العدد الواحد والعشرون - نيسان2007

الارهاب وصورة الاخر في الاعلام

سايد كعدو
الاحد 15 نيسان (أبريل) 2007.
 

 

لم نستطع نحن العرب خلق صورة وهوية لاعلامنا كي نستطيع الدفاع والتعبير عن قضايانا الداخلية والخارجية وعلاقتنا مع الاخرين في وقت الحرب ووقت السلم.

في محاولة للبحث عن مفاهيم ومفردات لما حدث ويحدث، الاعلام العربي يكرر المفردات والمفاهيم المستعملة من الاعلام الغربي لفهم الاحداث المتعلقة بالوضع الداخلي والعلاقات الخارجية بين السلطة والشعب من فلسطين الى العراق.

في المؤتمر العالمي للصحافة: يقول رئيس الاتحاد سبوك هونك :

1-  الاعلام هو افضل علاج للتزمت والارهاب.

2-  معظم الاعتداءات التي يتعرض لها الصحافي تتم في البلدان الفقيرة والمتخلفة، وبين الشعوب التي تعاني الجهل والمجاعة.

3-  التخلف يحرم المجتمعات تبادلاً حراً وفاعلاً للمعلومات فضلاً عن الافكار البديلة.

في بيان المركز الاعلامي المستقل في نيويورك: يقول jean - steal

1-  اول شيء يفعله الامريكي هو ان يتوقف عن مشاهدة وقراءة وسائل الاعلام الضخمة المسيطرة.

2-  عليهم متابعة الاعلام الخارجي الفرنسي ، الانكليزي- العربي الخ...

3-  نحن بحاجة الى اعلام آخر، الى مصدر اخر كل الناس تشعر انها مخدوعة من قبل الاعلام المبرمج لان وسائل الاعلام لا تقدم معلومات صحيحة وهي متحالفة مع السلطة وتنفذ سياسة الاجهزة للدولة، وهي تمارس عدوانية على الناس، فالمؤسسة العسكرية والاستخبارات هي التي تدير المؤسسات الاعلامية.

موقفان متناقضان تماما:

الاول : يدافع عن مهنته ويلبسها ثياب اخلاقية وانسانية.

الثاني: يكشف دواخلها وكواليسها وأهدافها ويدعو الى تحرير الانسان من الوسائل الاعلامية.

 

تاريخياً، وسائل الاعلام من الحديث والرسائل الى الخطاب والرواية والأسطورة، الصورة والبناء والعمارة، الفنون بانواعها من المسرح الى الغناء، الصلاة وطقوسها منذ البدايات كانت الوسائل لتبادل المعلومات ، والخبرات البشرية ومع تراكم هذه المعلومات والخبرات الانسانية خطى الانسان اول خطواته .

رغبة الانسان للمعرفة كوسيلة لتحسين حياته كانت تقابلها دائما محاولات لاعاقة هذا التطور نحو الافضل ، الصراع بين الافراد والمجموعات وبين الشعوب هو السمة الاساسية للحياة البشرية في سبيل السلطة والتغيير، او في سبيل السيطرة على الآخر.

ومنذ البدايات كان هناك المعلن وغير المعلن المفهوم والواضح للعامة والمسموح بالاطلاع عليه، وغير المعلن فهو من اختصاص مجموعة من الاشخاص، سلطة سياسية او سلطة دينية او اقتصادية .

اسرار السلطة والاسباب الحقيقية للاحداث والقرارات المتخذة سرياً كانت دائماً ولغاية اليوم محصورة ضمن مجموعة صغيرة من أصحاب القرار.

الدين وهو ظاهرة طبيعية ملازمة للوجود الانساني في محاولة للاجابة على أسئلة الوجود ومعنى الكون والحياة تحول مع المؤسسة الدينية التي احتكرت المعرفة الى اسرار وطقوس.

عدم القدرة على الاجابة عن بعض الاسئلة وجد لها الحل بالقول بالايمان فقط دون نقاش تقبل المسلمات ويلغى الحوار او في بعض الأديان تحوّلت الى اسرار.

وهذا ما شكل بداية الرقابة والاشراف على المعرفة في محاولة لضبط العقل البشري الذي يهدف دائما الى المزيد من التطور والمعرفة لان رأي السلطة دائما يقوم على ان الانسان ليس باستطاعته استيعاب كل الامور.

كانت الطبيعة هي التي تحدد خطوات البشر وموسيقى الحياة الانسانية.

فيقال قبل الطوفان - بعد الطوفان.

في الربيع  في الخريف.

كان الزمن يتكرر بشكل ثابت.

