كان العلماني يعمل من خلالها على صياغة دساتير الدولة، والتخطيط لمؤسساتها وإدارتها وتسييرها. وكان العلماني الذي تبلور قبل نهاية القرن الماضي عاملاً في نشر الأفكار والنظريات التي تلقفتها النخب المتزايدة العدد. والدور الحاسم الذي لعبه العلماني كان في تقديم نموذجه كمثال للمثقف، بحيث أن شرط المثقف هو ارتباطه بالحداثة، وبالعلم الحديث. إن تطور المثقف في المرحلة التي تدور حول الحرب الثانية، وبروز التيارات الحزبية والعقائدية، يفترض معالجة مستقلة.