العدد الواحد والعشرون - نيسان2007

ندوة عن كتاب "اشكاليات التجديد" لحسين رحال

نصري الصايغ
الاحد 15 نيسان (أبريل) 2007.
 

 استضافت جمعية "كلنا للوطن" المسؤول الاعلامي في حزب الله الدكتور حسين رحال الذي اقام عرضا لكتابه "اشكاليات التجديد دراسة في ضوء علم اجتماع المعرفة"، بحضور عدد من الباحثين و المفكرين والاعلاميين.

بداية، تحدث الكاتب والمفكر نصري الصايغ مقدما الدكتور رحال ومتناولا ما طرحه الكتاب من افكار واشكاليات متسائلا: هل باستطاعة الاسلامي في حقبة الاستنارة الجديدة ان يفهم العلماني بعلمانيته؟ هل يقبله كعلماني؟ هل بامكان الاسلاميين ان يتوقفوا عن محاربة الصحافيين ويكفوا عن اطلاق تهم الالحاد والكفر عبر اسباغ صورة مشوهة عن الصحافيين؟

ثم تحدث الدكتور رحال شارحا محتويات كتابه والاشكاليات التي عالجها، واعيا الى مصالحة بين الفكر الصحافي والواقع، رافضا تسمية الصحافة باسمها، بل هي دنيوية، او مدنية كي لا تجرح الشعور الديني.

واضاف رحال ان مجتمعاتنا تعيش حالة من الانقسام بين الحضارة التي ابدعها السلف وثقافة مختلفة يعيشها المسلم اليوم، مضيفا: ان الفكر الديني الاسلامي قابل للعيش على اعضاء افكار جديدة.

وعالج المسؤول الاعلامي في حزب الله قضايا فلسفية ودينية كالحرية الفكرية وقبول الآخر والصحافة والمجتمع المدني والديمقراطية في تجارب المفكر الاسلامي التونسي راشد الفنوشي والامام محمد مهدي شمس الدين والمفكر الاسلامي السوداني حسن الترابي.

 

على هامش مناقشة اشكالية التجدد

 

هل تلتقي العلمانية مع الاسلامية؟

كيف يلتقي فكر علماني مع نص اسلامي؟

التناقض كان سبيلا للتواجد. الرفض المتبادل طريقا لسوء الفهم والتفاهم. النفي والنبذ والاتهام، مسالك عبرت عنها مراحل سالفة، ومراحل راهنة.

لم يتصلا ...لغة الانفصال بين العلماني والاسلامي، كانت اللغة السائدة. وندرة هم من اقاموا جسر ود ود وفهم وتبادل رغم الاختلاف. عندما قرأت كتاب اشكاليات التجدد، اتصلت بالدكتور حسين رحال، قلت: أوقع على اكثر من 80% من كتابك. لأنني بحثت فيه عن عناصر الاتفاق، فوجدتها كثيرة، و عناصر الاختلاف، فوجدتها يسيرة. لأن للكتاب طابع الانفتاح العقلي، لا قيود التزمت النصي. بامكان العقل ان يصافح العقل، عندما يتجردا من المطلق، بنسبة كبيرة، و يختصرا المقدس بنسبة اكبر.