فالفكر الاسطوري الأكثر تعبيراً عن هذه المرحلة من عمر البشرية حيث الزمن غير محدد وغير خاضع للقياس الانساني بل هو تعبير عن ارادة خارجية غير انسانية...

نسمع عن الشعراء والادباء والعلماء والفلاسفة.

التاريخ يخبرنا وينقل الينا تراكم المعرفة من خلال هؤلاء الاشخاص الذين امتلكوا هذه الوسائل والقدرات واستطاعوا ان يحددوا مسار التاريخ، وضعت هذه الامكانيات بخدمة السلطة وأحيانا بالتناقض معها لأن التاريخ يسير بشكل منسجم ومتناقض ضمن جدلية مستمرة، تحدد مسار التاريخ.. بينما العامة من الناس كانت دائما الوسيلة والضحية.

داخل المجموعة البشرية او بالعلاقة مع الآخر احتكار المعرفة ، احتكار المعلومات في سبيل السلطة والتوسع كانت البوابة لظاهرة ما يسمى الألم للآخر تشويه صورة الآخر التضحية بالاخر العنف تجاه الاخر قتل الاخر، الذي شكلته الحروب الدائمة على مر التاريخ.

اسبارطة ضد اثينا.

القوة والسلطة ضد الاخلاق والموقف الإنساني.

هذا الصراع ما زال مستمراً وان اختلفت المظاهر فالقانون الأساسي لعلاقة البشر لم يتغير بينما حلم البشرية كان دائما في محاولة التوفيق بين المصلحة والاخلاق باحترام الحياة الانسانية.

في القانون الدولي لم تستعمل كلمة الارهاب الا مع بداية القرن العشرين.

كلمة العنف هي السمة الاساسية للعلاقات بين الاطراف كل الاتفاقات بين الدول كانت تركز على ظاهرة العنف عندما تم التصديق على معاهدة لاهاي سنة 1907، تم التمييز بين الحروب المشروعة والحروب غير المشروعة ثم في ميثاق بريان كيلوغ 27-8-1928، حيث اكد تحريم الحرب ليس كوسيلة من وسائل حل النزاعات والمشاكل الدولية فقط وانما اعتبارها اداة لتنفيذ سياسة الدولة القومية.

وبعد الحرب العالمية الثانية اكدت الامم المتحدة التي قامت على انقاض عصبة الامم صراحة وضمن المبادئ الاساسية على مبدأ : عدم استخدام القوة او التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية، كما منعت التدخل في شؤون الدول.

اما بخصوص مكافحة ظاهرة الارهاب فقد تنامى الوعي الدولي ولكن معظم الردود الدولية على الارهاب غالبا ما تثير مجموعة من الاشكاليات القانونية والانسانية بالنظر الى غياب مفهوم دقيق وموحد لهذه الظاهرة.

بتاريخ 7-12-1973 اتخذت الجمعية العامة قراراً ادانت فيه الإرهاب الرسمي والأنظمة العنصرية والاحتلالات الاجنبية وتضمن الدعوة الى عقد مؤتمر لتحديد مفهوم الارهاب عارضته الولايات المتحدة واسرائيل... وما زالت المشكلة عالقة الى اليوم .

عدم قدرة المؤسسات الدولية عن تحديد مفهوم الارهاب بشكل واضح يسمح لكل القوى القادرة على فرض مفهومها الخاص بشكل ينسجم مع مخططاتها...

من هنا تدخل وسائل الاعلام الى هذا الميدان كونها المكان الاساسي واليومي والمعبر عن الصراعات بين القوى والمجموعات المحلية والدولية.

مع تطور التكنولوجيا اصبحت وسائل الاعلام الأكثر تعبيراً عن هذه الصراعات والخلافات فهي منابر للهجوم والدفاع للتبرير والخداع. الاعلام اصبح الحرب المفتوحة والواضحة بين مختلف القوى فردية او جماعية.

اصبحت وسائل الاعلام من صحافة واذاعة وتلفزيونات وinternet ومراكز الابحاث وجامعات ومراكز علمية، تقود وتوجّه وتنظم وتبرمج الخيارات الانسانية وتحولت هذه الوسائل الى اسلحة لا تقل خطورة عن الاسلحة التقليدية بل تفوقها بطشا وتشويها وتأثيرا على الذاكرة الانسانية في محاولة لاحتلال هذه الادمغة وتعبئتها بالمعلومات والمفاهيم التي تناسب القوى المتصارعة.

فالصراع حول المعلومات واستخدامها والغائها تقوم به كل الفئات والمجموعات البشرية والجميع يقول انه يقوم بذلك وهدفه الحقيقة فقط وتحول العمل الاعلامي الى عمل اعلاني.

مبدأ تسويق الافكار والمفاهيم والفلسفات لا يختلف عن تسويق أي بضاعة يراد ترويجها المبدأ واحد.

فالسؤال الذي يطرح الآن ودائماً لماذا هذه الوسائل هي وسائل عنفية اكثر من سلمية؟ لماذا تأثيرها سلبي اكثر مما هو ايجابي؟ هل هذا يرجع فقط الى مالك المؤسسة ورغبته؟ او هذا يرجع الى طبيعة هذه الوسيلة وهي الالغاء؟

لماذا تستطيع وسائل الاعلام في الماضي والحاضر من تأجيج العواطف واثارة الخلافات الحزبية والفردية والأنانيات؟

لماذا يظن الناس انهم يتمتعون بالحرية والمعرفة ما دام لا يتوفر لهم المعلومات الكافية بل المعلومات المفبركة؟

لماذا تستطيع وسائل الاعلام بسهولة ممارسة الارهاب الفكري عن العقل البشري وبلبلة العقول من خلال تصنيع المعلومات التي لا يستطيع الانسان بامكانياته من تحليلها وتقويمها.

لسبب بسيط: لان هذه الوسائل تستفيد من تطور العلوم وتراكم المعرفة والخبرات والفنون للتأثير في الانسان وتحويله الى انسان سلبي متلقي .

مؤسسات الاعلام تتعاطى مع المستمع والمشاهد معتبرة اياه انسانا" غبيا" لا يدرك شيئا وليس بامكانه ادراك شيء وان ادرك فبعد فوات الاوان.

اذا كان شعار الاعلام الدقة في المعلومات والموضوعية والحقيقة لا غير،

فلماذا لا نقرأ ولا نشاهد تقارير متشابهة من اعلام مختلف بل وجهات نظر.

ولماذا لا تكشف الدول عن ارشيفها إلاّ بعد مرور سنين عديدة.

ابراهام لنكولن : حتى شعب حر ويتمتع بالمستوى العلمي تستطيع بواسطة وسائل الاعلام خداعه بتقديم معلومات مفبركة.

لكي نفهم الدور الخطير الذي تقوم به وسائل الاعلام وتأثيرها السلبي على الوعي والمعرفة علينا أن نفهم بنيتها الاساسية.

كيف باستطاعة وسائل الاعلام ان تلعب دورا" الغائيا"

أولاً: نتيجة مبدأ الاختيار.

ثانيا: اعادة تصنيع الخبر بما يناسب مصلحة المؤسسة.

ثالثاً: نشر الخبر والحجم والتوثيق يدل عن مدى التعاطف او العداء للخبر.

رابعاً: أسلوب التشويق.

وهذا ما يعرفه كل من يعمل بهذا الاتجاه.

ونتيجة الاكتشافات العلمية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في علوم الفيزياء والكيمياء حيث أصبح من الممكن السيطرة على الزمن من خلال تسجيل الصوت وتصوير الحركة يعني تصوير الزمن.

السيطرة على الزمن هو من أهم الاكتشافات البشرية.

في الماضي كان الصوت ينساب مع الزمن العادي من خلال الحوارات... الخطاب...

والصورة كانت لحظة زمنية يمجدها الفنان، ويثبتها في الذاكرة الانسانية.

 مع تطور العلوم أصبح بالامكان تسجيل الزمن من خلال الصوت والصورة مع اختراع السينما.

السيطرة على الزمن المتحول وامكانية تثبيته وفرّ للانسان القدرة على التلاعب بالزمن يعني تفكيك الواقع الى مقاطع ومن ثم اعادة تشكيله وتركيبه حسب رغبة الانسان ، ولم يعد الزمن هو الزمن العادي الذي يتحكم بالانسان وليس هو الزمن الذي قسمه الانسان الى ثواني ودقائق وساعات بل هو الزمن المصنع الخاضع للنزوات والرغبات.

اعادة تصنيع الزمن وفرّ امكانية اعادة تصنيع المعرفة .

فالصورة ذات تأثير مباشر وواضح وهدفها مركز لا يحتمل التفسير او التأويل او الاجتهاد، ولا تتحمل النقاش بينما الكلمة تحمل التأويل والتفسير والمقاربات المختلفة حسب الوعي البشري ومستوياته مما يجعل تأثيرها مشتت ومتنوع.

من هنا خطورة الصورة كونها لا تشارك الاخر بالنقاش وتفرض معناها وتأثيرها فرضاً.

امكانية تصنيع المعرفة يعني امكانية تصنيع الحدث، وهذا هو القانون الاساسي لوسائل الاعلام المعاصرة.