التقيت مع الكاتب، في قراءته المتأنية، لدى ثلاث علماء دين، محمد مهدي شمس الدين، حسن الترابي، راشد الفنوشي، من خلال مسار فهمهم واجتهادهم وفكرهم، وتماس ذلك مع الواقع. ان اجتهاداتهم المختلفة في ما بينهم، في مسائل شرعية وفقهية، حياتية، اجتماعية، سياسية، دينية، تدل على اعتماد مرجعية العقل المتحكم الى فهمه لظروف الواقع واعادة قراءة النص والتراث، على قدر الحاجة، وليس من ضمن قيود الفروض. ثم، تبين ان ما بدأوا فيه، من اجتهادات وتفسيرات، واحكام، قد تخلوا عنها في ما بعد، عندما اتيح لعقلهم التعرف على مسألتين: مناهج جديدة، ووقائع جديدة. وعندما بلغوا من النقد جرأة قلت: أليس هذا سلوك رجال العلم ايضا يخضعون مناهجهم للنقد، وواقعهم للنقد. يضيقون مساحة الثابت ويوسعون افق المتحول، اذ لا ثابت الا ما انبتته النواة اصلا، واثبتته النصوص فعلا. ثم قلت، اليست هذه هي منطلقات العلمانية، حيث ان الثابت هو الصادر من الحق الانساني، من هذا الحق الذي يشكل مرجعية العقل والخلق، والذي يتعالى على الأزمنة، وهو لذلك اتفق مع شرعية المعتقدات الدينية ومبادئها السامية، ينهلان من طبيعة واحدة، الاولى بعقل التسليم الايماني، والثانية بفعل التأييد البرهاني، ويصلان الى خلاصات متقاربة عميقة الانسانية، روحيا وتاريخيا.

قلت: نتفق على ان العقل ليس اسير الماضي و حتى عندما يحضر النص، يكثر الاجتهاد. وقلت: نتفق على كون العقل، مرجعية الفهم والقول والاستنتاج اعتمادا على معيارية من ذاته في التاريخ، وليس من خارجه.

فيما العقل في الاجتهاد و الدين، يتأرجح بين عصمة نص، تعلو فيه المبادىء، وواقع اعتصم بالتغير الدائم.

ثلاثة علماء، اقاموا في مواقع ثم تخلوا عنها. ما يدل على ان النص المقدس ليس قيدا بل يقتضي تدبر امره من خلال الاستجابة الدائمة، لمقتضيات التجربة التاريخية.

يعمق الدكتور حسين شرح الانتقال الكمي والنوعي لهؤلاء العلماء في سيرتهم، مشيرا في ذلك الى ان الخطاب التجديدي في الارشاد الديني، اقل من حجم المقدس، واوسع من اطار المؤمنين الثابت مجموعة مبادىء، والمتغير مجموعة وقائع وعلاقات. في الخطاب الاسلامي التجديدي، تتقلص مساحة المقدس لتشمل فقط النص القرآني، النص البنيوي التشريعي. فيما تشمل مساحة المتغير (الخاضع لمرجعية العقل) النص البنيوي التدبيري، ممارسات الصحافة، واجماع الفقهاء، اعراف وتقاليد السلف الصالح. وينعكس هذا الاتساع للمتغير في السياسة، والامامة، والخلافة، والعلاقات البشرية، والاقتصادية من مفكرين علمانيين، اعطاء ما لقيصر لقيصر..

كعلماني اقتربت كثيرا جدا في فهمي وكيفية تعاطيي مع الكتاب. فهل باستطاعة الاسلامي، في حقبة الاستنارة الجديدة، و منها هذا الكتاب، ان يفهم العلماني بعلمانيته، المبنية على مبادىء سامية، كالحرية والمساواة بين البشر، وتدبر الايمان بالقلب، وشؤون المجتمع بالعقل، وربط الانسان بتاريخه عبر رؤيته المستقبل وليس عبر محاولة التماثل مع السلف واخلاقيات السلف؟ هل بامكان الاسلاميين ان يكفوا عن محاربة العلمانيين، عبر اسباغ صورة مشوهة لفكرهم وثقافتهم، وعبر وصفهم بالكفر والالحاد فيما هم يحاولون، قدر المستطاع، الغرف من المخزون التراثي العربي و المخزون الديني لتقديم علمانية انسانية ديمقراطية، تقاوم التمييز والظلم والاحتلال؟

هذا كتاب اعتبره صديقي، كعلماني، يلتقي مع الاسلاميين، في رحلة الألف ميل ليقيما معا، في مجتمع يتساوى فيه الناس، ولا مغاظة بينهم الا بالعمل والجهد والابداع .