من يستطيع السيطرة على الزمن يسيطر على الفكر بتصنيع الفكر تستطيع تصنيع الحدث وتحديد مسار التاريخ. رافق هذا الاكتشاف اكتشاف اخر هو اكتشاف العالم الروسي بافلوف ونظرية الجرس والكلب القائمة عن الفعل ورد الفعل.

 

وهكذا استفادت وسائل الاعلام من هذا الاكتشاف الخطير حيث توفرت امكانية السيطرة على ردات فعل البشر وتوجيهها كما الجرس كان للكلب، فتحول المشاهد الى متلقي منفعل وليس بفاعل تحول الانسان الى مشاهد سلبي تفرض عليه المعلومات والآراء والحكايات دون ان يستطيع المقاومة.

فالجرس للكلب عند بافلوف لا يختلف حاليا عن الخبر العاجل او الملحق الاخباري حيث ردات الفعل هي غريزية وعفوية دون وعي...

العالم يعيش عصر الصورة ونحن العرب ما زلنا نعيش عصر الكلمة يعني وكما تعلمون لذلك نعيش خارج الزمن المعاصر خارج الواقع الاقتصادي والسياسي وهذا واضح من خلال واقعنا وعدم قدرتنا على ايجاد الحلول المناسبة.

من يمتلك الصورة يمتلك القدرة على السيطرة على الآخر وطالما السيطرة على المعرفة واحتكارها لا تستند الى مرجعية اخلاقية تصبح هذه الوسائل الاعلامية وسائل عنف وارهاب وتزوير.

قانون تأثير الصوت على الذاكرة يقوم على مبدأ التكرار بينما قانون الصورة يقوم على مبدأ اختزال الزمن كلما كان الزمن قصيراً كان التأثير أسرع.

قدرة العقل من خلال العين على استيعاب المعلومات هائلة، وهذا يدل على ان وسائل الاعلام باعتمادها على الابحاث العلمية المتراكمة تستطيع توجيه العقول بما يتلاءم مع الاحداث المنوي تنفيذها، دون مقاومة جدية وفعالة حتى ان وجدت.

لذلك تكرار المعلومة صوتياً وتحجيم الصورة زمنياً هو المبدأ الاساسي المعتمد في التقنية الاعلامية.

وصف الآخر بالعدو هو جزء من التراث المتكّون من التطرف الديني والثقافي والاقتصادي وهو الخزان الفكري الذي يستفيد منه الإعلام الموجه للناس في الغرب والشرق الصورة التي نتعامل بها مع بعضنا اليوم هي نتيجة التاريخ والموروثات الثقافية والدينية.

والهدف هو للتحرر من أية واجبات أخلاقية بما يتعلق بالضحايا.

 ابتداءً من الهندي الجيد هو الهندي الميت، مروراً بالياباني والفيتنامي والافريقي وصولاً الى الفلسطيني والعراقي والعربي والمسلم.

 

فالاستعمار كان دائما يقول انه يحمل رسالة حضارية وتحريرية لهذه الشعوب ويستعمل وسائل الاستغلال والعبودية لتحقيق أهدافه.

هو المتحضر والآخر متوحش.

الدفاع عن الأرض هو وحشية ضد الحضارة والتطور وعندما يستعمل المستعمر السلاح المتطور ومنهج الإبادة والإلغاء فهذا دليل على رقّيه وتحضره ويفتخر دائماً بقدرته على توفير القوة وأفضل الجيوش.

ويبرر جرائمه وممارساته بتوكيل من عند الله وكونه وسيلة إلهية لتحقيق العدالة والحرية للشعوب.

الاستعمار بشكل عام اعتمد على كتاب التوراة لتبرير حروب الإبادة والإلغاء. وخاصة الانكليز  والاميركان والصهاينة في أميركا اللاتينية وأفريقيا وفلسطين لان التوراة تبرر هذه الممارسات والجرائم كما كتب من كتبه إن بذور الفكر الإرهابي العنصري مبررة في التوراة، هناك شعب مختار وشعوب لا تستحق الحياة ، وفي كل مرحلة هناك فئة تعتبر نفسها مميزة وتعمل لالغاء الاخر يدعو الى ابادة السكان الاصليين وترحيلهم واستعبادهم ولا يؤمن بالمشاركة حتى من خلال الزواج.

 

هذه المبادئ هي الأساس الفكري للإعلام الأميركي والانكليزي، وهذا ما يمارسه الاستعمار الانكليزي وما يمارسه ويقوم به الاستعمار الأمريكي ويمارسه الإسرائيلي.واحيانا تقدم حججا تحت شعار الدفاع عن النفس.

وكلمة المعاناة هي المرتبطة بالجندي أو الطيار، والبطولة في الأعمال الروائية والسينمائية هي من نصيب الجندي الغربي الذي يقتل المئات والآلاف في سبيل إنقاذ صديق أو الفتاة التي يحبها، حقوق أصحاب الأرض غير موجودة في الصورة والرواية حتى جثته لا تظهر للحد من التعاطف مع الضحية في الأعمال الروائية والفنية والسينمائية لا نرى صورة للضحية، وإذا وجدت فهي صورة سلبية.

الحرب تصبح لعبة فيديو الإنسان ليس له قيمة أو غير موجود فقط التركيز على الآلات العسكرية والأسلحة والقدرات للقنابل الجديدة والخطط العسكرية بينما الضحايا لا يذكرون أبدا إلا كفرضيات وأرقام.

من ليس معنا فهو ضدنا هكذا قال لينين زعيم الحزب الشيوعي سنة 1918 وهذا ما قاله زعيم العالم الحديث جورج بوش.

لينين أرسل ميليشيات الحزب من موسكو وقال لهم اذهبوا الثروات عند الفلاحين الروس، معلناً بداية الحرب الأهلية.

اليوم ترسل الولايات المتحدة الجيوش إلى الريف العالمي خارج الولايات المتحدة لسرقة ثروات الشعوب، معلنة الحرب الأهلية على مستوى الكرة الأرضية.

من هنا يأتي دور وسائل الإعلام الأمريكية والمتحالفة معها التي تعيد تركيب الأحداث والوقائع لتبرير هذه السياسة وتتلاعب بالوثائق وتخلق بعض الأخبار والأحداث لتصنع الحدث، المذنب هو دائما الضحية، القاتل هو البريء، السارق هو المحرر، والذي يستعمل الأسلحة المتطورة هو المتحضر.

وسائل الإعلام الأمريكي تسوق السلاح والحروب كما تسوق البيبسي ومواد التنظيف المنزلية ضد الحشرات .

في سبيل السيطرة على المعلومات للتحّكم بالشعوب لذلك تصبح وسائل الإعلام وسائل إرهاب تستعمل للتلاعب بالمعلومات في سبيل التحكم والسيطرة.

الإدارة الأميركية تخلق الحدث وتفرض من خلال وسائل الإعلام المفاهيم على العالم فأكثرية وسائل الإعلام ملك أو متحالفة مع هذه المؤسسات، والمؤسسات الإعلامية الخاصة تسير معها وتكرر نفس المفاهيم والمواقف كونها تتعاطى مع وسائل إعلام خارجية كأي وكالة تجارية من ضمن المنطق الإعلاني.

الحروب القاسية تتحول في الإعلام إلى حروب لغوية، القنبلة الذكية أم القنابل، حرب تحرير وتطوير، اختيار الأهداف بشكل إنساني.

وهذه المصالح من صناعة السلاح إلى الأدوية، من شركات النفط والتأميم وغيرها، هي المستفيدة من عذابات الشعوب وهي تستمر بخلق هذه الحروب، ووسائل الإعلام تساعدها في تحقيق أهدافها وتعمل على تبرير سياستها.

وكان من المفترض أن تكون هذه القوى التي تعيش على تجارة الحروب قد انهارت مع انهيار الاتحاد السوفيتي ولكن في محاولة منها لإعادة السيطرة على العالم تعمل على خلق الحروب والأزمات، وهنا يصبح دور الإعلام المملوك من هذه القوى هو في خدمتها.

يطلق الإعلام الغربي حملة إعلامية لتبرير ممارساته في تدمير صورة هذه الشعوب، بطرح السؤال لماذا يكرهوننا كأميركيين؟ بينما شعوب العالم المعرضة للتدمير والتشويه تطرح نفس السؤال، ومنذ زمن بعيد لماذا تكرهوننا؟ لماذا تحاولون تدمير ثقافتنا وتشويه حضارتنا وإلغاء تاريخنا؟ لماذا تبالغون وتضخمون ضعفنا وكل النواحي السلبية في حياتنا؟ عندما العربي يقترف خطأ ما كل العرب متهمون، بينما في الغرب يصغرون مشاكلهم ويضخمون ايجابياتهم، عندما الأوروبي أو الأمريكي يقترف خطأ يقولون هذه حالة فردية وهو يعاني من مشكلة نفسية ولا تعبر عن حالة عامة، ويتكلمون عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية والحق بالاختلاف، عندما جيوشهم تذهب إلى الحرب يقفون وراء جنودهم القتلة وهم يقاتلون بعيداً عن أوطانهم وفي أراضي الأخر، يقولون أن جيوشهم تحارب في سبيل مصالحها هذا يعني أنهم مرتزقة؟ لماذا تصورهم وسائل الإعلام على أنهم جيوش تحرير؟ هل هذا تحرير الثروات من أصحابها وسرقتها؟

بول ولفوويتز مساعد وزير الدفاع الأميركي السابق قال " يجب أن تعمل إستراتيجية الولايات المتحدة الدفاعية على منع أي قوة عدوة على الإمساك بمنطقة تسمح مواردها إذا ما تمت السيطرة عليها أن تتحول إلى قوة عالمية سواء في أوروبا أو أسيا"، وتم تعيينه مديراً للبنك الدولي لاستكمال مهمته.

الشعوب الضعيفة تحاول الاستفادة من الايجابيات التي حققتها المجتمعات الأخرى لكن لماذا تحاول وسائل الإعلام التركيز على السلبيات لتبرير القتل والإلغاء ؟

الكلام عن الديمقراطية في وسائل الإعلام ليس له معنى، وفارغ من أي مضمون، شعوبهم أول المخدوعين، بالتلاعب بالمعلومات وبث الأفكار في وسائل الإعلام هي عملية إرهابية يستعملها القوي والقادر وهذا الأسلوب هو مدمر للإنسان أكثر من القنابل، وهو تدمير العقول وتشويه النفوس في محاولة إلغاء صورة الأخر بتشويهها ، ونحن نطرح السؤال ما هو الفرق بين أمركة العالم وهو المشروع المطروح والمقدم لنا الآن وبين الشيوعية والنازية والفاشية غير شعار عنصري جديد خال من أي أخلاق وإنسانية يقوم على إلغاء الأخر، وإلغاء خصوصياته وتحويله إلى نسخة مشوهة عن الآخر، في محاولة لإعادة تصنيعه بما يناسب الرغبات والمصالح.

ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي: التكنولوجيا هي التي انتصرت في الحرب ضد العراق هذا دليل على أن  الحرب غير أخلاقية ككل الحروب في التاريخ بدون استثناء، الحرب الأخلاقية والعادلة غير موجودة إلا في نفوس القتلة والمجرمين .

روبرت مردوخ رجل الإعلام ، ومالك سلسلة مؤسسة FOX الإعلامية، يقول:

-  على العالم أن يتعلم احترام أميركا.

-  على الأميركيين أن لا يهتموا بما يقوله العالم عنهم.

-  الأفضل الذهاب إلى الحرب الآن.

هذه أراء من يسيطر على السلطة السياسية والإعلامية . هذا التحالف بين وسائل الإعلام والسلطة السياسية يدفع بوسائل الإعلام إلى تصنيع الخبر المناسب وتحضير الأجواء الإعلامية التي تساعد السياسة على تنفيذ وتبرير أهدافها.

حيث يتم تحضير الأجواء الإعلامية للحرب، للعمل على تدمير الآخر وتشويه صورته الإنسانية نشر الأكاذيب والتقارير المصنعة، لتبرير قتله.

الآخر في الإعلام هو دائما عنيف مختلف مجرم متوحش يشبه الحيوانات والحشرات.

طريقة عمل الإعلام العربي.

الإعلام الرسمي دفاعي يقوم على المبادئ الأساسية

-  استقلال الوطن.

-  عدم التدخل بالأمور الداخلية.

-  الشعب يختار سلطته.

-  هدف الاستعمار سرقة الثروات.

-  السيطرة.

-  مسايرة إسرائيل.

الإعلام الأميركي الهجومي- شعاراته

-  حرب من اجل تحرير الشعب

-  السلام

-  ضد الديكتاتورية

-  الديمقراطية

-  حقوق المرأة

-  حقوق الإنسان

-  حماية الأمن الأمريكي

-  حماية المواطن الأمريكي

-  حماية المصلحة الأمريكية.

الإعلام الأمريكي، مثلاً، موجه إلى الداخل وهو الأهم بالنسبة للإعلام الأمريكي يقدم حقائق وأكاذيب للمواطن ، يتم الحوار مع الداخل بالتركيز على مستوى معيشته ووضعه الأمني مثلاً العراق وقبله أفغانستان يشكلان خطرا على امن الولايات المتحدة الأمريكية، وخطراً على المواطن الأمريكي من خلال الحملة الإعلامية عن تسرب المواد الكيماوية ، الضجة الإعلامية حول الجمرة الخبيثة وغيرها.

فتتم رشوة المواطن الذي يوافق على سياسة حكومته في الخارج بعد إغرائه وترهيبه وعندما يفترض أن الحرب توقع ضحايا من الجنود يخبرونه بأنهم يملكون أقوى الأسلحة ولن تقع خسائر في الأرواح مهمة لان السلاح الجديد يستطيع حسم المعركة بسرعة وهذا ما تقوم به وسائل الإعلام عند الكلام عن الأسلحة والخطط العسكرية وهي جزء من الحرب النفسية، وبان الحرب تحسن من مستوى معيشته، وهي ضرورة للتطور.

من المشاهد المبتذلة والمتكررة التي يستعملها الإعلام الغربي بشكل دائم، مثلاً:

التركيز على تصوير الجندي الأمريكي وهو ينقذ الأطفال يوزع الحلوى والشوكولا يعالج الجرحى يحرر المساجين، يوزع المساعدات .

تصوير الجندي الأمريكي على دبابته لحظة الغروب لإعطاء جو من الرومانسية.

الإعلام الغربي بشكل عام عندما يتعلق الأمر بالمشاكل العالمية يحرك كل خبراته العلمية وإمكانياته وكل رجال الاختصاص ونجوم الإعلام أصحاب الخبرة الطويلة ويوفر لهم كل الإمكانيات العلمية والمالية والمعلوماتية لمساعدتهم في إعادة ترتيب الأحداث وتصنيع الخبر كما هو مطلوب من حكوماتهم لضبط الأمور ورفع المعنويات.

فهذه المؤسسات الإعلامية الضخمة والرئيسية هي جزء من وزارة الدفاع وأجهزة المخابرات.

إعلاميو المؤسسات العربية من الشباب قليلو الخبرة أتوا من خلف المكاتب أكثريتهم من أصحاب اختصاص الصحافة المكتوبة لا يتقنون التعامل مع الصورة وبدون دعم معلوماتي من مؤسساتهم، أكثريتهم كان مترددا وغير قادر على تحديد موقف واضح مما يجري لأن موقف مؤسسته غير واضح:

1-  تحرير أو احتلال.

2-  ديمقراطية أو ديكتاتورية.

3-  حرب هجوم أو دفاع.

4-  من المسؤول في العراق حاكم مدني أو ممثل للاحتلال.

فتحول إلى ناقل للخبر بينما الأجنبي إلى صانع للخبر

فالاعلام العربي اعلام وصفي للماضي ولا علاقة له للمستقبل، بينما الاعلام الاجنبي هو صانع للمستقبل.

والقسم الأهم من استعمال وسائل الاعلام للتقنيات والمعرفة هو ليس التركيز فقط على المضمون بل على الشكل.

ليس المهم ما سنقوله بل كيف؟

اعلام الدول القوية يقوم على اكتاف العديد من المحترفين والتقنيين والفنيين الذين يعملون على تحسين صورة المعلومة، صورة المسؤول، وهذا ما نعانيه في وسائلنا الاعلامية لاننا لا نستطع تسويق افكارنا او التعبير عن مشاكلنا بشكل مقنع.

وهذا سببه عدم تمكننا من التحكم بالتقنيات الحديثة وبلغتها ومفرداتها.

الاعلام العربي لا يتخطى مرحلة نقل الخبر او المقابلة الصحفية ولا يستفيد من امكانية الصورة ، بينما الاعلام عند الدول الكبرى يعيش مرحلة الصورة مرحلة صنع الخبر الذي يصنع الحدث كذلك ويوجهه.

علاقة المضمون مع الشكل أساس كل المعارف والفنون، الإعلام الأجنبي يركز على شكل المعلومة بينما من يعمل في الإعلام العربي لا يدرك أهمية الصورة ولا يعرف أسرارها ولا لغتها ولا مفرداتها أحياناً يستعملها كديكور للتقارير الصحفية

عندما جاء الغرب وأقام إسرائيل ككيان عنصري وسط العالم العربي، حاول إلباس هذا الكيان ثياب الديمقراطية والحضارية لتبرير جرائمها ضد الفلسطينيين ويومها رفع شعار "ادفع دولارا تقتل عربيا"، واليوم العالم كله ينادي "ادفع دولارا تقتل إرهابيا".

وإذا كان هذا الأخر يصورنا جميعا كإرهابيين في وسائل الإعلام بشكل عام عددنا كعرب 300 مليون إنسان يعني انه بحاجة إلى 300 مليون دولار لقتلنا، فلماذا ميزانية وزارة الدفاع الأميركية وحدها 700 مليار دولار ؟ هذا يعني أن العرب ليس وحدهم المطلوب إلغائهم؟ عندما دمرت منظمة طالبان تماثيل بوذا في أفغانستان كل العالم تحرك من خلال الإعلام لاتهام طالبان بالعمل البربري والظلامي لارتكابها جرائمه ضد الحضارة والإنسانية، اليوم نشاهد نفس المشكلة في وسائل الإعلام حيث تتعاطى مع حرية إبادة التاريخ والحضارة الإنسانية بشكل منظم من خلال سرقة المتحف العراقي، والتراث الإنساني الذي يحتويه والذي هو ملك للبشرية وليس للعراق فقط تتعاطى وسائل الإعلام وكأنها سرقة عادية ينظر بأمرها .

إذا كانت أوروبا تعتبر قطعا" عقارية كما قال وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد إذا من نحن بالنسبة إليه غير حقل تجارب لأسلحته ومشاريعه في تنظيف العالم من الإرهاب والأوساخ.

منذ أفلاطون حتى اليوم كلمة الديمقراطية استعملت من قبل كل الأحزاب السياسية والمجموعات والسلطات والأفراد، وكل جهة تحاول إعطائها مضمونا" معينا".

في ميثاق الأمم المتحدة كتب لنا أن الديمقراطية هي نتيجة المعرفة والعلم والثقافة والتنمية ومساعدة الشعوب وتعاونها بينما اليوم في وسائل الإعلام هي مفهوم يستعمله رجال المخابرات وعسكريون وتجار أسلحة الذين يظهرون علينا في التلفزيونات كمدراء مراكز أبحاث ، ويصورونها لنا كدواء يحل كل المشاكل بسرعة عجيبة، بعدما كانت الديمقراطية هي هدف كما حددتها الأمم المتحدة، أصبحت وسيلة السيطرة على الشعوب.

 اليوم نشعر أن هذا الموقف قد تغير وان هذه القوى الكبرى لها أهداف جديدة ضرب الشعوب وتدميرها للسيطرة عليها هي اقل كلفة من الاهتمام بها وتنظيم مشاريع التنمية لمساعدتها.

قتل مليون إنسان بواسطة قنبلة متطورة هي اقل كلفة من أي مشروع تنموي.

 فمثلا تاريخ انكلترا التي لا تغيب الشمس عن جرائمها لغاية اليوم خلال 400 عام، هو سلسلة من الحروب وتنظيم الإبادات للشعوب تحت شعار فرق تسد.400 سنة من سرقة الشعوب، وتنظيم إبادتها وتدمير مناعتها الصحية ويقولون لنا أنها دولة ديمقراطية؟.

وما تحاوله الولايات المتحدة الامريكية من تطبيقه تحت شعار الديمقراطية والنماذج المقدمة لنا منذ الهندي الامريكي الى الفلسطيني بواسطة مرتزقتها الاسرائيليين الى العراق اخيراً وهو النموذج المثالي والمعبر بشكل دقيق عن المفهوم الديمقراطي الذي طالما حدثتنا عنه ولم نستطع ادراكه نظرياً رغم الدور الذي تقوم به كل وسائلها الاعلامية ومن يتعاطى معها.

ببساطة لا نريد هذا النموذج من الديمقراطية، لأنها أكثر المفاهيم ديماغوجية وغموض وكل الحروب كانت باسمها، لا ادري ما الفرق إذا قتل الناس باسم الديمقراطية او باسم الله.

وكما قال سبينوزا الفيلسوف لا يمكن ان تأخذ الإنسان الى الجنة بالقوة.

كما الرأسمال يلغي الهوية الوطنية والثقافية للشعوب كذلك الإعلام اليوم يعمل على خلق مركزية إعلامية من خلالها يفرض مفاهيم المركز على العالم تحت شعار امركة العالم.

حركة الرأسمال وحركة الجيوش ، وحركة الإعلام مثلث متكامل رغم بعض ظواهر الممانعة.

على كل منا ان يسأل نفسه هل وسائل الإعلام تقربه من الحقيقة بما توفر من معلومات او تزيد الأمور غموضا.

وعندما يطلب منا اليوم أن ننظف تاريخنا ومفاهيمنا وعاداتنا وأدياننا لنصبح أكثر جمالا وقبولا على الأخر تنظيف نفسه وتراثه من النظريات العنصرية والتفوق

والإعلام هو الوسيلة الأساسية لنشر الشر أو الخير بين الشعوب ولكن للأسف لغاية اليوم ما زال يلعب الدور السلبي بشكل عام.

 

ويبقى السؤال: ان كانت القرارات السياسية والاقتصادية وغيرها تبقى سرية، فماذا تقدم وسائل الاعلام من معلومات للقارئ والمستمع والمشاهد؟

اننا نناقش الأوهام في عالم افتراضي هو الاعلام.

 

سايد كعدو

مخرج سينمائي